الأغنية الشعبية عند الكُرد.. النهر الذي تصبّ فيه جداول حياتهم كلّها

يخدم الأدب الشعبي عند الكُرد أهدافاً شتى، لكن أبرزها على الإطلاق أنه يحمل القيم الكُردية ويصور الممارسات الاجتماعية اليومية حتى غدا مخزوناً هائلاً ثرياً لكل ما يتعلق بحياة الإنسان الكُردي.

185
الأيام السورية؛ حنان معمو

يعتبر التراث الشعبيّ، أو الفولكلور، أحد أهمّ معالم الهُويّة الوطنيّة لأيِّ شعبٍ من الشعوب، والإطار الذي يعبِّر عنها تعبيراً صادقاً وحقيقيّاً، كونه يمثِّل خلاصة معارفها وتجاربها وخبرات أفرادها، لدرجة يتمكّن المرء من خلاله أن يفهم طبيعة هذا الشعب وفلسفته وثقافته، ويتعرّف على معتقداته وتقاليده وحكمته التي لا تنضب.

والتّراث الأدبي الشعبي الكُردي، تراث غني جداً، ويتمثَّل هذا الغنى في تنوّع أشكاله ومفرداته وفنونه، كالملاحم والأساطير والحكايات الخرافية، والأقاصيص والأشعار والأمثال والأغاني الَعبية، والألغاز والأحاجي والنوادر والطرائف والفكاهات والألعاب الشَّعبية، وغيرها من المفردات التراثية الشَّعبية، إلا أنها لم تدوَّن إلا بمقدار ضئيل، بالمقارنة مع الثراء الكبير للفولكلور الكُردي.

ولقد لعب الأدب الشعبيّ دوراً بارزاً في حياة الشعب الكُردي عبر رسالته الإنسانية، وعكس -بكلّ دقّة وأمانة- رحلة وجوده المتجذِّر في التاريخ، وتفاصيل الأحداث الهامّة منه، وطبيعة حياته الاجتماعية التي تتعلّق بحياة الإنسان الكُردي نفسه وطبيعة الأنشطة التي مارسها ولا يزال.

الشغف الكردي بالغناء (الميادين)

الأغاني والأهازيج الشعبيّة

تعدّ الأغنية من أقدم أنواع الفنون الفولكلوريّة، وألوان التعبير الشعبيّ الكُردي، بصفته سجلّاً حافلاً يشير بدقة بالغة إلى مواطن الوجع والألم والفرح الذي عايشه الإنسان الكُردي لقرون طويلة، ولا يزال، ويوثِّق تفاصيل حياته في العمل والمناسبات الاجتماعية، كالرعي والغزْل والحصاد والأعياد والأعراس، كما يستوعب مظاهرها ووقائعها وحوادثها، فلا تمرُّ ظاهرة أو حادثة مهما كانت صغيرة أو كبيرة في حياة الكُرد دون أن تترك لها الأغنية أثراً.

والكُرد من الشعوب الشغوفة بالموسيقى والألحان والغناء، حيث تتنوّع بشكل هائل، الألوان والأشكال الغنائية في تراثه الشعبيّ، حتى وصفت بالنهر الذي تصبّ فيه جداول الحياة كلّها.

يقول (أبافيان) عن الفولكلور الكُردي: “إنّ الروح الشاعرية تكمن في أعماق كلِّ كُرديٍّ، وحتى عند الشيوخ الأميين، فإنّهم جميعاً يمتلكون القدرة والموهبة في الغناء، وهم يغنون ببساطة وهدوء، يغنّون لوديانهم وجبالهم وشلالاتهم وأنهرهم، ودورهم وأسلحتهم، وهم يغنّون للشجاعة ولجمال بناتهم ونسائهم، وكلّ ذلك يتدفّق في أعماق مشاعرهم وأنفسهم”.

تتنوع مواضيع الأغنية الشعبية الكُردية لا حصر لها، لأنها حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية للشعب الكُردي. وهي بين ملاحم العشق والملاحم البطولية، وبين أغاني العمل، وأغاني الشباب، وأغاني الأطفال الشعبيّة، وهدهدات الأمهات، وأغاني الرقص والحداد والأغاني الدينية.

كان ازدهار الغناء مرتبطاً بالإمارات الكُردية، إذ كلما كثرت الإمارات كثر المغنون، والعكس بالعكس، والسبب هو أن المغنين كانوا يكسبون رزقهم من الغناء أمام الأمراء.

أغنية من التراث الغنائي الشعبي الكردي:

مكونات الأغنية الشعبية الكُردية وأنواعها

ثمة خمسة محاور تشكّل بنية الأغنية الكُردية: العشق الصوفي للطبيعة، والمزاج الرومانسي، والهموم الذاتية ولاسيما الحب، والصراعات البينية القبلية، والصراعات الخارجية ضد الذهنيات الإمبراطورية الغازية.

وتصنّف الأغاني الكُردية وفقاً لمضمونها. فهناك القصة (جيروك) والأقصوصة (جير جيروك) اللتان يرويهما شخصٌ يدعى (جيروكبيج) أو الراوية، وينشدها (دنكبيج) أو المغني.

وهناك ما يعرف بـ (ديلوك) الذي يقصد به أغاني الرقص والدبكة. أما (شر) التي هي أغاني الحرب أو الحماسة كما في الملاحم والأساطير فتقابلها (لاوك) التي هي أغاني الحب التي تتحدث عن الفتى الخيّال وتصور شجاعته. وتتميز الأخيرة عن لحن (حيرانوك) الذي هو عبارة عن قصائد حب يعبَّر فيها عن الحُب الناقص غير المكتمل وكآبة الفراق.

كما أن هناك فرقاً بين ما يسمى (لاويجوك أو لاجه) أي النشيد والترتيل الديني وبين النشيد الجماعي الكلاسيكي المعروف في الأدب الكُردي بـ (بليتيه).

من طقوس الغناء الشعبي الكردي (يوتيوب)

وتطول القائمة لتشمل أغاني (بايزوك) الحزينة التي تغنيها القبائل الكردية في الخريف خاصة، وأغاني (لاوج) التي تعزف في مراسم الحداد والتعزية، وليس أخيراً الأغاني التي تهدهد بها الأمهات صغارهن.

عن الأغنية الفلكلورية الكُردية يقول الباحث صالح حيدو: “تتكون غالباً من ثلاثة مقاطع وكل مقطع من ثلاثة أسطر أو أربعة تحمل قافية واحدة، وتتغير القافية أثناء المقطع الثاني أو الثالث، وغالباً ما يكون الموضوع أحاديَّ الجانب، وتروي موضوعاً بذاته تستخدم فيه الألوان والأحجام والجمال والكلمة السلسة والمفهومة والجذابة، يفهمها الصغير والكبير وكل أفراد المجتمع وتحمل لحناً شجياً وجذاباً”.

يخدم الأدب الشعبي عند الكُرد أهدافاً شتى، لكن أبرزها على الإطلاق أنه يحمل القيم الكُردية ويصور الممارسات الاجتماعية اليومية حتى غدا مخزوناً هائلاً ثرياً لكل ما يتعلق بحياة الإنسان الكُردي.

أغنية شعبية للفنان محمد عارف جزيري:

العلاقة بين الأغنية الشعبية الكُردية وقيم المجتمع الكُردي

يكشف باسيلي نيكيتين في كتابه الكُرد، عن الصلة الوثيقة بين الأغنية الشعبية الكُردية وقيم المجتمع الكُردي، قائلاً: “ويَعزو الرحّالةُ والعلماء جودةَ الأغاني الكُردية وسُمُوَّها إلى صفات الفروسية التي يتحلّى بها الكُرد أنفسهم. ويقول (مار): إن لم أكن مخطئاً، فإنهم [الرحّالة والعلماء] لم يوجّهوا السؤال التالي إلى أنفسهم: ألا يمكننا تفسير الأمر على العكس بأن هذه الصورة الرومانتيكية والبطولية للكرد تتجلّى في هذه المواضيع، وعبر الثورة الشعرية البليغة التي توارثوها منذ الأزمنة السحيقة في القِدم؟”

الانتقال عبر الرواة والمغنين

تتميز الأغنيات الكُردية الشعبية بأنها شفهية، انتقلت عفوياً من جيل إلى جيل عبر الذاكرة الجمعية، وفي كل جيل ثمة أناس من فئات مختلفة (رجال، نساء، شيوخ، شباب) يمثّلون الذاكرة الجمعية على صعيد الأغنية، فيحفظونها عن ظهر قلبٍ كلماتٍ ولحناً، رغم طولها، وتشعّب موضوعاتها، وتحوّلات السرد والحوار فيها، وهؤلاء كانوا ـ وما زالوا ـ الحماة الحقيقيين للتراث الكُردي الغنائي.

وأغلب المطربين الشعبيين الكُرد من بيئات رعوية وريفية فقيرة، تَرى ملامح الفاقة والبؤس بادية على وجوههم وفي هيئاتهم، لكن ما إن يضع أحدهم يده اليمنى على أذنه ـ كما هي عادة الكُرد عند الغناء ـ حتى تتدفّق العبارات من بين شفتيه متتابعة ومتسلسلة، لا يخطئ فيها ولا يتعثّر، ويندفع صوته متهدِّجاً عالياً مسرعاً تارة، ويتباطأ هادئاً تارة أخرى، ورغم غلبة الوقار على المغنّي الكُردي حينما يغنّي، حتى لكأنه يؤدّي طقساً دينياً مقدساً، فإنه لا يتمالك نفسه من الاندماج في أحداث الأغنية، فيتمايل يمنة ويسرة، ويلوّح بيده من جهة إلى أخرى.

الحكاية في الأغنية الشعبية الكردية:

موقع المرأة في الأغنية الشعبية

ومن المظاهر المثيرة للانتباه في الغناء الشعبي الكُردي، موقع المرأة فيه مضموناً ودوراً وأداءً، فقسم كبير من الغناء الشعبي الكُردي يدور حول المرأة والحب، أي أنه غناء غزلي المضمون، وثمة في هذا المجال شبه شديد بينه وبين الشعر العربي القديم، والأغلب أن هذه الظاهرة موجودة في الشعر الشعبي لمعظم الشعوب.

لكن الخاصية التي تميز الغناء الشعبي الكُردي، ولا يوجد لها مثيلاً في طقوس الغناء العربي القديم، هو أن الرجل لا ينفرد فيه بدور البطل، وإنما تشاركه المرأة في ذلك الدور، فتقول مقاطع كثيرة تتغزّل فيها بحبيبها، لكن على نحو عفيف ورزين، وبما ينسجم مع القيم الأخلاقية السائدة في المجتمع، وتشيد في الوقت نفسه بخصال حبيبها شكلاً وقيماً، وقد تُجري مقارنات بينه وبين آخرين، لإبراز مزاياه التي يتفرّد بها.

يقول نيكيتين في هذا الصدد: “إن غالبية الأشعار الوجدانية الكُردية تتغنّى بالمرأة، بل إن جزءاً كبيراً من الأغاني والأناشيد والقصص الشعبية من نظم النساء وتأليفهن”.

أغنية للفنانة الكردية عيشه شان


المراجع
(باسيلي نيكيتين، الكُرد/ مهوَش أحمد، الأدب الشعبي عند الكُرد/ د. أحمد محمود الخليل، الشخصية الكُردية/ د. مصطفى عز الدين رسول، مقدمة لدراسة الفولكلور الكُردي/ علي الجزيري، الأدب الشفاهي الكُردي/ د. محمد عبدو النجاري، الفلكلور الكُردي)

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.