الألفاظ النابية.. مطالبة بالتوقف عنها دلالة احترام للآخر دون فهم لتاريخ النشوء

من المهم أن نفهم بعمق من هو المستفيد في إخفاء جانب من الثقافة وإحلال شيء آخر محلها، والحضارة لا تتم في دعم المشروع السياسي لإخفاء جزء من تلك الثقافة وتدميرها التدريجي بل بإعادة إحيائها واعتبارها شيء طبيعي وغير مقدس.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

كثيراً ما يعلو صوت اجتماعي نقدي لإنتاج حالة مثالية للمجتمعات والوصول بها إلى كمالية ثقافية ذات أبعاد معينة وخاصة، إنها أشبه بالرغبة لإنتاج قوالب فكرية وأخلاقية محددة وجاهزة وتناسب الفئة المسيطرة أساساً على التاريخ الأخلاقي واللغوي والثقافي العام في مجتمعاتنا في العصر الأخير؛ ومن هذه الانتقادات هي السلوكيات التي تنحو في فهم معنى معين، مثل الألفاظ البذيئة، وانتقاد هذا السلوك ضمن معيار يعتبره البعض، الحقيقة والمثال، دون فهم تاريخ نشوء هذه السلوكية اللغوية كدراسة واضحة، أو حتى إحالتها لمعاني معينة دينية تاريخية أو مقدسات، دون بذل جهد كافي، سوى الرغبة الخاصة لدى الناقد – بالعام – في إنشاء منظومته المثالية في ذهنه ومحاولة تطبيقها على الأرض، ودون مراعاة أي حقيقة مغايرة.

الذي جعلني أكتب عن هذا الموضوع، أمر بالغ المصادفة، ودون أي تخطيط مسبق، لكنه جاء عفوياً ثنائياً لفعل المقارنة بينهما، وهو استعراض إذاعي عن موضوع الشتائم في المجتمع، وفي نفس الوقت وقوع مسلسل وثائقي قصير بين يديّ، ست حلقات ولمدة 20 دقيقة، ويقدمه الممثل الأمريكي نيكولاس كيج بعنوان: “تاريخ الكلمات البذيئة History of Swear Words” وهي مقسمة إلى مناقشة ست كلمات (Fuck, Shit, Bitch, Dick, Pussy, Damn) وتأثيرها الحالي على الوعي الاجتماعي والثقافي، ودراسة تاريخ نشوئها، وكيف تحولت من كلمات طبيعية في التاريخ الأدبي والثقافي اليومي إلى تابوهات مقدسة، ثم كيف تم تجاوزها في بعض المجتمعات لتعود وتصبح جزء من ثقافة يومية يمكن استخدامها في كل مكان في الإعلام، والرئاسة السياسية، وفي السينما، وفي الشارع، دون اعتبارها إهانة رغم حملها للإهانة نسبياً.

الغريب في الأمر هو المطالبة الجمعيّة الثقافية لبعض المجتمعات في إخفاء هذه السلوكية ومحاولة دفنها، وليس البحث فيها أو إعادة إحيائها باعتبارها كيان طبيعي ولا يمت للمقدس بصلة.

لفهم المعضلة يمكن مشاهدة هذا الوثائقي الكوميدي القصير، لكن المقارنة التي جرت بسرعة بين فهم مجتمعاتنا لمعضلة الكلمات النابية واعتبارها كيانات شبه شريرة ومتمردة على قوانين الأخلاق المثالية وإدراجها داخل بوتقة الجندرة والسلطة الأبوية على التاريخ النسوي، وبين محاولة فهم نشوء هذه الألفاظ وتحولها كما جرى في الوثائقي كمثال، يوضح إلى أي مدى أنّ المشكلة في التعاطي مع هذا النوع من المعضلات الاجتماعية لا ينظر إلى الجذر اللغوي الأيديولوجي المقدس الذي هو السبب الرئيسي لثقافة الانقسام الجندري والتفوق الذكوري وهو فكرة الدين السياسي ببعدها اللغوي، إنما إحالته المزيفة إلى السلوك العلماني والمدني الثقافي الحديث.
الغريب في الأمر هو المطالبة الجمعيّة الثقافية لبعض المجتمعات في إخفاء هذه السلوكية ومحاولة دفنها، وليس البحث فيها أو إعادة إحيائها باعتبارها كيان طبيعي ولا يمت للمقدس بصلة؛ بمعنى يكفي أن تمسك كتاب ألف ليلة وليلة، النسخة الأصلية، لتفهم المقصود حول فكرة استخدام الكلمات النابية وطبيعتها كجزء من ثقافة المجتمع التاريخي وليس محرماته، ويكفي أن ننظر لتاريخ الإغريق لنفهم طبيعية تلك الأعضاء في الثقافة الإنسانية، وندرك جيداً كيف أنّ الدين السياسي في أي مجتمع هو الذي صنع التابو الذي خلق تدريجياً عناصر الكبت المعرفي على كافة الأصعدة (الجنسية والثقافية والأخلاقية واللغوية).

إنقاذ المجتمعات وتطورها لا يتم بإخفاء الجانب الثقافي الذي فعلّته السياسة والسلطة من تاريخ هذه المجتمعات، بل إسقاط ما جعل جزء التاريخ هذا مقدساً وخلق التابوهات فيه ووصم من يستخدم هذه الثقافة التي كانت يوماً جزءً طبيعياً من وعي المجتمع بأنه مسيطر على جزء جندري، بالتحديد أنثوي.

عندما استمعت إلى البرنامج الإذاعي حول الشتائم والكلمات النابية التي نستخدمها، انتظرت طويلاً أن يتفوّه أي شخص بكلمة أو إشارة حتى ولو عابرة وسريعة، لفكرة أنّ اللغة العربية ببساطة تمتلك التقسيم الفيزيائي للجنسين الذكري والأنثوي والذي ينتج عنه تقسيم لكل شيء آخر، وبالتالي جوهر الجندرة والتفوق البطريركي هو أصلاً جزء من هذه اللغة المحمية بالنصوص المقدسة التي افترضت الأدوار الفيزيائية كونياً.

كيف يمكن ألا يكون هناك تفكير اختلافي إن كانت اللغة تقوم على مهمة تصوير تخيلي لفيزيائية الوجود؟؛ اللغات الأجنبية كمثال أو الجزء الأعظم منها، تقوم على مساواة لغوية، وبالتالي النصيب من اعتبار الكلمات النابية جزء من طبيعة الحياة يتساوى فيه الجنسين، أما اللغات التي تقوم على معادل تقسيم ذكري أنثوي ففيها تكون فكرة التفوق الذكوري أعلى بكثير لارتباطه أيضاً بتاريخ الاقتصاد والسياسة وتطوره.

فهم مشكلة إنشاء مجتمع مثالي وأخلاقي ويكون في العالم قائم على مساواة لا يتم بتدمير جزء من الثقافة التي كانت أمراً طبيعياً في تاريخنا، بل فهم نشوئه وإعادة إحياء تلك الثقافة المساواتية وليس تجاوزها لنكون مجتمعات أكثر تمدناً.

في النتيجة، فهم مشكلة إنشاء مجتمع مثالي وأخلاقي ويكون في العالم قائم على مساواة لا يتم بتدمير جزء من الثقافة التي كانت أمراً طبيعياً في تاريخنا، بل فهم نشوئه وإعادة إحياء تلك الثقافة المساواتية وليس تجاوزها لنكون مجتمعات أكثر تمدناً؛ لليوم نحن نعتبر لفظ القضيب والفرج والمؤخرة والعاهرة والمومس كلمات تدلل على ارتفاع ثقافي وعمق ذهني مهذب وأخلاقي، ويمكن قرائتها في أي كتاب أو كتابتها في أي دراسة أو بحث معرفي، لكن يتم اعتبار معادلها الشعبي من الكلمات التي يستخدمها الجميع في الشارع الذي نعيش، هي كلمات استباحية يومية وكريهة وتدلل على انحطاط ثقافي، على الرغم أنها في الجوهر كلمات تاريخية طبيعية وهي جزء من فصاحة اللسان العربي.

من المهم أن نفهم بعمق من هو المستفيد في إخفاء جانب من الثقافة وإحلال شيء آخر محلها، والحضارة لا تتم في دعم المشروع السياسي لإخفاء جزء من تلك الثقافة وتدميرها التدريجي بل بإعادة إحيائها واعتبارها شيء طبيعي وغير مقدس.

عندما نصل إلى ذلك المستوى نكون فعلياً قد بدأنا في التحرر السياسي الحقيقي لأننا سنكون قد بدأنا في تحرير الوعي الإنساني أصلاً.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.