الأسود ليس لوناً*… عندما يغرق عبد السلام حلوم في التعبير عن المادة كأنها ذاته الواحدة

يقوم عبد السلام حلوم**، بعملية تحويل الجامد التافه الذي لا نكترث به ولا قيمة له في الوعي المتقدم للإنسان المعاصر، مثل اللقاطات أو المسمار، إلى كيان قادر على المعرفة بهذه السلاسة، فهو شيء ممتع، بغض النظر عن الفكرة أو الهدف المرجو من القصيدة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج
علي الأعرج

أسوأ قراءة للكتاب هي تلك التي نتحدث فيها عن دار نشره، وتعريف بصاحبه، وتغزّل جمالي عام ووسطي في المحتوى، ربما لأننا لا نريد أن نندهش من ما يحتويه، كي لا نفقد الكاريزما العقلانية الثقافية أمام الحشود المجتمعية، ولا أن نبخس حق خالقه بالمقابل، لأننا قد نحتاج يوماً ما لأن يُكتَب فينا شيء جيد.. أو إطالة في القراءة لشرح كلّ شيء، وكأنّ الشرح المستفيض للجوهر يفي التجربة حقها.

معظم قراءات الكتب تسير في هذا المعنى، لكني شخصياً لا أحبّذ الكتابة عن قراءة شيء بهذا الشكل، وإضافة أخرى لا بدّ منها، بأني لست مولعاً بالشعر، ربما لأنه مجازيٌّ فيُتخمني، وأنا أعشق السردية المملة للتفاصيل، لكن الشعر الجميل – بالنسبة لي – هو الذي يمتلك سرداً وحكاية.

أحب في قراءة الشعر، ليس قدرته النضالية أو ثوريته؛ بل تجربته الفردية لصانعه، فتاريخ درويش بأسره لا يُشكّل لي شيئاً مقارنة بجداريته، وأكره لا تصالح وكلمات سبارتاكوس، رغم كلماتها المؤثرة، مقارنة بعبقرية أوراق الغرفة 8 لدنقل.. ويمكن تجاوز القاعدة لدى أدونيس وأبو عفش، باعتبارهما تجربتين تشاكسان المجردات في التعامل مع العوالم الخارجية.

الأمر نفسه يُقاس عندما اقرأ عبد السلام حلّوم.. فالشعر ليس الموقف، إنما التجربة.. أو على الأقل أحبه كذلك، مثل جميع الفنون.

في ديوانه الأخير “الأسود ليس لوناً” يسرد عبد السلام في ثلاثين قصيدة تقريباً، مجموعة من الرؤى الذاتية التي تشكّل جمجمة هذا الشاعر، ولا يهم هنا فعلياً، القيمة التي تنبع من الطريقة التي تتآلف فيها مضامين القصائد والتأثير المُحتمل في القضايا التي عبّر هنا، لأنه يعلم، مثلما جميعنا نعلم، أنّ الأدب في النهاية هو قول الشيء الجمالي داخل وعي متطور للبشر وليس تحقيق العدالة الأزلية لسفالة العالم الخارجي.

يكتب التجربة بطريقة مختلفة، يناقش المؤثرات التي شكّلت وعيه، وإن حملت تلك القصائد ترميزاً، ولو أدركناه في العمق لكننا كقراء يُفترض أنه لا يهمنا، لأنّ السردية الحكائية لقصيدته ممتعة أكثر من الرسالة المضمّنة.

في ديوانه الأخير أعجبني أمران: الأول يتمثّل في فكرة “صعوبة الاقتطاع”.. فمثلاً في قصيدة طائر أبو منجل، يخاطب كياناً ويحمّل قصيدته رموزاً، لكنّ الممتع أنها حكاية سردية بسيطة وواضحة إلى درجة أننا لا نستطيع فعلياً إيجاد اقتباسات يمكن أخذها من السياق دون أن تؤثر على المعنى، مثل أغلب قصائده.

هذه النقطة في قصائد عبد السلام مذهلة (على الأقل بالنسبة لي)، لا يمكن أن تجتزئ تعبير لغوي لتضعه كاقتباس وتتفاخر بأنك قارئ استثنائي. أن تكتب شعراً بسيطاً، واضحاً، مرمّزاً، وجميلاً دون أن تسمح باقتطاعه من سياقه، فهذه قدرة فعلاً استثنائية.

والأمر الثاني الذي أعجبني في الديوان الأخير، كان في نموذج قصائد.. القطار، والمسمار، ولقاطات الغسيل، عندما يتحول عبد السلام بكل هدوء إلى الكيان الجامد ويتحدث بلسان ذلك الجامد، كمعبر عن ذات واحدة، وليس كما في أغلب قصائده يتعامل مع الكيان المادي كآخر مستقل وقائم وكأنّ مهمته هي توصيف حالة ذلك الكيان المادي المستقل، في هذه النقطة الأخيرة يتعامل عبد السلام كمراقب للأشياء، وهذا فعلياً ما لا أحبه كثيراً في الشعر، كما في قصيدة السكين، والفراغ.

طبعاً أناقش الكتاب من زاوية خاصة جداً وطريقة ذاتية مطلقة في فهم الأمور، وحبي لطبيعة فنية قد لا تناسب الذائقة العامة، لكن هذا لا يُلغي أبداً قيمة التجربة الشعرية وأهميتها، ليس فقط بالنسبة لما يجول في الشعر المعاصر المنتشر في عوالم السوشيال ميديا – دون توصيفه – بل بالنسبة لعبد السلام نفسه، كقصائد ناتجة عن تجارب ارتحال واغتراب وحنين.

عندما يغرق عبد السلام في التعبير عن المادة كأنها ذاته الواحدة، كما يقول مثلاً في لقاطات الغسيل: “نحن الجيران الخُرس، نحن المُدمنات شمّاً على دواء الغسيل، نحن من يجيد بمهارة تراسل الحواس الست، نعرف هذي الثياب لمن؟”. عملية تحويل الجامد التافه الذي لا نكترث به ولا قيمة له في الوعي المتقدم للإنسان المعاصر، مثل اللقاطات أو المسمار، إلى كيان قادر على المعرفة بهذه السلاسة، فهو شيء ممتع، بغض النظر عن الفكرة أو الهدف المرجو من القصيدة.

التماهي الإنساني مع الجامد الأزلي، من حيث إننا لا نختلف فعلياً في الواقع عنه بشيء، هو أكثر قيمة بالنسبة لنا كقراء.. “معشر المسامير، لا نتلاصق في مكان واحد، وليس لنا إلا مع الصدأ خلاف”. تحولات عبد السلام شعرياً إلى كيانات متنوعة جامدة، كانت طريقة تجريبية مذهلة في هذا الديوان، رغم قلتها للأسف.

بكل الأحوال، سأكتفي بهذا القدر الصغير جداً عما قلت عن ديوان عبد السلام “الأسود ليس لوناً” دون أن أتحدث عن البلاغة والصور الشعرية والبحور والموازيين والأفكار والعمق الماورائي لفلسفة الشاعر والثورية المختفية في جلباب رائحة الورق.. الخ من هذه التوصيفات القرائية الجاهزة، التي فعلياً أكرهها، وتحطّ من شأن تجربة أي كاتب، لأنها تقولب كل القراءات ضمن معايير ساذجة تقليدية.

في النهاية، هذا الديوان طبيعي جداً، قد نختلف وقد نتفق معه، قد نحبه وقد نكرهه، لكننا لا نستطيع أن نتغاضى عنه أبداً، على أنه نتاج جمجمة شخص كتب تجربته ورحلته الحسيّة، بطريقة خاصة واستثنائية وتفاصيل تضعه على قائمة الشعراء الذين يقولون ببساطة وعمق: “قل لهم: هي التي تهرب بي، وأنا الأمانة، هنّ هكذا الأمهات، تحت التراب، ولا يعترفن، بأنّ حبل المشيمة خيط، فينقطع”.

غلاف المجموعة

الأسود ليس لونا، مجموعة شعرية جديدة للشاعر عبد السلام حلوم، صدرت عن دار موزاييك في تركيا العام 2021.

عبد السلام حلوم، شاعر سوري، من مدينة سراقب بريف إدلب، يحمل إجازة في اللغة العربية وآدابها، أصدر خمس مجموعات شعرية سابقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.