الأديان لا تمتلك لسان الله.. المشاريع السياسية للتاريخ الديني

لا يهم هنا الخطاب العام من التصالح الديني عندما يخرج شيخ أو قسيس أو حاخام ليتحدث عن الرحمة المتبادلة إن كانت القاعدة الشعبية مستعدة لتفجير بعضها واستحقار الآخرين لمجرد الاختلاف.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

جميع الأديان في العالم، السماوية والأرضية، تمتلك نصوصاً قادرة على تفسير الحياة وإثبات أنها الأديان الحقّة وأنها الوحيدة التي تمتلك الأبدية وإعطاء تصورات فردوسية للبشر دون باقي الأديان الأخرى التي يتم وصفها دائماً والتابعين لها، بأنهم أقل إيماناً.

كل الأديان لديها إثباتات عميقة على أنها الأديان المختارة للخلود وبأنّ أنبيائها هم المحصنون ومن يقومون بشفاعة للأجناس التابعة لكل دين على حدة.

عندما يمتلك الفرد قدرة الحياد في قراءة كل الأديان، يستطيع حينها تلمّس هذا المعنى من قناعة الحقيقية لكل فئة على الفئة الأخرى بسهولة ويسر، من أنّ الجميع لديه إثبات مطلق على أنه الدين الحق؛ لكن هذا الكلام نفسه يضع تاريخ الأديان والتابعين له أمام مواجهة تسلب الله قيمته وحكمته في المحاسبة، ويصبح الله في هذه التصورات الدينية أنه ليس أكثر من فرد عادي يمكن أن تسلبه كل إمكانيات رحمته في اتجاه التابعين للأديان الأخرى، باعتبار أنهم لا ينضوون تحت ولاء دين يفرض وجوده عليهم، فسيكون حينها مصيرهم الجحيم.

كل دين يمتلك هذه الرؤية الساذجة عن الله وتقييم البشر ورفع الدين على حسابات الآخرين.

هنا عند هذا الحد من السذاجة الإيمانية للأديان والبشر التابعين لفكرة الدين وليست فكرة الله، تصبح مقولة: “فلتسقط الأديان أمام الله” أولوية بشرية، لأنّ الجميع يقدّس النص على الوجود الإلهي، فمثلاً في الأديان السماوية.. اليهود بالنسبة لهم المسيحيون كاذبون والإسلام قتلة، والمسيحيون ينظرون للإسلام على أنهم حزب سياسي واليهود مدعي نبوة، والإسلام ينظر لليهود كمغضوب عليهم وللنصارى كضالين، أي أنهم كل من ينتمي لتلك الأديان مصيرهم الخالد الجحيم ولا غفران لهم. وكل دين هو الذي يمتلك سر الخلود وغيره لا.

ولا يهم هنا الخطاب العام من التصالح الديني عندما يخرج شيخ أو قسيس أو حاخام ليتحدث عن الرحمة المتبادلة إن كانت القاعدة الشعبية مستعدة لتفجير بعضها واستحقار الآخرين لمجرد الاختلاف. قوّادو السياسة ورجالات الدين الذين ينضوون تحت ولاءات الساسة، والذين يعملون في الخفاء لتأجيج التخلف المذهبي الديني في القاعدة الشعبية، يجب سحلهم بالمعنى الحرفي لكلمة سحل، وسحل كل من يرفع الدين كحقيقة على الله؛ أن يصبح هناك وعي راديكالي حقيقي إزاء هذه المسألة.

كم هو سيء عندما يكون الكل البشري يتحدث بعقل الله ولسانه ويطلق أحكام قطعيّة عن الله نفسه، وكأنّ الله لا قيمة له أبداً. إنها فتاوى الكراهية المطلقة للأجناس البشرية.

طبعاً تحدثنا عن الأمثلة السماوية لأنها بطبيعة الحال تشكّل نصف السكان من الأرض، هذا دون أن نأتي بأمثلة عن الأديان الأرضية التي تمارس بالمقابل أنواع من الكراهية باعتبار نفسها أنها تمتلك الحقيقة مثل كل الأديان الأخرى، يكفي أن نذكر البوذيون والروهينغا، لنوضح معنى الكراهية الدينية واعتبار كل فئة هي مالكة الحق الأبدي لفكرة الألوهة؛ وطبعاً مثال الروهينغا لا يُلغي أبداً ممارسات بعض قوى الأديان السماوية – كهياكل دول – على الأرض في ممارسة القمع وإجبار الآخرين على التخلي عن قناعاتهم، وقيامهم بإبادات تاريخية لمجرد الاختلاف الديني السماوي، دون ذكر الحوادث لأنها من الكثرة بحيث لا تنتهي. بالمختصر شمولية السماويين أسوأ من شمولية الأرضيين.

أعزائي المؤمنين، لا أحد يمتلك الحقيقة سوى الله، وكل الأديان عبارة عن هراء بشري لا قيمة له، ولا يجب أن يكون له أي قيمة، هو عبارة عن قوانين أنتجها العقل السلطوي للأنبياء في توسيع الدول وفرض قوتهم على الآخرين وجعل الدين حقيقة قوة وليست حقيقة فكرة الإيمان بالله.

لنفترض جدلاً أن عمرو بن العاص عندما دخل مصر لتوسيع الإسلام، كانت هناك امرأة قبطيّة حامل بطفل وعلى وشك الولادة.. الآن لو أنّ زوج المرأة الحامل أسلم لكان المولود مسلماً وحينها سيقول الجميع بإثباتات النص على أنه خالد مؤمن في الفردوس لأنه ينتمي للدين الحق والآخرون عبارة عن هراء؛ ولو أنّ الأب لم يُسلم وبقي قبطياً، فالجميع أيضاً سيقولون للابن عندما يكبر أنه يمتلك الدين الحق ومصيره الفردوس والأديان الأخرى هراء.

تباً لأعظم هراء حول هذه البديهية الواضحة التي لا يراها أي متدين أحمق ينتمي لفكرة الدين الوراثي دون أي محاولة لإعمال العقل في الانتماء لله ونسف كل تاريخ الأديان من ثقافته وحياته.

أصبحت ضرورة نسف الأديان من وعي البشر أولوية مطلقة للمساهمة في خلق عالم مثالي وينتمي لثقافة الله وليست للرؤية النبوية السلطوية في بناء الدول.

أعزائي المتدينين إن كان مشروعكم بناء دولة فبإمكانكم أن تصرّحوا بذلك، أنّ غطاء الدين الذي تنتمون إليه هو للسيطرة على الآخرين وقمعهم وإجبارهم أن يسيروا بحسب قناعاتكم، لكن أن تمارسوا الحقارة الفكرية في وضع اسم الله على حقيقة الكيان السلطوي، فهذا نوع من النفاق المذل لله نفسه، وأعتقد أنكم تعلمون ذلك في العمق، وعليه نصبح أمام صورة أنكم كقوة تفترضون سلطة باسم الله ودينه الحق على الآخرين، عبارة عن كفّار لا يؤمنون أصلاً بالله إنما يستخدمون اسمه.

وإن كنتم لا تهتمون ببناء الدول، فيجب أن تعلنوها صراحة أنه “تباً للأديان.. والانتماء الروحي يجب أن يكون لله فقط دون مشروع سياسي”.

وعليه تصبح ثقافة إسقاط أي دولة دينية أو تقوم في مشروعها على هيكلية تاريخية للدين، هي أولوية انتماء ثقافي لفكرة وجود الله نفسه، كإسقاط إسرائيل وإيران وماليزيا وأندونيسا والفاتيكان بالعام والأرذثوكسية الروسية أو الكاثوليكية الأمريكية وتركيا ودول الخليج بالعام والوطن العربي بأسره التي تنتمي للمشروع الديني في تفاصيل الثقافة والقضاء وأساليب الدراسة، ومناهج التعليم والحث عن رفع كل دين على حساب المشروع المدني الاجتماعي في القاعدة الشعبية.

كل الدول السابقة وغيرها تروّج لمشروع الدين على أنه القوة السياسية التي تمتلك حقيقة الخلود والأبد، وعليه لا معنى لأي عملية سلم يمكن أن تنشأ في هذا العالم. بغض النظر عن القوانين المدنيّة في تلك الدول والفصل بين الناس، إنما الحديث عن مساهمة وترسيخ الدولة لمفهوم الدين في القاعدة الشعبية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.