الأرملة السوداء والأرملة البيضاء… قراءة في ظاهرة الجهاديات المهاجرات

ما دور النساء الأمريكيات والأوربيات، أو اللواتي كن يقمن في أوروبا وأمريكا، داخل تنظيم الدولة الإسلامية؟ وما الأدوار البارزة التي لعبنها داخل التنظيم؟ وما دور شبكة الانترنت في عملية الانتقال الإيديولوجي للفكر السلفي الجهادي؟

214
الأيام السورية؛ محمد نور الدين الحمود

نحاول في هذا الاستعراض، قراءة مسار ولادة مفهوم “النسوية الجهادية”، وما رافقه من تطورات منذ نشأته لأول مرة عام 1924.

واستندنا في هذا الاستعراض على كتاب “عاشقات الشهادة.. تشكّلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى تنظيم الدولة” للكاتبين الأردنيين محمد أبو رمان، وحسن أبو هنيّة الصادر عن مؤسسة “فريدريش إيبرت” عام 2017.

يقتفي هذا البحث المرجعي الأسباب الكامنة وراء تحول النسوة للسلفية الجهادية، التي بدأت أولى ظواهرها بشكل فعلي مع بروز المرحلة الجهادية الأفغانية لتطور لاحقاً وفق رؤية أبي مصعب الزرقاوي الذي دعا النسوة للمشاركة في العمليات الانتحارية، وصولاَ إلى ظاهرة السفر إلى مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية بداعي “الهجرة إلى أرض الخلافة”.

نماذج من النسوة في تنظيم الدولة الإسلامية

القسم الثاني من الكتاب البحثي يتحدث عن ظاهرة الجهاديات المهاجرات في تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، حيثُ يقدم الفصل الأول قراءة لمسار ثلاثة نماذج من النسوة في تنظيم الدولة الإسلامية على التوالي، النساء اللواتي قبض عليهنّ قبل التحاقهم أو بعد التحاقهم بالتنظيم، والطبيبات الثريات السودانيات، والشخصية النسائية المعروفة في أوساط السلفية الجهادية باسم فتيحة المجاطي، وإذا كان دور القسم الأول مقتصراً على تأثر الفتيات بأفكار التنظيم فإنهنّ أوقفنّ قبل أن يتمكنّ من الانضمام إليه.

أما القسم الثاني كنّ عبارة عن مجموعة من الطلبة أو خريجي جامعة العلوم الطبيعية في الخرطوم غادرنّ عام 2015 على شكل ثلاثة مجموعات إلى مناطق سيطرة تنظيم الدولة حيثُ بلغ مجموعهنّ 12 فتاة، وكنّ فتيات المجموعة الأولى تحملنّ الجنسية البريطانية وعائلاتهنّ تقيم في بريطانيا، أما المجموعة الثانية فكان من بينهنّ بريطانية واحدة، وابنة المتحدث باسم وزارة الخارجية السودانية، وتشكل ظاهرة هؤلاء الفتيات التي لم تتجاوز إحداهنّ الـ25 من عمرها تشابهاً في أنهنّ كنّ ينتمين لعائلات ثرية.

ويتحدث النموذج الثاني عن مسيرة فتيحة المجاطي المعروفة بين أوساط السلفية الجهادية بأم آدم المجاطي أيضاً، والتي يقول عنها الكاتبان إن “أسطوريتها” لا تمكن في وجود دور بارز تقوم به داخل التنظيم، ولا في أعمالها النوعية، إنما بـ”الرحلة الاستثنائية الي مرّت بها، والمراحل الي عبرتها، من (الثقافة الغربية) إلى (الحجاب)، ثم الانتقال إلى السلفية الجهادية، بدايةً من أفغانستان، مروراً بتجربة الحياة في ظل حكم طالبان، وصولاً لمرحلة السجن القاسية (في السعودية)، ونشاطها المغربي، وأخيراً الهبوط في (أرض الخلافة) لتلحق بابنها الذي سبقها إلى هناك”.

مقاتلات داعشيات(البوابة نيوز)

النسوية الجهادية في السعودية

كما يناقش الكاتبان في فصل منفصل النسوية الجهادية في السعودية التي أحدث طفرة في نقلتها خلال السنوات العشر الماضية “وشكلت ظاهرة نسائية جهادية لافتة”، محاولان التقرب بدراستهما لـ21 حالة “لنساء سعوديات، أو يعشن بالسعودية، ارتبطن بـ(المجتمع الجهادي) بطرق وأدوارٍ مختلفة”، وتحديد السمات المشتركة بينها مثل الخلفية الاجتماعية، شبكة العلاقات، ومراحل التطور على سبيل المثال لا الحصر، وينوه الكاتبان إلى ما يواجه الباحث في هذا السياق من “صعوبة فهم ظاهرة الجهاديات السعوديات دون الإلمام بالتطورات العامة الي حدثت في مسار السلفية الجهادية السعودية الممتدّة لأكثر من ثلاثة عقود منذ حقبة الجهاد الأفغاني”.

لكن النسوية الجهادية السعودية غيرت من وجهتها مع بروز تنظيم الدولة الإسلامية عندما أصبحت مناطق سيطرته مقصدها عوضاً عن تنظيم القاعدة، حيثُ انقسمت مشاركتهنّ مع تنظيم الدولة لثلاثة نماذج، أولهما النموذج الإعلامي والتوعوي تمثله أم أويس التي حوكمت بالسعودية بتهمة مبايعة التنظيم، وتقول الرواية الرسمية إنها أنتجت أفلاماً بطلب من التنظيم لمناظرات لأعضائه مع حركة أحرار الشام الإسلامية، وثانيهما نموذج الهجرة والنفير ممثلاً بهجرة النسوة السعوديات إلى أراضي التنظيم على غرار “مطلقة ساجر” التي سافرت إلى الرقة مع أولادها الثلاث الذين تتراوح أعمارهم بين 12 – 16 عاماً في 2015، وأخر النماذج النسوة المشاركات في العمليات التي ينفذها التنظيم.

فتيحة المجاطي(اليوم 24)

ظاهرة إيمان البُغا

يفرد المؤلفان فصلاً كاملاً لمناقشة ظاهرة أستاذة الشريعة الدمشقية لـ15 عاماً في جامعة الدمام إيمان البُغا التي تنتمي لعائلة معظم أفرادها أساتذة في الشريعة، ووالدها أحد أبرز علماء الدين الدمشقيين مصطفى البُغا، وقتل ابنها المعروف بأبي الحسن الدمشقي (15 عاماً) في معارك كان يخوضها تنظيم الدولة عام 2016، حيثُ مثلت بسفرها إلى الرقة “انتقالها من النظرية إلى التطبيق” فيما تعلمته من دروس فقهية، كما يرى الكاتبان بأن علاقتها مع عائلتها غير واضحة من خلال مراقبة نشاط العائلة فيما بينها على موقع “فيسبوك”، ويضاف إليها تأثير أبنائها الثلاثة المحتمل عليها، ودراسة شخصيتها من خلال منشوراتها على “فيسبوك” التي فسرها البعض بأنها “غرور وتعال” كانت جميعها عوامل مشاركة في سفرها لمعاقل التنظيم.

فقيهة داعش إيمان البغا (بوابة الحركات الجهادية)

الجيل النسائي القاعدي في أوروبا

فيما يتعلق بالنسوة الأوروبيات المسافرات إلى مناطق نفوذ تنظيم الدولة، تقول أغلب التقديرات إن نسبتهنّ تصل لـ10% للعدد الكلي للمهاجرين الأوروبيين ذكوراً وإناثاً، ويقدم الكاتبان قراءة لظاهرة التحول في طريقة تفكيرهن للسلفية الجهادية من خلال نموذج الجيل النسائي القاعدي في أوروبا ممثلاً بملكية العرود، والجيل الجديد من الجهاديات المنتميات لتنظيم الدولة بتطرقه لدراسة “الجهاديات الفرانكفونويات” القادمات من فرنسا وبلجيكا بينهنّ العرود المعروفة باسم “الأرملة السوداء”، والجهاديات البريطانيات بينهنّ سمانث أليثيويت المعروفة ضمن الإعلام الغربي باسم “الأرملة البيضاء”، ويرجع الكاتبان سبب التحاق النسوة الأوروبيات بتنظيم الدولة بدلاً عن القاعدة كون الأول أعطى استقطاب العامل النسائي اهتماماً كبيراً، كما أنه طور من منظوره لدور المرأة مخصصاً لها جزءاً من دعايته الإعلامية.

الأمريكيات في تنظيم الدولة

يخصص الكاتبان أخر فصول الكتاب للحديث عن الأمريكيات في تنظيم الدولة التي يلاحظ فيها ظهور “مؤشرات مقلقة ترتبط بارتفاع حجم النشاط والتأثير لأنصار التنظيم، وازدياد دور النساء الأمريكيات، أو المقيمات في أمريكا..” حيثُ تتعدد أدوارهنّ من التجنيد الإلكتروني إلى الدعاية والدعم اللوجستي والسفر إلى مناطق نفوذ التنظيم، ويتميز الجيل الجهادي الجديد من النسوة الأمريكيات في أن معظمهنّ من المؤيدات أو المناصرات للتنظيم عبر دراسته لأربعة نماذج، ويبرز دور شبكة الانترنت عاملاً أساسياً في عملية الانتقال الإيديولوجي للفكر السلفي الجهادي للنماذج المدروسة التي ساعدها ما يمتلكه عناصر التنظيم من خبرة في مجال التجنيد الإلكتروني.

من الممكن ألا توفي هذه القراءة كافة الجوانب التي تطرق لها الباحثان في الكتاب، لكن لا يمكن إهمالها دون الرجوع باعتبارها عملاً مرجعياً مهماً بدراسته لظاهرة النسوية الجهادية على مدار قرن كامل تقريباً، طريقة نشوئها وتطورها حتى يومنا هذا، فهو غاص في تقديم قراءات لظواهر متنوعة على المستويين المحلي والعالمي.

نساء أمريكيات يلتحقن بتنظيم الدول الإسلامية(صحيفة الوسط)
مصدر كتاب “عاشقات الشهادة.. تشكّلات الجهادية النسوية من القاعدة إلى تنظيم الدولة” للكاتبين الأردنيين محمد أبو رمان، وحسن أبو هنيّة.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.