اشتداد الحصار والموت قنصاً وصولاً لحرب الأنفاق

محطات من التغريبة الشامية (4)

استمر الوضع على هذا الحال والحصار يطبق على الثوار في منطقة القابون، فقررت الفصائل العاملة في حرستا حفر نفق يصل القابون، مكان تواجد الثوار المحاصرين حتى يخرجوهم، كانت فكرة شبه مستحيلة في ظل غياب الآلات الحديثة للحفر.

الأيام السورية؛ نور الشامي

كانت الأخبار عن الثوار والمدنيين المحاصرين في “برزة والقابون” تصلنا تباعا، فشدة القصف لا تقل عن حصة الغوطة من القذائف والصواريخ، وشدة الحصار أيضا كان نصيبهم فيها كبير.

أصعب ما كان يواجه المحاصرون، فقدان الخبز والماء، إضافة إلى علب السجائر، فاضطروا للبحث في البيوت الفارغة عن الخبز اليابس أو الطحين، كانت أيام صعبة تمر عليهم وعلينا في ظل استمرار القصف وغلاء الأسعار.

الأسبوع المفترض امتد لأسبوعين، بل، ثلاثة أسابيع، ولا شيء يتغير سوى التاريخ، وتتالى الأيام ويزداد الوضع سوءا في كلا المنطقتين.

القصف جعلني أترك العمل في المستشفى

ومع انتهاء الشهر الأول من حصار قوات النظام للثوار هناك، وفي ذات مرة اتصلت بخطيبي لأطمئن عن حاله في الحصار وقبل الانتهاء من المكالمة طلب مني أمرا صادما وهو ترك عملي في المستشفى، خوفا عليَ بسبب القصف الذي بات يستهدف المستشفيات بشكل مباشر، ومنه المستشفى الذي أعمل به حيث قتل شابين من خيرة الممرضين بينما كانا واقفين يتحدثان أمام باب المستشفى، وسقطت قذيفة بالقرب منهما فأودت بحياتهما.

والدي أيضا كان له نفس الرأي وهو تركي الدوام في المستشفى حيث أصبح العمل فيه أكثر خطورة، كان حينها من أصعب القرارات التي فرضت علي حيث بقيت نائمة حوالي (24) ساعة متواصلة على أمل العودة عن قرارهما لكن دون جدوى وتركت العمل مكرهةً.

مغامرة فك الحصار والموت قنصاً

أصبحت الأيام بعدها تمر ببطء شديد، طائرات وصواريخ النظام لا تنفك تتساقط علينا من كل حدب وصوب، طالت الأيام والثوار محاصرون، ضاقوا ذرعا بوضعهم، فقرر أحد الثوار المحاصرين العودة إلى الغوطة عن طريق الأوتوستراد العام (دمشق- حمص الذي ينتهي بطريق المطار جنوبا والذي تسيطر عليه قوات النظام) والذي يفصل بين المنطقتين المحاصرتين (حرستا- القابون الواقعتين تحت سيطرة الفصائل العسكرية)، رغم علمه بوجود قناص يرصد الطريق، إلا أنه غامر بنفسه وركض مسرعا لتلقاه رصاصات الحقد ويلقى مصرعه في منتصف الطريق، ويبقى جثة هامدة عجز الثوار عن سحبها، وعاود تجربته العديد من الثوار المحاصرين ليلقوا نفس المصير، الموت قنصاً على أيدي قوات الأسد الحاقدة.

حفر الأنفاق

استمر الوضع على هذا الحال والحصار يطبق على خطيبي وأصدقائه المتواجدين في (منطقة القابون) إلى أن قررت الفصائل العاملة في حرستا حفر نفق بين حرستا والقابون، حيث أتى أخي وأخبرني أن الثوار من طرفنا بدأوا بحفر نفق تحت الأرض يصل لمكان تواجد الثوار المحاصرين حتى يخرجوهم، كانت فكرة شبه مستحيلة في ظل غياب الآلات الحديثة للحفر.

فعلا بدأت الفصائل العاملة في (حرستا) وبمساعدة شبان من أهالي المنطقة بعملية حفر النفق وسط تشجيع شعبي، فكان الناس في نوبات متتالية يعملون جاهدين بآلات حفر بدائية، كانت أدوات الحفر تأكل من أيدي الشباب قطعاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

تفجير النفق من قبل النظام

لم يكن بالحسبان أن النظام سيكشف أمر النفق ويجهز خطة خبيثة حاقدة، حيث قام بحفر خندق يعترض مسير النفق المخطط، وملأ الخندق بالمواد شديدة الانفجار، قاصدين بتفجيره قتل كل من يعمل بالنفق الذي سيكون سبيل نجاة للثوار المحاصرين، وبالفعل قام تفجيره لكن مشيئة الله قضت بأن لا تجري الأمور وفق ما خططت له قوات النظام، حيث خرج ضغط من الجهة التي يتواجد فيها عناصر الأسد ليوقعهم بين قتيل وجريح.

تتالت الأيام، وبعد فشل خطة النفق الذي كان الأمل الوحيد بفك الحصار عن المحاصرين في منطقة القابون، كنت كل يوم أحاول فيه أن أمد خطيبي بالأمل والصبر لتقوى عزيمته ورفاقه حتى لا يلجؤون لفكرة تسليم أنفسهم لقوات النظام أو لمحاولة العودة من طريق الموت (الأوتوستراد).

اشتداد الحصار وفقدان المواد الغذائية

في هذه الأثناء كانت أوضاع الغوطة الشرقية في تراجع وسوء واشتداد للحصار، واختفاء لبعض المواد، ورغم أن الحصار ما زال في بدايته إلا أن أسعار المواد الغذائية ارتفعت إلى خمسة أو ستة أضعاف، حيث وصل سعر كيلو السكر الواحد ألف ليرة سورية أي ما يقارب الدولارين ونصف، فضلا عن ارتفاع الأسعار بدأت تقل في هذه المناطق، وبات الناس يقننون من استهلاكها.

كنت دائما ما أخبأ لخطيبي بعض الأكلات الخاصة، من بسكويت وحلويات، وكانت أمي تقول لي ضاحكة: “لك خلينا ناكلهم أحسن ما ياكلهم الدود”، فينقبض قلبي خوفا ـ رغم مزاحها ـ معتبرة أن فيه نذير شؤم بطول غيابهم وحصارهم.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.