اكتشفت والدتي بعد وفاتها

كانت محتويات الكمبيوتر المحمول الخاص بأمي مثل درب تفصيلي: مصالحها، آمالها وخططها للمستقبل، حتى تلك التي لن تتحقق. بهذه الجملة تختصر كاتبة المقال في صحيفة “الغارديان” كايت برانن، قصة حياة والدتها تزامناً مع مناسبة الاحتفال بعيد الأم في عدد كبير من دول العالم.

تقول كايت: “توفيت والدتي عام 2014، بعد أقل من ثمانية أشهر على تشخيص إصابتها بسرطان البنكرياس، والدي وأنا أجرينا طقوساً مألوفة لمن يفقد شخصاً يحبه، توجهنا إلى خزانة ملابسها لنقرر ما نرغب بالحفاظ عليه من قطعها المفضلة، مثل سترتها الأرجوانية المريحة التي لا زالت رائحتها عليها، وعدد قليل من البنود والمجوهرات والأوشحة.

وبعد بضعة أشهر، قدم لي والدي الحاسوب المحمول الخاص بوالدتي إذ كنت في حاجة إلى كمبيوتر جديد. تضمنت محتويات الحاسوب صوراً من الرحلات، ومشروع أطروحتها، ألبومات فان موريسون. كان نشاطها على حاسوبها الخاص مثل درب تفصيلي لحياتها التي كانت تحلم بها: مصالحها، آمالها وخططها للمستقبل، حتى تلك التي لن تتحقق.

ووضعت أوراق ملاحظات (sticky notes) لمقالات ترغب في إعادة قراءتها، ومعارض ومتاحف وفنادق جميلة تسعى إلى زيارتها. وخلال البحث وجدت بعض ما كتبته: “كانوا يلمحون كيف يجب أن أعيش حياتي؟ اقتراحات لأماكن يجب أن أذهب إليها؟ أفكار لاكتشافها؟ المرجعية الأولى “رحلة روحية”. بالطبع، لم تكن كل العناوين كنوزاً دفينة مثل موقع شركة التأمين الصحي، على سبيل المثال. وبعض الروابط التي لم تعد تعمل.

كل ملاحظة كانت تختصر فترة في حياتها، انتقالها إلى لندن وصور زفافي. وهناك، في نهاية القائمة، وضعت علامة فيديو “يوتيوب” لكينيث براناه يقدِّم خطاب القديس الاسكافي هنري الخامس عندما دخل السرطان حياتها، أرسل أخي الفيديو إلى العائلة عندما بدأت والدتي علاجها الكيميائي، محاولاً إعدادنا للمعركة. وبعد شهر، أرسلت لنا والدتي خطاباً لميل غيبسون عن “الحرية” والقلب الشجاع. نقرت على الفيديو لإعادة مشاهدته وهو يصرخ: “قد يأخذون حياتنا، ولكنهم قد لا يأخذون حريتنا!” كانت أمي كذلك، شجاعة لمواجة هذه المعركة الرهيبة.

ولكن المشي على خطى أمي على الانترنت كان مثل عبور حقل مليء الألغام الأرضية. دون سابق إنذار، فإن شيئاً يثير حزني ويمزق قلبي مرة أخرى. كان الاستكشاف أكثر إيلاماً من معركة السرطان، حيث أضحت خططها وآمالها واضحة وضوح النهار.

هذا هو ما سعت أمي طوال حياتها، لأن تكون ناجحة، وتوفيت في 15 كانون الأول عام 2014، أي بعد ثمانية أشهر من تشخيصها بالإصابة. وكانت الأيام والأسابيع في أواخر تشرين الثاني وأوائل شهر كانون الاول التي سبقت وفاة والدتي باردة، مظلمة، وملبدة بالغيوم السوداء. بدا المشهد قاتماً يعكسُ الحزن والخوف الذي لحق بعائلتي. ولكن اليوم الذي ماتت فيها أمي كان مختلفاً، أشعة الشمس تدفقت من خلال النوافذ، وبرزت بساتين الفاكهة الوردية التي تصطف بالقرب من النافذة.

جلست هناك، تذكرت ما أخبرتني به والدتي عن يوم ولادتي، المستشفى كان مشغولاً في ذلك الصباح من شهر آب بعد الولادة، تُركتُ أنا وأمي في الغرفة وحدنا. كم كان رائعاً فقط نحن الاثنان. بهذه الطريقة بدأت حياتي. وهذه هي الطريقة في اليوم الأخير من حياة أمي بدأت: نحن الاثنان أيضاً. أنا أمسك يدها وأشاهدها تتنفس بصعوبة. أنظر إلى وجهها، وأنا أفكر كيف أنام على صدرها طفلاً رضيعاً، لأخذ الدفء والشعور بالأمان بين ذراعيها. بعد ظهر ذلك اليوم، أخذت أمي رمقها الأخير. وتركتنا أنا وإخوتي ووالدي ننتحب بجوار سريرها.

أضفت إلى قائمة أمي اسم 99 مطعماً في بروكلين، 25 يوم عطلة نهاية الاسبوع لتمضيتها في مدينة نيويورك، أماكن لتعلم دروس رقص. الآن تتكدس أحلام اليقظة وأفكار أمي عن المستقبل. أمي من حياة سعيدة إلى نهاية مأسوية، أحاول معرفة كيفية العيش في هذا العالم من دونها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.