الأمثال الشعبية التراث الشفهي للشعوب

حالةٌ تمثل ثقافة الأجداد وخيط الترابط الذي يجمع بالأبناء، ميراثٌ دون الماضي ونظر إلى المستقبل، تلك هي الأمثال الشعبية.

عادوا بخفي حُنين… مثلٌ شعبي له قصته وجذوره في التاريخ العربي، هو أحد مئات اﻷمثال الشعبية العربية التي تنطبق على الواقع اليوم سياسياً وعلى وجه التحديد في قراءتنا لحال المفاوضين السياسيين العرب.

معظم تلك اﻷمثال المدونة في كتب التاريخ شكّلت كنزاً وإرثاً فكرياً هو عصارة تجربة أسلافنا ونظرتهم إلى الحياة ومخرجات المشهد اﻹنساني، سياسياً، عسكرياً، واجتماعياً، حيث حمل كل تلك اﻷبعاد وصاغها في قالبٍ خفيفٍ بعباراتٍ موجزة، يمكن للمتتبع لتفاصيلها وأصولها أن يعتبرها، قاعدة للعيش، وخلاصة تجربة السابقين.

«سالم: لا تصالح! ولو قيل رأسٌ برأس! »… كلماتٌ خطها كُليب إلى الزير السالم ((أبو ليلى المهلهل))، قبيل موته وبعد أنْ قتله “جساس بن مرّة”، عبارةٌ تستخدم اليوم في المشهد السوري، يهتف بها مناصروا المعارضة السورية، في محاولةٍ للتأكيد على أنّ إجرام النظام السوري ﻻ يمكن معه المسامحة فضلاً عن المصالحة.

عالم اﻷمثال الشعبية العربية المحكية بالفصحى أو تلك المتداولة على لسان العوام من الناس ((اللهجة المحكية))، ظلّت حاضرةً حتى في مؤلفات الشعراء، والنقاد، وأصحاب القلم والفكر السياسي، واﻹعلاميين، باعتبارها حُكماً يصلح لكل مكانٍ وزمان؛ واﻷهم أنّ الحاضر لم يعد يشهد ميلاداً لمثل تلك “العصارة الفكرية”؛ وهذا ما أكسبها ((اﻷمثال)) حضوراً، ومنحها مساحةً واسعة للتداول والخلود.

من جهةٍ أخرى؛ فاﻻنتقال الشفهي المباشر للأمثال، والتداول بين عوام الناس ومثقفيهم، فرض استمراريتها، ومكّن لها من البقاء والقوة ما لم يمكّن لغيرها من أبحاث المؤلفين والباحثين عبر العصور.

كما أنّ لتداخل الأمثال في حياة الناس، وإمكانية تطويعها وفق اللهجات المحكية المختلفة في العالم العربي أعطاها انتشاراً كبيراً، وسمح للتزاوج والتلاقي الفكري بين شعوب المنطقة، ويرجع الدور الكبير لترسيخها في الذاكرة ما قدمته السينما والروايات اﻷدبية من تناولٍ لأبعاد تلك الحكم، أو حتى اﻻستناد إليها في البناء الدرامي للقصص.

التنوع الواضح وطرق شتى أبواب الحياة، بين الحكمة والنكتة، أو حتى المزاوجة بين اﻻثنين؛ نقطةُ قوةٍ أخرى في صالح اﻷمثال الشعبية، وعلى سبيل المثال:

“جنت على نفسها براقش”، غالباً ما تستخدم من باب الفكاهة أو الجد في حالة مواجهة عدوٍّ ما.

الحب له حضوره في المثل الشعبي، حتى بات خيط أمل الحالمين والعشاق، للمشتاقين إلى أوطانهم بعد غيابٍ وفرقة، كتلك التي تقول: “إنّ الغروب لا يَحول دون شروقٍ جديد”، أو ذاك القول الذي يحمل في طياته بعداً وأفقاً خالداً آخر “ﻻ بد من صنعاء ولو طال السفر”.

التراث الشفهي للشعوب عموماً يؤكد أنّ ما قيل وتم تدوينه خرج من رحم الواقع ﻷجل البقاء، ويمكن الذهاب بعيداً للقول بأنّ: اﻷمثال الشعبية هي جسر العبور بين الحاضر والماضي، وإشرافٌ على المستقبل من نافذة حكيم، تربط بين أجيالٍ بحبلٍ متماسك، غالباً ما يؤكد وجود التمازج والرابط اﻻجتماعي حتى بين شعوب العالم.

الشعراء العرب أبدعوا في صياغة كلماتٍ خالدة أصبحت اليوم متداولة على لسان العوام فضلاً عن المثقفين والعسكريين والسياسيين، كتلك التي قالها المتنبي: «وسوى الروم خلف ظهرك رومُ»، وهي شطرٌ من بيت في قصيدة مطلعها: مَا لَنَا كُلُّنَا جَوٍ يا رَسُولُ.

إننا أمام حالةٍ فكرية تراثية أصيلة تمازجت فيها اﻷصالة والنكتة، اﻷدب والمعرفة، اﻹيجاز والحكمة، فكأنك بتلك المقوﻻت الشعبية تسمع وتقرأ نظرة أسلافنا للحاضر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.