الأخوان، إسرائيل، ونظرية الإيمان.. ثقافة الهداية لدى الدول الأخونجية

أنت تنتمي للدين الإسلامي، والدين الإسلامي يرفض الاعتداء، وإسرائيل معتدية، ودولتك تفتح حوار مع دولة معتدية، وأنت تائه بين دولتك التي إن رفضت سياستها فسيتم قمعك، وإن قبلت بسياستها تكون قد أثبت تناقضك الديني بين التشريع والثقافة والواقع.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

الأخوان المسلمون أو مجازاً الأخونجية، لم تعد اليوم حركة سياسية فقط كما كانت قبل نصف قرن، بل تحولت إلى واقع ثقافي ومنهج تفكير اجتماعي مسيطر على وعي شعوب بأسرها، كما أصبحت منهجاً للتفكير الحكومي ببعض الدول، وهذه حقيقة لا بد من الاعتراف بها، فمثلاً دول الخليج على وجه العموم ، ودول من مثل قطر والبحرين والأمارات والسعودية على نحو خاص، تتفاوت درجة الأخونجية فيما بينها كسلوك حكومي وتفكير شعبي يؤمن بشكل شبه مطلق بالغيبيات، ويحيل الكثير من أسس التفكير إلى أشياء ما ورائية، لكنهم بالعام لا يمكن إسقاط صفة الأخوان كتفكير وثقافة ومؤسسات عنهم.

والأمر طبعاً ليس خاص بدول الخليج، فدول من أمثال مصر كحالة شعبية أو المغرب أو ليبيا، فهي دول ذات قاعدة دينية أخونجية، تمتلك الثقافة التي دائماً، تنحو في تفسير العالم متخيلة نفسها في حالة دفاع عن شكل الدين والإسلام والإله دون فهم جوهر هذا الدين إلا من خلال قشوره.

ما أريد الحديث عنه هو هذه الثقافة الأخونجية السطحية لدى تلك الشعوب، التي تمارس نمطاً دعائياً دينياً تافهاً وساذجاً باعتبارها تأخذ قوتها، أو هذا ما تتخيله، من قوة سلطتها وحكوماتها.

ما أريد الحديث عنه هو هذه الثقافة الأخونجية السطحية لدى تلك الشعوب، التي تمارس نمطاً دعائياً دينياً تافهاً وساذجاً باعتبارها تأخذ قوتها، أو هذا ما تتخيله، من قوة سلطتها وحكوماتها.

مؤخراً اعترفت البحرين والأمارات بإسرائيل كدولة قائمة، وربما تلحق بهذا الركب دول أخرى، وهذا أمر سياسي لا أريد مناقشته، لكن المثير للاستغراب هو الشعوب المنضوية تحت ولاء هذه الدول والحكومات.

فبالرغم من أن تلك الدول وغيرها ذوات القاعدة الشعبية الأخونجية ترفع من شأن الشعار الديني والتمسك بزمام المنهج الروحي للدين الإسلامي، ويعملون في تأسيس قواعد تعليمية وثقافية تركّز على أهمية هذا الدين، يحق لنا أن نسأل، أليس الدين الإسلامي وسنّة نبيه تقوم أصلاً على اعتبار فلسطين تاريخياً هي واحدة من القبل الإسلامية المقدسة التي يجب أن يعيش بها الناس بعدالة؟ أليس الرسول هو الوحيد الذي عرج في تلك البلاد، وأقام الصلاة بكل الأنبياء؟

معنى الحديث أن فلسطين هي أمر لا يجب التنازل عليه كثقافة دينية، والأخوان يرفعون ذلك الشعار، وهنا لا يهم ما تفعله الحكومات لأنّ السياسة لا دين لها ولا يهم بالنسبة لها كل تلك الترهات الدعائية ما دامت في مصلحة بعض القيادات في تلك الدول وتحقيق مكتسبات، لكن ما هو موقف الشعوب المنضوية تحت ولاء هذه الدول التي تجلس وتنظّر في مسائل الدين، وتمارس قناعات غريبة في الهداية للأشخاص المختلفين معهم.

فتشاهد مثلاً سعودياً أو قطرياً أو إماراتياً أو مصرياً أزهرياً (باعتبارهم يمتلكون ثقافة أخونجية في الجوهر) يخرج ليصبح داعية ويهاجم ثقافة البشر المغايرة عنه، كالملحدين أو الربوبيين أو المتسائلين ببعض القضايا الدينية والفلسفية اللاهوتية كنقاش، ويحاول أن يُظهر نفسه بصورة الخائف على الدين الإسلامي الحق، لكن لحظة.. أليس الأحرى بك عزيزي صاحبَ الثقافة الأخونجية أن تناهض الدولة التي تعيش بها وهي تمارس التطبيع مع حكومة إسرائيل، باعتبار ثقافتك الدينية تعتبر فلسطين تاريخاً مقدساً، ليس لأنّ التفكير العروبي يعتبرها كذلك، بل لأنّ السُنّة النبوية التي أنت خاضع لها وتعتز بها تعتبرها كذلك.

الأحرى بك، بدل أن تبذل جهداً تنظيرياً ضد أشخاص يختلفون عنك فقط بالتفكير ومحاولتهم التساؤل في مواضيع هي مشروعة فلسفياً، أن تدافع عن السُنّة التي أنت تعتبر نفسك خاضعاً لها ثقافياً ومعرفياً وأخلاقياً.

إسرائيل دولة اغتصاب، وهذه لا يمكن لعاقل مناقشة أنها غير كذلك، ونحن نتحدث عن كيان سياسي وليس اليهود كأفراد، فتطبيع دولتك الأخونجية عزيزي الأخونجي ثقافياً مع هذا الكيان هو ضرب لكل تاريخك الديني الذي تعتز به.

إسرائيل دولة اغتصاب، وهذه لا يمكن لعاقل مناقشة أنها غير كذلك، ونحن نتحدث عن كيان سياسي وليس اليهود كأفراد، فتطبيع دولتك الأخونجية عزيزي الأخونجي ثقافياً مع هذا الكيان هو ضرب لكل تاريخك الديني الذي تعتز به، فمن رأيي ألّا تُضيّع وقتك في نقاشات وترهات مع أشخاص آخرين وتركّز على مهمة مناهضة حكومتك المُطبّعة وتسعى لإسقاطها، ليس من أجل شيء، بل من أجل ألا تعيش تناقض الثقافة الروحيّة التي تنتمي لها.

كي يكون ما قيل بسيطاً، سأقدمها بمعادلة رياضية بسيطة.. أنت تنتمي للدين الإسلامي، والدين الإسلامي يرفض الاعتداء، وإسرائيل معتدية، ودولتك تفتح حوار مع دولة معتدية، وأنت تائه بين دولتك التي إن رفضت سياستها فسيتم قمعك، وإن قبل بسياستها تكون قد أثبت تناقضك الديني بين التشريع والثقافة والواقع.

ببساطة ما أقوله إما أن تنزع عن نفسك صفة الأخونجية والتفكير الديني كلياً وترفض كل مؤسسات دولتك التي تسعى لإقناعك بالتفكير الغيبي وتقبل كل سياساتها، وإما أن تبقى غيبياً وترفض إسرائيل لأنها تعارض تاريخك الديني، لكن أن تقبل نصف سياسة ونصف دين فهذا والله هو النفاق بعينه، وأعتقد عزيزي الأخونجي من القاعدة الشعبية، تعلم تماماً ما هو عقاب المنافق في وعيك الديني الذي وعد الله به عباده!

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.