الآثار والشواهد التاريخيّة في عاصفة التدمير الهمجي -د. سماح هدايا

الآثار والشواهد التاريخيّة في عاصفة التدمير الهمجي

تمثّل الآثار والشّواهد التّاريخيّة إشارات مكانيّة مهمّة جدا في التّعبير عن تفاعل الإنسان وارتباطه بالمكان وبخصائصه المعنويّة الدّاخليّة والخارجيّة؛ فهي تستحضر من الماضي رؤية إنسانه للكون والحياة، وتحمل إنجازات الأمم القديمة وحضارة الماضي وما يتعلّق بها من صورة المكان؛ مثل ملامح الطّبيعة والمناخ والبيئة، وأنشطة الإنسان المختلفة المتغيّرة، والمؤثرات التى شكلت الهوية المكانيّة والتّاريخيّة. وهي تشير إلى هوية المكان القديم وتطوّره، وإلى هوية إنسان المكان الثّقافيّة الممتدة عبر الزّمن. كذلك تحمل دلالة مكانيّة ودلالة ثقافيّة. وما تقوم به عصابات النظام لأسدي وجيشه المأجور في قصف الآثار والمواقع الأثرية مثلما جرى في قلعة الحصن وقلعة المضيق والبارة وغيرها في جبل الزاوية وإدلب وحماة وحمص وفي أماكن اخرى ليس إلا ممارسة إرهابية يجري فيها العمل الممنهج للقضاء على وعينا التاريخي وإقصائنا عن تاريخنا وعن هويتنا.

تقدير الآثار والشواهد التّاريخيّة وحمايتها والحفاظ عليها ليس ترفا أو عملاً مقصودا بذاته مستقلا عن السّياق الثّقافيّ، بل هو عملية وطنية خالصة، وهي أيضا عملية معرفيّة إنسانية تزودنا بالثقافة العامة للواقع التّاريخيّ الإنساني، ولإنجازات الفكر والثّقافة الإنسانيّة. وما تفعله عصابات النظام في تحطيم الآثار يصب في الممارسة الهمجية التي تسعى إلى تفتيت الصورة الوطنية وسحق مفهوم الوطن بالإضافة إلى الاعتداء المباشر الاستعلائي على الحضارة الإنسانية وتدمير منجزاتها التاريخية المتمثلة في الآثار.

إنّ الجغرافيّة الباقية من الماضي والمتمثّلة في الآثار المعماريّة تعطي المكان الذي نعيش فيه معنىً مهمّاً، وتعطي أناس هذا المكان معنىً مهمّاً، أيضاً، ونعني به الخصوصيّة الحضاريّة والهويّة الوطنيّة المكانيّة والثّقافيّة، من أجل الصّمود أمام استبداد الانتهاك الثّقافيّ. والآثار العمرانيّة هي شواهد تاريخيّة للمدينة القديمة وإنجاز أهلها وإبداعهم الذي استمرّ عبر الزّمن، تعيد الصياغة البصريّة للتّاريخ القديم وحضارته في أعين الناس وأذهانهم إلى صورة واقعيّة، تحميهما من النسيان. ومن ثمّ فهي رموزٌ مكانيّة للهوية الوطنيّة الحضاريّة المتجذّرة في التّاريخ، ترقّي الإحساس بالانتماء الحضاريّ للمكان وثقافته ( ” فمن المعلوم أنّ الوثيقة أو الأثر ليسا هما التّاريخ، بل على المؤرّخ أو الباحث أن يضع كلاً منهما على محكّ العلوم المساعِدة ليستنبط منها المادة التّاريخيّة في إطار حدوثها الموضوعيّ ” أحمد داود ص12، تاريخ سوريا القديم، تصحيح وتحرير.). وإنّ الحفاظ على الآثار هو احترام للتراث والذّات والهويّة؛ لأنّ الآثار هي الرابط الحيويّ بين الماضي والحاضر والمستقبل، تحفظ قي شواهدها الذّاكرة والهويّة.

نواجه الآن، في ممارسات عصابات نظام الأسد حملة شرسة إرهابية لإبادة آثارنا،. ونحن، في الأصل، نواجه منذ عقود العقلية الفاسدة للانظمة الاستبدادية التي تشيع في واقعنا حالات الفوضى والسرقة واللامبالاة التاريخّىة والجهل الممنهج، وتقوم بتدمير كثيرٍ من آثارنا ومدننا القديمة بساحاتها وبيوتها وأحيائها وأسواقها؛ فاندثرت روح التّراث المتجدّدة وصورة التّاريخ الواقعيّة وإنجازات صناعاتنا التّقليديّة التي أوجدها التعايش في المكان. وضاع كثيرٌ من آثارنا بالحفريات الجائرة، وبالإهمال، وتحوّل معظمها إلى أماكن موحشة قذرة، بالإضافة إلى حدوث السّرقة والنّهب والاتّجار بالقطع الأثرية؛ ممّا أضعف علاقة الإنسان بالمعالم الأثريّة وثقافتها الحضاريّة في معظم الأراضي العربيّة؛ فأقصي خارج الوعي التّاريخيّ الموروث الثقافيّ والمعماريّ. كما تحوّلت بعض المواقع والمعالم العمرانيّة والمدن القديمة على أيدي التّجار إلى مطاعم وأماكن تسلية، وواجهات لمحنّطات تراثيّة، يجذبون السيّاح إليها، ويمنحونهم فيها المتعة والتّسلية والتّخيّل الواهم للتّاريخ الذي يروق لأهوائهم، لكي يصنعوا سياحة مبهرة، وتجارة ناجحة، تدرّ عليهم أرباحا طائلة، مفَرِّطين بروح الهويّة الإنسانيّة الحضاريّة والثّقافيّة للأمكنة.

قضيّة حماية آثارنا الجغرافية التّاريخيّة للمكان ببعديها الثّقافيّ، والتّاريخيّ العمرانيّ من أهم القضايا الوطنية والثقافية في الدّفاع عن هويتنا الإنسانيّة الحضاريّة؛ لذلك لابد من العمل على إسقاط هذا النظام الاستبدادي الإرهابي الذي يعادي البشر والشجر والأثر، ثم لابد في الخطة الوطنية الجديدة بعد الاستقلال والتحرر من نظام الاستبداد ورموزه المختلفة من تنفيذ بعض التّصوّرات. وهي:

1. خلق سياسة وطنيّة ترفع دور المجتمعات المحليّة في الحفاظ على المكان والموروث.

2. ضرورة تأهيل المدن القديمة بأحيائها وميادينها وأسواقها من أجل صياغة هويّة تاريخيّة جغرافيّة مندمجة في الحاضر، ومن ثَمّ إنتاج هوية المكان التّاريخيّة.

3. حماية المعالم الأثريّة وإلزام المجتمع المحليّ بقوانين الحماية.

4. إشراك المعلمين والأساتذة والمثقفين في تكوين الوعي بقيمة المعالم والأثريّة والشّواهد التّاريخيّة، وبأهميّة الحفاظ على الموروث العمرانيّ.

5. إنشاء المؤسّسات التي تعمل بمهنيّة في الكشف عن الآثار وترميمها ودراستها وحمايتها.

ويمكن القول في الخاتمة: إنّ وطننا يحتاج إلينا، نحن أبناءه، لكي نحميه ونعيد بناءه. والبناء يعتمد على التخلص، أولاً، من عصر همجية النظام الأسدي، ثم تجسيد مفهوم الحرية الوطنية والوفاء للهويّة الوطنيّة والقوميّة للشعب السوري وللأمّة والمجتمع. فالوطن يمثّل جذور الأمّة، بجماعاتها المختلفة وأزمانها الطويلة. وإن إحساسنا الوفي المسؤول بالوطن يفرض علينا أن نجعله، بتنظيمه الاجتماعيّ والمدني والحضري، يساير تطوّرات العصر ويستوعب التّغيير، لكنْ بشرط تحقّق الهويّة الحضاريّة والتّجديد الحضاريّ من خلال علاقة الإنسان بالمكان في المدنيّة والإعمار والبيئة والآثار وشواهد التّاريخ، ومن خلال علاقة الإنسان بمجتمعه. وإذا كنا نريد أن نأخذ مكاناً في الحداثة، وأن نجلب الحداثة إلى مكاننا، لا نستطيع التّحرك في أي اتجاه من دون جذور. لدينا الجذور لكن يجب ألا نتركها محنطة في التقاعس والعجز، وفي سكون الإرث التّاريخيّ. فهويتنا في حالة من التكوّن المستمرّ، مكتسبة من الماضي بخزانه الثقافيّ وشواهده، ومن الحاضر بما ننجزه ثقافيّاً ومكانيّاً، ومن المستقبل المرتقب، بما نعمل له.

د. سماح هدايا

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.