الأدب كتمرين ثقافي وليس تربوي.. المغامرات الرائعة لنلز مثالاً

السياسة قد تخلق بلداً قوياً، لكنها تخلق بالمقابل بلداً جاهلاً، وربما مثالي الولايات المتحدة وروسيا أكبر دليل على مفهوم الدولة التي تخلق قوة سياسية عنصرية ومدمرة للكوكب، لكنها بالمقابل وفي الجوهر تخلق مجتمعاً مفككاً معرفياً وثقافياً.

الأيام السورية؛ خالد علوش

من منا لا يتذكّر مغامرات نلز التي كانت تُذاع على التلفزيون السوري كحلقات متتالية للأطفال، ذلك الطفل الشرير الذي يؤذي الحيوانات ويعذبهم، ولا يبالي بشيء، حتى والديه فقدا الأمل في إصلاحه، لكن في أحد الأيام وعن طريق قزم عجيب، يتم تحويل نلز إلى كائن صغير الحجم، أصغر حتى من فأر، ويصبح قادراً على فهم لغة الحيوانات، وتبدأ رحلته الطويلة في سهول ومرتفعات وبحيرات بلاده، ويطير عن طريق الإوز فوق القلاع والمدن، ويعيش التجربة كفعل حر لاكتشاف مكامن الخطأ في حياته الماضية.

في عام 1903 بدأت سلمى لاجرلوف كتابة روايتها مغامرات نلز، بعد أن طلبت وزارة التعليم منها أن تقدّم عملاً مدرسياً للأطفال تشرح فيه بأسلوب سلس ومحبب جغرافية السويد، حينها لم تعِدهم سلمى بأي شيء حسب تعبيرها أنّ الكتابة فعل حر تماماً، لكنها ستحاول. استغرق معها الأمر أربع سنوات، وفي عام 1907 خرجت مغامرات نلز للنور، وتحولت مع الأيام إلى واحدة من التحف الأدبية والثقافية العالمية.

هذا العمل الكلاسيكي الخالد، الموجّه لفئة من الأطفال في لحظة صدوره، أصبح واحد من معالم القراءة الضرورية لتكوين الخيال الأدبي لدى كل أي كاتب، ليس لتفرده الفكري أو الأخلاقي الذي اعتبر التجربة هي أساس المعرفة وليس الالتزام النصي المفروض من قوة غيبية أو اجتماعية كما كانت تلك الثقافة منتشرة في أرجاء كثيرة من العالم، أو حتى لليوم ما زالت منتشرة، أو مفروضة من قوة سياسية على المجتمع كما كنا نعيشها في سوريا كمثال، الاحترام الإجباري والطاعة العمياء لكل قوة أكبر منك أو أقدم سناً دون أن نعيش التجربة.. بل لتفرده في الخيال الخصب بتحوير نلز وتقديمه كحالة غرائبية وحيّة ومقبولة ذهنياً، قبل أي شيء آخر.

الكاتبة سلمى لاجرلوف

غريب جداً مدى الوعي الذي كانت تحمله وزارة التربية والتعليم في السويد عام 1900 لتطلب من كاتبة أن تقدم عملاً أدبياً لتعليم الأطفال، فقدّمت لاجرلوف إبداعاً استثنائياً حول مفهوم التجربة، فليس غريباً أن تكون السويد اليوم على ما هي عليه.. عندما تُقنع جيلاً ناشئاً أنّ التجربة هي قيمة المعرفة، فالطبيعي جداً أن يصل ذلك البلد بعد قرن إلى هذا المستوى من الثقافة والحضارة والرفاهية والسلام. عندما نقنع الأجيال أن ممارسة الخطأ ليس شيئاً مُعيباً وليست نهاية التاريخ، بل هي ضرورة الاستبدال لكل شيء وهو الطبيعي، فسيكون هناك احترام وعدالة.

لقد نشأنا على أدبيات ترفع القيمة التربوية والاجتماعية على القيمة الثقافية والمعرفية، فنحن مثلاً، مثل جميع الوطن العربي، أو ربما مثل كل دول العالم الثالث، لا نعرف عن بلادنا سوى ما فعله الملوك أو العلماء الذين كانوا يعيشون في جلباب الملوك، والشعراء على موائدهم، أو القادة الذين فتحوا البلاد وبنوا القصور، إنهم بالمعنى التقريبي الحديث سياسيون واستبداديون فعلياً، أما غير ذلك فلا نعلم ولم يكن أصلاً حكومات بلداننا تريدنا أن نعلم إلا بذلك الشكل، إنها عملية تبجيل الساسة بطريقة غير مباشرة، أن نحترم ونقدّس تاريخ الفرد وما فعله وليس تاريخ المدينة.

الرواية تحولت إلى فيلم كارتوني للأطفال(فيسبوك)

أن نذكر المتنبي في بلاط سيف الدولة الحمداني، لكن حلب لا معنى لها من كل ذلك.. غنها عملية استبداد الثقافة، وخلق أجيال متوافقة مع تلك الذهنية. عن أردت أن تبني بلداً حقيقياً للمستقبل، فأعطِها للأدباء والفنانين والعلماء حتى لو أهانوك كسلطة، فهم من سيبنون حضارة أبناءك.

السياسة قد تخلق بلداً قوياً، لكنها تخلق بالمقابل بلداً جاهلاً، وربما مثالي الولايات المتحدة وروسيا أكبر دليل على مفهوم الدولة التي تخلق قوة سياسية عنصرية ومدمرة للكوكب، لكنها بالمقابل وفي الجوهر تخلق مجتمعاً مفككاً معرفياً وثقافياً.

غلاف الرواية (موقع كتب فريش)

في الختام وبالعودة بشكل سريع لهذا الكتاب الرائع، فهو من أكثر الكتب سلاسة فعلياً، إبهاراً كرحلة جغرافية وتجربة ناطقة للكائنات وقدرة مذهلة للتعلم الخصب ليس للأطفال فقط، بل للكبار على حد سواء.

الأدب تمرين متواصل لرفض السائد المتهتك في كل مناحي الفكر والحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.