استسهال التاريخ.. عملية ذهنية لترسيخ التخلف

إن استسهال قراءة تاريخنا بتلك السذاجة، تضفي على مجتمعاتنا صفة الوضاعة الفكرية والغباء المستديم، وإن تحليل أي حدث بإعادته لحركة المجتمع السياسي لا تلغي الإيمان الشخصي بالألوهة، لكن ضرورة تحليل التاريخ في سياقه هو المهم، لأنه يضفي عقلانية لفهم الحاضر والارتقاء بالمجتمع والخلاص من النماذج الجاهزة بالبطولة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إن محاولة تدمير أي مجتمع في العالم، يحتاج جهداً كبيراً، من تشويه صورته الحضارية، وترسيخ قناعات ميتافيزيقية لمسائل تحتاج عقلانية وتحليل اجتماعي، بالإضافة لضرب آليات إنتاجه الاقتصادي، لكن للحفاظ على مستوى التردي ذاك، فلا تكفي تلك الممارسات الإحباطية، بل يجب خلق دور تاريخي مزيف، لعمل موازنة ما بين كره الواقع وما بين بعض صور المجد الزائل، للحفاظ على العقل البشري في حالة سبات.

منذ فترة صادفتني معلومة على الأنترنت، وأصبح لها رواج كبير، ورغم أن ما قيل نوعاً ما، هو حقيقي ببعض جوانبه، لكن المشكلة ليست بمصداقية القول، بل بعدم فهم الأسباب الكامنة لذلك التاريخ الذي نراه اليوم صادقاً. هي نوع من المعلومات الثقافية التجارية، النوستالجية المصابة بالمجد، تقول الآتي:

‏”اقتتلت فارس والروم ٧٠٠ عام بأكثر من ١٠٠٠ معركة لم تهزم أي منهما الأخرى. ثم جاء خالد بن الوليد بحفاة عراة من جزيرة العرب يؤمنون بالله حق الإيمان فقضى على كليهما في ٤ أعوام. هزم فارس في ١٥ معركة، وروما في ٩ معارك، فاتحدت الإمبراطوريتان بمعركة الفراض ١٢ هجري ٢٠٠ ألف هزمهما ب ١٥ ألف. فلا نامت أعين الجبناء!”.

مثل هذه المعلومة، تمثّل استسهال للتاريخ من أجل الشعور الاجتماعي بالمجد الذي زال. وترسّخ مذهباً من الغباء الفكري والتردي الثقافي للمجتمع، ليس لأن الكلام غير صحيح فيما فعله خالد، بل لأن حركة التاريخ لا تتم بهذه البساطة.

إن انتشار الإسلام وسقوط الفرس والروم، خضع بالدرجة الأولى للتحلل الداخلي السياسي والاقتصادي في كلا الإمبراطوريتين، بمعنى هما كانتا جاهزتين للانهيار، فإن لم يقدم العرب على الانتشار، فسيكون هناك أي حركة أخرى تؤدي لانهيارهما. انضمام عرب الشمال في كلا الإمبراطوريتين لحركة عرب الجزيرة، وإعطائهم المعلومات الحربية التي لم يكن عرب الجزيرة ليعرفوا عنها شيئاً، كانت سبب رئيسي لسقوطهما. الرفض الشعبي في الإمبراطوريات السابقة لنظام الملوك والأباطرة، كان سبباً مهماً لحركة احتجاج وقعت فيه تلك السلطات بين غزو خارجي وحراك داخلي، الخ. أسباب كثيرة أدت لانهيار تلك الإمبراطوريات.

إن عدم قراءة أي معلومة بتمهل وتحليل وفهم لبنيتها الاجتماعية في سياقها التاريخي، ستخلق مجتمعات متردية.

بطبيعة الحال لسنا بصدد تحليل التاريخ، بقدر ما هو شرح الفكرة حول استسهال المعلومة التاريخية وترويجها الأبله في عقول الناس.

المقولة السابقة هي نموذج من مئات وآلاف وربما ملايين من المعلومات التي يتم زرعها في عقول البشر وداخل المجتمعات المتخلفة، لإبقاء حالة التوازن وقبول الواقع المتردي. عملية تحجيم الذهن الذي لا يريد أن يفكر أبعد من الصورة الإيمانية الجاهزة والناصرة للشعوب، بالرغم أن الواقع يثبت عكس ذلك، وإن خرج بعض رجال الدين ليبرروا هذا البؤس على الناس باستشهاد من آيات من قبيل (يمدهم في طغيانهم)، كتدليل على الامتحان الإلهي.

إن عدم قراءة أي معلومة بتمهل وتحليل وفهم لبنيتها الاجتماعية في سياقها التاريخي، ستخلق مجتمعات متردية.

إن واحدة من مشكلات الذهن المتدين المعاصر، وللأسف هو المسيطر، في محاولته لفهم التاريخ، أنه يحاول دائماً التركيز على بهيمية البشر والوعي قبل الإسلام، ليكون هناك مبرراً جوهرياً بأن ما حققه الإسلام من توسع ونفوذ وانتشار، يخضع للنصر الإلهي، وليس للتجربة الاجتماعية الموجودة قبله.

فالعرب في الشمال أو في الجنوب قبل الإسلام، هم تجار، مسافرين، رحل، يعلمون أحوال البلاد في الإمبراطوريات، يستقون العلوم التي كانت فيها، ويعلمون لغاتهم للتواصل التجاري. بالمنطق الطبيعي لا يمكن أن تقوم بتجارة لبلاد الفرس أو للروم دون أن تعلم ألسنتهم ولغتهم وثقافتهم وديانتهم وعلومهم وفنونهم، ومعلومات حول جيوشهم وقواتهم العسكرية واضطراباتهم السياسية وحركاتهم الاجتماعية.

ما جرى في لحظة سقوط الروم والفرس، هو تماماً مثلما جرى في فترة لاحقة بين المغول والعباسيين. تفكك الدولة العباسية من الداخل ونزاعاتها السياسية وحركات الاحتجاج الشعبي فيها أدى لسقوطها بأبسط الأشكال أمام الغزو المغولي.

من الطبيعي، كل ذلك كان يعلمه عرب الجزيرة مع عرب الشمال القاطنين في تلك الإمبراطوريات، إنها مسائل ليست خافية على أحد، بمعنى عرب الجزيرة قبل الإسلام وقبل ظهور النبي لم يكونوا بهائم. كانوا يمتلكون معلومات موسعة حول دول الجوار، ويتقنون فنون القتال والمعارك، ويفهمون علوم مرتبطة بالفلك لتساعدهم على أسفارهم، أو معرفة الجغرافيا في بلادهم أو بلاد الآخرين لفهم إمكانية التجارة والكسب. المعرفة بالنسبة لهم هي ضرورة لأنها مرتبطة بالاقتصاد.

ما جرى في لحظة سقوط الروم والفرس، هو تماماً مثلما جرى في فترة لاحقة بين المغول والعباسيين. تفكك الدولة العباسية من الداخل ونزاعاتها السياسية وحركات الاحتجاج الشعبي فيها أدى لسقوطها بأبسط الأشكال أمام الغزو المغولي.

ما كان يجري في إمبراطوريات الروم والفرس، هو نفسه تماماً الذي كان يجري مع العباسيين، أيضاً هولاكو كان حافٍ عارٍ عندما اجتاح العراق، فهل يمكن أن نقول بأن إلهه كان ناصراً له مثلما كان ناصراً لخالد الحافي والعاري!. المسألة هي في الفهم العميق لتلك المجتمعات للظروف المحيطة بهم والاستفادة من لحظة تاريخية لبناء دولة قوية وانتشار وتوسع. الموضوع لا دخل له بإيمان لا من قريب ولا من بعيد.

إن استسهال قراءة تاريخنا بتلك السذاجة، وتركيز بعض مفتقهي العلم والتاريخ بالتركيز على بهيمية المجتمعات القديمة لإضفاء طابع ميتافيزيقي عليه، تضفي على مجتمعاتنا صفة الوضاعة الفكرية والغباء المستديم، وإن تحليل أي حدث بإعادته لحركة المجتمع السياسي لا تلغي الإيمان الشخصي بالألوهة، لكن ضرورة تحليل التاريخ في سياقه هو المهم، لأنه يضفي عقلانية لفهم الحاضر والارتقاء بالمجتمع والخلاص من النماذج الجاهزة بالبطولة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.