الأمثال الشعبية ليست دعابة تقال وتنتهي إنها آلية متجذرة في الوعي الباطن

إن البشر في كل أصقاع الأرض، يعيشون ويموتون وهم يتعاطون مع محيطهم وتراثهم، وما ينتج عن تلك التاريخية الثقافية للمجتمع، دون البحث والتساؤل، ما سبب تواجد هذه الثقافة في حياتنا؟ ومن أين نشأت؟ ولماذا نشأت؟

علي الأعرج
علي الأعرج

بكل تأكيد لا يمكن للإنسان أن يعيش خارج ما أنتجه التاريخ، وإنّ كل فعل ممارس الآن هو بطبيعة الحال ليس سوى امتداد لتراكيب عقلية وثقافية تطورت وأثّرت في منظومة وجودنا، لكن التسليم بهذا التطور على أنه أحد أشكال القدرية الطبيعية أو اللاهوتية، يجعلنا أقرب للجمود العقلي الذي يميزنا عن باقي الكائنات، لذا فإن تعديل هذا التطور ومحاولة فهم صيغه هو من أولويات مفهوم الحضارة.

إن البشر في كل أصقاع الأرض، يعيشون ويموتون وهم يتعاطون مع محيطهم وتراثهم، وما ينتج عن تلك التاريخية الثقافية للمجتمع، دون البحث والتساؤل، ما سبب تواجد هذه الثقافة في حياتنا؟ ومن أين نشأت؟ ولماذا نشأت؟ إننا نتعاطى فقط مع وجودها. أمام واقع ثقافي تاريخي، نحن فعلياً غير قادرين على تحديد هويته أو مساره بدقة، وبالأخص حين نحاول مناقشة جانب من هذه الثقافة التاريخية المحيطة بحياتنا، كالأمثال الشعبية التي وجدت في حياتنا دون قدرة على تحديد زمنية نشوئها، أو الموقف التاريخي المرافق لها والذي دعاها للظهور، كل ما نعلمه عن ثقافة الأمثال تلك، هي أنها موجودة لغاية ما.

المثل هو عبارة عن قول مأثور يتضمن نصيحة أو تهكم أو موقف نقدي، لكن الأهم من كل ذلك، أنه يحدد مستوى وعي المجتمع الذي نشأ منه

يُعرّف المثل بمنحاه الأدبي، إنّه إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه، وجودة الكناية. لكن بكل تأكيد لا تُخلق الأمثال فقط ضمن هذا التعريف، أو تحديد نشوئه بهذه المحسنات البلاغية والنحوية. فالمثل هو عبارة عن قول مأثور يتضمن نصيحة أو تهكم أو موقف نقدي، لكن الأهم من كل ذلك، أنه يحدد مستوى وعي المجتمع الذي نشأ منه.

مثلاً، عندما نشاهد شخصاً عاشقاً دون قدرته على تبرير عشقه، يُستحضر المثل القديم القائل “الحب أعمى”. عند تلك النقطة ينتهي كل نقاش كأن المثل حقيقة لا يمكن سقوطها مع التقادم، لكن دعونا نتوقف قليلاً عند هذا المثل لنفهم الصيغة.. “الحب أعمى”، نحن فعلياً لا نعلم الزمن الذي نشأ به، ولا نعلم المكان الذي قيل فيه، ولا ندرك من أبطاله الذين كانوا موجودين حتى يرى النور، لا كقائل ولا كشخص قيل عنه. إننا نتعامل مع حالة فكرية مجردة، رغم بلاغتها وإيجازها، لكنها حقيقة مطلقة بالنسبة للناس. إذاً؛ فمعنى الأمثال هي مجهولة لنا، وتحوّلت نتيجة مجهوليتها إلى حالة تراثية ثقافية، تحدد مفاهيم ذلك التراث ومستوى وعيه، المستمر حتى الآن. وهذه هي النقطة التي يجب التوقف عندها.

بالرغم أن هذه الأمثال هي وليدة لحظة تاريخية ذاتية وموقف لا نعلمه، لكنها تحولت إلى نمط ثقافي ومتداول، وحددت آلية تفكير اجتماعية شكّلت ما يُعرف اليوم بتراثنا

هناك المئات والآلاف من الأمثال المتداولة والتي تتشابه في جوهرها مع بعض الأمثال حول العالم، لكن يكمن الاختلاف في طريقة التعبير، وبعضها الآخر متفرد بمجتمعه، وهذا التفرد بالضبط هو الذي يحدد مستوى وعي المجتمع وثقافته التراثية.

وكي نفهم هاتين النقطتين، سنأخذ مثالين:

 

المثال الأول: في تشابه الأمثال حول العالم

هناك مثل لاتيفي يقول: (Even the devil himself does not know where women sharpen their knives) حتى الشيطان نفسه لا يعرف أين تشحذ النساء سكاكينهن. المثير في هذا المثل هو سياقه ورونقه الأدبي، والذي يدلل على قوة المرأة وغضبها التي حتى الشيطان لا يمكن أن يعرف عن أسرارها شيئاً. وبالمقابل؛ هناك مثل عربي يقول: (حتى الشيطان يدعي ليؤمن شرّ المرأة). هذا التشابه في المعطيات يدلل على ثقافة جمعية شاملة حول سر المرأة وقوتها وغضبها، لكن دعونا ندخل لوعي الثقافتين بعيداً عن أدبية المثلين أو بلاغتهما.

في المثل اللاتيفي نلاحظ أن المرأة مساوية للشيطان فهي لا تسيطر عليه، بل تتخذ اتجاهاً معاكساً يجعل الشيطان جاهلاً أمامها، لكن الشيطان نفسه ما زال قادراً على الفعل والبحث، أما في المثل العربي فنلاحظ أن المرأة قد تفوقت فعلياً على الشيطان الذي عارض الإله، الشيطان نفسه أصبح مؤمناً من أجل أن يكفي نفسه غضب المرأة.

هذا التفوق الأنثوي في ثقافة التراث لدينا، يحتاج إلى ترويض، فالمرأة التي تجعل الشيطان مؤمناً ببساطة يمكن أن تجعل الرجل العادي ميتاً أو مجنوناً بأفضل الأحوال، وكي يستطيع الرجل السيطرة التي أباحتها له تلك الثقافة التراثية فعليه ترويض ذلك الكيان المتفوق، ويحق له أن يستخدم أي شيء بما في ذلك التعنيف أو الإهانة. بالطبع ليس الغرب أفضل حالاً في تشبيهه حول المرأة، لكن كما قلنا الشيطان يبقى شيطاناً طليقاً. موازنات القوة نسبية وموجودة في المثال اللاتيفي بين المرأة والشيطان، لكن في مثلنا العربي لا وجود لموازنات نسبية، إنه إطلاق الشر بكامل سيطرته حتى على الشيطان نفسه.

فالمرأة في صيغ تراثنا هي شر مطلق، فنحن قوامون عليها، وهي سبب بلائنا وخروجنا من الجنة، وهي أيضاً ناقصة عقل ودين، بمعنى (ضعف الذاكرة والحيض الطبيعي)، لذا فبإمكانها أن تتفوق على الشيطان، لأن وعيها ورغبتها في التراث لا تخضع لتسلسل منطقي. تفوقها على الشيطان لأن الشيطان نفسه لديه أسلوب منطقي وممنهج في الإغواء، أم هي فلا. التفوق المطلق يساوي رغبة خطيئتها التاريخية ونقص وعيها وذاكرتها وفهمها.

أما تساوي المرأة والشيطان في المثل اللاتيفي، لأنها ببساطة ثقافة تراث أكثر تقبلاً لفعل الخطيئة، “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”. بمعنى أن الشيطان طليق والإنسان قابل للخطأ، إنها حالة المجابهة والصراع الطبيعي الحر بين الخير والشر وليس تفوق الشر المضاعف على الشر كما المثل العربي. تراثية المثل اللاتيفي هي لجذر تراثي تسامحي.

بهذا المعنى البسيط نستطيع تلمّس أول الطريق فيما نحن بحاجة للكتابة عنه وفهم البنية التي تجعل من تاريخ الأمثلة لدينا أكثر راديكالية، من خلال ما أسميناه تشابه الأمثال في العالم.

 

المثال الثاني: الأمثلة التي يتفرد بها المجتمع وتحدد وعيه التراثي

قبل أن نتحدث في هذا الجانب، ونورد الأمثلة التي نستطيع من خلالها شرح المعنى كيف يتفرد المجتمع بأمثلته وتحديد مستوى وعيه، لا بدّ من القول، أن جزءاً كبيراً من أمثالنا، والمتداول في حياتنا المعاصرة، قد لا يكون قديماً جداً. قلنا أن الأمثال لا نستطيع تحديد زمنية نشوئها، لسبب أن الأفكار فيها واضحة ومجردة ومباشرة، لكن إنّ تأملنا فيما هو متوافر لدينا منها، نستطيع تلمّس تفاصيل مدنيّة حديثة نوعاً ما، من خلال مستوى الوعي المتواجد في الأمثال، وطبيعتها الإشكالية أو طريقة معالجاتها المجتمعية ذات المنحى الأخلاقي، والذي نشأ فعلياً في العالم من خلال آخر سبعمائة أو ثمانمائة عام. أي مع بداية النهضة الإنسانية، والعمرانية، والتعليم، والعسكرة الحديثة مع فوارق طبقية ضخمة.

منذ ذلك الزمن اجتاح العالم هوس التقييم والنقد الاجتماعي والتوصيف مترافقاً مع حالة انتفاض الحضارات الحديثة. لكن هذا التقييم والنقد الذي جاء كأمثال متداولة يجعلنا نقف مطولاً، ونحن نقرأ فيه تاريخاً سلبياً حقاً، سلبياً اتجاه إنسانيتنا في الدرجة الأولى، لما يحمله من نظم استغلالية وعنصرية. ولفهم هذه النظم دعونا نورد بعض الأمثلة، التي تأتي الدراسات عليها بالعام كنوع من التجميل وإخفاء شناعتها، ومحاولة تهذيب الجوهر العنفي والسلبي والعنصري اتجاه البشر، مع التركيز أننا سنورد جانباً بسيطاً في الأمثال، بعيداً عن مئات غيرها تحمل قيمة نصائحية، من أمثال “ابن آدم عينو طماعة ما بتشبع إلا بكمشة تراب \ أنت ابن الست وأنا ابن الجارية.. الخ”، هذه الأمثال التي تحمل مفاهيم قد نتفق معها وقد نختلف، لكن هناك أيضاً الجانب الاستغلالي للإنسان وهو ما يحدد قيمة وعي المجتمع الخفية. ومن تلك الأمثال: (لا تاخد أرملة كان خدها مشموم، إش ما عملت معها بتقول: مو متل المرحوم \ الرجّال يلي يطلق مرته ما هو أمين، والمرا يلي تطلق زوجها حطوها بالأميم \ بدك تضحك ع الأسمر لبسو أحمر \ صوت حيّة ولا صوت بنيّة).

بالرغم أن هذه الأمثال هي وليدة لحظة تاريخية ذاتية وموقف لا نعلمه، لكنها تحولت إلى نمط ثقافي ومتداول، وحددت آلية تفكير اجتماعية شكّلت ما يُعرف اليوم بتراثنا. ونلاحظ أن أغلب الأمثال الاستهزائية والتحقيرية هي مناطة بالعنصر الأنثوي دائماً، وهو ناتج، كما أسلفنا في الأعلى، عن آلية الأصل التراثي بالنظر لهذا الكيان الموسوم باللعنة.

فمثلاً؛ في كل الأمثلة المتعلقة بالمطلقات والأرامل، تستشعر ذلك العنصر المهين لمنطق التجربة السباقة، والمرتبط أصلاً بأصولية الخيال الفردوسي الموعود، وهو أن عذرية المرأة تعود عند كل ممارسة جديدة للجنس في الجنة، فتجربة الأرملة والمطلقة لا تتوازى مع المخيال النصي. وحتى عند ضرورة الحاجة للعنصر الأنثوي، لا يتم تمجيد المرأة إلا بمنطق أكثر تشويهاً ومتعة مجردة، ورفض أي شكل للحرية عند الآخر.

وبرغم التطور والتقدم الذي أحرزته مجتمعاتنا نسبياً، لكن مجرد حضور موقف وأمثال تليه يجعل ذلك التراث ووعيه ينهض من جديد على السطح، وهنا ليس الهدف إلا محاولة إيصال فكرة مهمة، أن ما نمارسه ليس وليد آني دخل في عمق المجتمع، بل جوهر أصيل وقديم أعاد صياغة وسرد ما نراه وندركه في عقولنا منذ زمن طويل.

إن المثل الشعبي ليس دعابة وكلمة تقال وتنتهي، إنه آلية ومنهج متجذر في الوعي الباطن لدينا.

 

علي الأعرج: كاتب وصحفي سوري، صدرت مجموعته القصصية الأولى عام 2017 عن دار صفحات في اسطنبول وحملت عنوان “كتاب النقص” يقيم في مدينة نيزب التركية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.