اكتشاف الذهب الأسود في الغوطة

محطات من التغريبة الشامية(21)

كل محاولات العيش ترفضنا، وكل طرقنا تؤدي للموت، فاختلفت الأسباب وبقيت النتيجة واحدة وبقينا كبيادق في لعبة تحركها القوى الخارجية وكل بيدق فينا ينتظر نهايته بطريقة ما.

الأيام السورية؛ نور الشامي

يدور الألم هنا كفنجان قهوة في العزاء، يطوف بيوت الغوطة كلها، يجرعها مرارة وشغف العيش والحرمان، يسقيها كأس الموت والألم، آلة القتل الأسدية تحصد أرواح المحاصرين بشكل يومي، وكل الخوف من عودة الشتاء وما يحمله معه من برد وجوع ومرض.

التوصية والتحذير من الشتاء

لا تتوقف أمي عن التوصية والتحذير من الشتاء وكأن قلبها ينذرها عما سيحمله لنا من جديد، في آخر زيارة لي عندهم وجدتها تقطع كمية كبيرة من حبات البندورة بغية حفظها للشتاء، جلست أساعدها وأتعلم منها هذه الطرق البدائية في حفظ المواد وتموينها، فقد كنا سابقا نحفظ كل ما نريد في المجمدات والثلاجات، ولو فرضنا أننا احتجنا أي شيء في غير موسمه كان من السهل جدا الحصول عليه من الأسواق والمحال التجارية الغذائية الكبيرة.

طرق المونة وأساليبها

إلا أننا نسينا مع التطورات طرق المونة وأساليبها، فبتنا نلجأ لسؤال الكبار في السن عن الطرق القديمة، بدأت تحدثني أثناء عملنا عما سنفعله، فبعد الغلي سيتم وضع القدر على النار حتى تمام الغليان مع إضافة كمية معينة من الملح الصخري حصرا، وبعدها تقوم بوضعه في أوعية زجاجية (مطربان) خاصة للحفظ وتتأكد من صلاحية غطائه وعدم تسريبه للهواء لضمان حفظه أطول فترة ممكنة.

حدثتني أيضا عن جيراننا الذين لجأوا إلى تجفيف عرانيس الذرة إما لطحنها في الشتاء أو لسلقها، ومنهم أيضا من جفف الكوسا والباذنجان أو حفظها بالماء المملح، طرق عدة لجأ إليها سكان الغوطة لمقاومة شبح الجوع الذي سينافس القصف في خطف أرواحهم.

مرور الأيام بسلام

هي الفصول تمر علينا دون إدراكها فما عدنا نملك الحماسة لأجواء الشتاء الشاعرية، ولا نفرح بزهر الربيع واخضراره، ولا رغبة لدينا بتاتا لرؤية الأرض مكسوة بثوبها الأبيض كما كان نتمنى في كل شتاء سابقا، كل ما أردناه هو مرور الأيام بسلام، بسلام فقط ونسينا أنها أعمارنا وزهور شبابنا ومستقبل أولادنا الذي سُرق.

بسطات قمر الدين

النسمات الباردة عادت من جديد لتخبرنا أن شيئا لم يتغير، سرعان ما انتشرت بسطات مادة (قمر الدين) وهي عبارة عن مشمش منزوع النوى ومصفى بمكنات خاصة يتم تذويب كمية معينة من السكر والقطر ومده على ألواح وتعريضه للشمس، وتعتبر هذه الصناعة خاصة بأهالي بلدة (عربين) التي كانت المُصدِّر الأول لها إلى أنحاء الغوطة بعدما تم تخزينها أيام موسم (المشمش)، انتشرت هذه المادة بشكل كبير بسبب سهولة حفظها لعدة أعوام ليستعيض بها أهل الغوطة عن السكر الذي ما زالت أسعاره خيالية.

سابقا وقبل الحصار لم تكن تخطر ببالي هذه الأكلات ولا استسيغها أبدا، ولكن مع طول الحصار والرغبة في مذاق السكر بت أنظر إلى عربات (قمر الدين) بمحبة بالغة، مثلما تبدلت آرائنا وتقبلنا لكثير من الأكلات والطبخ، وبدأنا باختراع أكلات جديدة تتناسب مع المواد المتواجدة وتحاكي بمذاقها الأكلات الاصلية.

مادة قمر الدين المصنعة من المشمش(هوى الشام)

شاورما الحصار

أكثر ما نفقده بعد السكر والسمك كان الدجاج بمختلف استخدامه وأهمها (الشاورما) حيث أتى أخي ذات يوم لزيارتي حاملا معه العديد من الأغراض قائلا: “رح طعميكي شاورما الحصار” ليبدا بعدها ببرش اليقطين الذي كان المادة الأساسية وتقليبها على النار وإضافة العديد من النكهات والبهارات وأخيرا قام بتحمير السندويشات أيضا، أعجبني مذاقها بالفعل؛ أو لربما لأنها شيء جديد لا أكثر خرجت فيه من نمطية التكرار اليومي الملل.

البحث عن بدائل

بدأت ملامح التأقلم تظهر علينا على كل الأصعدة وبدأت المحاولات لإيجاد بدائل عن كل ما نفقده، مع استمرار انقطاع الكهرباء والوقود لجأ الناس للبحث عن بدائل، حيث بدأوا بإنتاج المحروقات بتقطير مادة البلاستيك، تقوم هذه العملية على تجميع البلاستيك وشرائه ممن يجمعونه من مكبات القمامة أو من تحت الأنقاض معرضين أنفسهم للخطر والمرض، مستعينين بهذه المهنة على قضاء بعض الحوائج وتوفير بعض المستلزمات، فيتم تقطيع البلاستيك وإذابته وصهره كي يتحول إلى مادة شحمية، يعاد تسخينها مرة أخرى لتتبخر، ويتم تمريره بأنابيب في الماء البارد ليتحول إلى مادة سائلة، حيث يخرج البنزين أولا، ثم تعاد العملية فيخرج الكاز، وتكرر مرة ثالثة ليخرج المازوت.

انتشرت بعد هذه الصناعة الخطيرة بسطات المحروقات المقطر التي أعادت الحركة إلى الشوارع والكهرباء نسيبا عن طريق المولدات الكهربائية واشتراك “الأمبيرات” التي لها قصة أخرى والتي ظهرت مع انقطاع الكهرباء بانتشار مولدات (تعمل على الديزل) لأشخاص يقومون بتوزيع الكهرباء على الأحياء وكل منزل يسحب “أمبير” (أي ما يعادل تشغيل 4 أضواء إنارة ) أو أكثر لمنزله بمقابل مادي على كل “أمبير” لصاحب المولدة ، وفتحت باب رزق جديد أمام المحاصرين لكنها بالتأكيد لم تكن أقل خطورة من القصف فكان الخوف من انفجار الحراقات بسبب ضغط غاز الميثان ما أدى إلى إصابات كثيرة في صفوف من امتهن هذه الصنعة أدى بعضها إلى الوفاة.

مكان لبيع المحروقات أثناء حصار الغوطة (صحيفة العرب)

انفجار وحريق

كما حدث مع أخي الذي بدأ هو وصديقه بالتقطير، وقد كان متكرر الغياب بسبب نوبات الرباط والعمل إلا أنه ذات مرة طال غيابه وبدأت والدتي بالقلق والسؤال عنه فيطمئنها أخي الكبير أنه بخير، هكذا إلى أن أتى ذات يوم إلى البيت مضمد الوجه واليدين منهك القوى فظنت أمي أنه تعرض لإصابة حربية، لكنه أخبرها أنه منذ عدة أيام وأثناء العمل انفجر وعاء التقطير واندلعت النار أرجاء المقطرة ـ وهو مكان العمل ـ التي كانت تحتوي أساسا على كمية من المحروقات الجاهزة للبيع، مما أدى إلى توسع الحريق وتدخل الدفاع المدني لإطفائه، لكنهم وجدوا صديقه محصورا في إحدى الزوايا جثة مفحمة، بينما أخي استطاع النجاة لأنه كان أمام الباب الخارجي واقتصرت إصابته على الحروق.

كل محاولات العيش ترفضنا، وكل طرقنا تؤدي للموت، فاختلفت الأسباب وبقيت النتيجة واحدة وبقينا كبيادق في لعبة تحركها القوى الخارجية وكل بيدق فينا ينتظر نهايته بطريقة ما.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.