الأمل ركيزة الأيديولوجيات المهترئة

كيف يمكن لنا أن نفهم الأمل البشري وتاريخيته العنفية الناتجة عنه، والتي تتمثل بكثير من العبارات المطروحة؟! ولماذا بات الأمل ركيزة الأيديولوجيات المهترئة؟

61
الأيام السورية؛ علي الأعرج

قد تبدو المادة القادمة، عنصر من عناصر الفاشية النفسية التي تهدم أي شيء بالنسبة للإنسان، لكن بطريقة ما تمتلك حيّز من العقلانية للتفكير جدياً بمستقبل الإنسان وخلاصه من أوهامه.

في أحد الأيام قال المسرحي السوري العظيم سعد الله ونوس، جملة ما زال يتردد صداها لليوم: “إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم ليس نهاية التاريخ”. قال ونوس ما قال ثم رحل عن هذا العالم، وبعد ذلك تم تبني العبارة من المثقفين في العالم السوري والعربي أيضاً على أنها شكل من أشكال النضال والاستمرار والصراع، دون فهم حقيقي لتشعبات مثل هذه العبارة البسيطة والشعرية التي خرجت من إنسان كتب مسرحاً لواقع دموي دون أمل أصلاً.

إن قلنا الآن على سبيل المثال بأن عنف اليوم هو نتاج لمفهوم الأمل البشري، قد يخرج جميع دعاة الإنسانية لاتهامنا بمعاداة الإنسان والتهجّم على خيالاته وأحلامه وطموحاته؛ لكن لحظة، كيف يمكن لنا أن نفهم الأمل البشري وتاريخيته العنفية الناتجة عنه، والتي تتمثل بكثير من العبارات المطروحة! من أمثال:

“الشيوعية ستأتي عاجلاً أم آجلاً، الخلاص غداً، الجنّة لنا، عجّل بظهورك يا مهدي، الجنس الآري سيسيطر على العالم، الثورة ستنتصر، الله لا يتخلى عن عباده، سيقوم المسيح”. وملايين من العبارات التي نسمعها اليوم وسمعها الآخرون لسنوات طويلة، لكن إن دققنا قليلاً فيها، فما هو الشيء المشترك بين جميع هذه العبارات!، سنكتشف بوضوح أنه الأمل الخارج من تلك الأيديولوجيات.

رغم ما توحي به العبارات السابقة من حقائق ثابتة وقطعيّة، لكنها في الجوهر ليست حقائق، إنما آمال يقينية، بصورة ثانية، رغبات للسيطرة على الواقع وعلى البشر وفرض رؤية خاصة لهم على الجميع من منظور أنهم يمتلكون السعادة النهائية. هذا الأمر ليس سوى وليد طبيعة تلك الأيديولوجيات القائمة أصلاً على مفهوم الأمل.

أليس من الطريف أن يحمل مفهوم الأمل الفلسفي هذه البذرة من العنف والتشنج والدمار للإنسان؟ ومع ذلك ما زال الإنسان يتمسك بالأمل ويغرق في العصبية.

فمثلاً الإسلام لم يكن لينتشر بهذه القوة لولا الأمل الناتج عن فلسفية الجهاد التي تحتفي بالميت كخلود في الفردوس، وذات الأمر يطبق على المسيحية أو الشيعة أو الهندوس أو الديانات الوثنية في العالم، وحتى في مجمل الرؤى العلمانية للسياسات في القرون الماضية كالشيوعية والفاشية.

بطريقة أخرى يمكن القول إن حركة التاريخ التطورية والفكرية السلمية صنعها منعدمو الأمل (نيوتن، الكندي، كافكا، بلزاك، الجابري، دافنشي، ونوس، آينشتاين، الحلاج، ابن رشد.. الخ)، وعلى النقيض الفاضح نشاهد أن جميع الجحيم الواقعي الذي يعيشه الإنسان اليوم، وعاشه سابقاً قد صنعه دعاة الأمل الخلاصيين (النص الثابت) في الغد.

أليس من الطريف أن يحمل مفهوم الأمل الفلسفي هذه البذرة من العنف والتشنج والدمار للإنسان؟ ومع ذلك ما زال الإنسان يتمسك بالأمل ويغرق في العصبية.

هذه الآمال العظيمة حوّلت حياتنا إلى جحيم فعلي، ومع ذلك ما زالت مستمرة، وما زال الإنسان يتعلق فيها لأنه لا يريد أن يفكّر ولو قليلاً في حاضره، وحتى الأكثر انتقائية وواقعية، ينظر للمسألة السابقة بعين الاتهام النفعي للآخرين.. “أتريدون أن يحيا الناس بلا أمل!”.

ما الفائدة الحقيقية من وجود أمل وهمي يرسّخ الركض وراء الشيء الذي لن يتحقق سوى استمرار هيكلية واحدة ونمط محدد للإنسان؟

يقول الفيلسوف الدنماركي سورين كيركيغارد في كتابه (مبحث في اليأس): اليأس هو الشرط الأساسي للوعي. ما أراد كيركيغارد قوله (بخلاف قبولنا أو رفضنا لرأيه) أن الوعي البشري الذي يغيّر الواقع لا يمكن أن يكتمل إلا من خلال إدراكه لبؤس اللحظة، أي أنّ الفعل المستقبلي (الأمل) لا يحقق اكتمال الوعي، وبناء عليه يصبح إنشاء المستقبل ناتج عن رغبة لما نريد وليس تحليل منطقي لحاضر يمكن بناء الغد عليه.

هذا ليس دعوة لليأس، إنما دعوة لفهم الواقع وفهم ماهيتنا البليدة عندما نؤمن بأشياء لن تتحقق بزراعة الأمل، إنما بالتفكير العقلاني لبناء الحياة. هناك فرق بين الأمل كرغبة خيالية وبين تغيير الواقع كتحليل للبناء.

بمعنى، طريقة فهمنا للواقع أن الأشياء لا تتحقق سوى بما نفعله، هو ما يجعل الحياة أكثر نجاحاً وسلاماً مقارنة بدعاة الآمال وما تنتجه من فلسفات نصيّة، تنتج عنه طريقة عنفيّة لتحقيق تلك الآمال، وانتظارها لتتحقق بأسلوب (رغبات غيبية) وبالتالي تصنع جحيماً مضاعفاً من خلال ذلك الأمل الذي يطرح نفسه كقوة خلاصية من أجل الغد. إنه يُنتج العنف لأنّ صورة الأمل في أي أيديولوجيا تنظر للمسألة على أنها تمتلك الأمل والحق المطلق والحياة الرائعة والخلاص النهائي للإنسان.

وهنا لا نتحدث فقط عن الأشكال الهرمية للسلطات والأيديولوجيات الكبرى، بل حتى عن طريقة تأثرنا بنمط تلك الأيديولوجيات ونشوئنا على نفس السياق، فمثلاً، النوستالجيا الفردية (وطنية، عاطفية، فكرية.. الخ) ليست أكثر من صورة مشوهة لفكرة الأمل.

في أحد الأيام جرى موقف طريف في مقهى في مدينة غازي عنتاب التركية، لشخص يحتفظ بمفتاح منزله السوري وهو يقول: “لن أتخلى عنه، سنعود”. حينها سألني عن مفتاحي، فشعرت بالامتعاض من تلك النوستالجيا الغبية وأجبته بطريقة سيئة جداً، لكني اليوم عندما أتذكر جوابي أشعر بأني كنت محقاً، قلت له: “لم أحمل مفتاحاً معي. عندما أعود للبلد، رفسة واحدة وسيُفتح الباب. إنه عبارة عن باب”.

اليوم عندما أتذكر هذا الحديث القصير، أستطيع أن أفهم ضرورة قتل الأمل للاستمرار في الحياة. إن انعدام الأمل هو ضرورة للبناء، وصنع إنسان أقل عنفاً ويفكر بطريقة أكثر عقلانية من آمال زائفة يريد دعاتها أن يحملها البشر على أكتافهم من أجل استمرار نفوذهم وسيطرتهم على الناس.

الشيوعية لن تأتي، والعرق الآري لن يسيطر، والله تخلى عنا، والمسيح لن يقوم، والمهدي لن يظهر، والثورة لن تنتصر.

هذا ليس دعوة لليأس، إنما دعوة لفهم الواقع وفهم ماهيتنا البليدة عندما نؤمن بأشياء لن تتحقق بزراعة الأمل، إنما بالتفكير العقلاني لبناء الحياة. هناك فرق بين الأمل (كرغبة خيالية) وبين تغيير الواقع (كتحليل للبناء). الأمل لا يخلق سوى الوهم، وانعدام الأمل يجعلنا على تصادم مباشر مع الواقع لنستمر في البناء الفرداني أو المجتمعي. في النتيجة إسقاط كل ما يتمثل كخلاص من تفكيرنا هو الانتصار الوحيد الذي يمكن لنا فعله.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.