اخلعوا معطف “غوغول”

كنتُ في سنٍ صغيرٍ يومها، ولم أكن أعي غير “البؤس” يعلو جبين من حولي… ونظراتٍ كسولة أقرأها مع بعض التعب الذي لم أفهم كنه معانيه… يومها خلت الحياة بلا معنى، كأنها “عبث الطفولة”… حتماً لأنّ “أمي” همست تستعجلني لارتداء معطفي فالجو باردٌ و”رحلتنا” طويلةً كما قالت… بل قطعاً لأني كنتُ منزعجاً من صراخها الذي لم أعتده من قبل، أنا الذي ما عرفتها إلا “هادئة الطباع”.

الايام السورية| فرات الشامي

محاصرٌ ذاك الصباح بالهموم، ومثقلٌ فكره بالأحزان كضبابٍ غريبٍ يمتد في سماء حياتنا… لا شيء يوحي بالأمل… الصباح بدا يحمل حقيبة كآبةٍ معه ليهديها كعادته لأمثال “أمي” الموظفة الحكومية، التي لم يختلف حالها عن غيرها من “السوريين المقهورين”.

كنتُ في سنٍ صغيرٍ يومها، ولم أكن أعي غير “البؤس” يعلو جبين من حولي… ونظراتٍ كسولة أقرأها مع بعض التعب الذي لم أفهم كنه معانيه… يومها خلت الحياة بلا معنى، كأنها “عبث الطفولة”… حتماً لأنّ “أمي” همست تستعجلني لارتداء معطفي فالجو باردٌ و”رحلتنا” طويلةً كما قالت… بل قطعاً لأني كنتُ منزعجاً من صراخها الذي لم أعتده من قبل، أنا الذي ما عرفتها إلا “هادئة الطباع”.

أذكر أن “أمي” كانت ترتدي “معطفاً” شتوياً أسود اللون، سميكاً جداً… تكرر كلمتها: ((أسرع حبيبي… لنصل باكراً… قبل أن يذهب الموظف المسؤول، فهو غالباً ما يأتي لبضع ساعاتٍ ثم يذهب… أسرع حبيبي… نريد أن نقابل “فراس”… إنه الوحيد القادر على تسريع “الإجراءات” إنه “المفتاح”)). لم أفهم ما تعني بـ”المفتاح”، لكنها على ما يبدو تعني “رجلاً مهماً”.

بداخلي تناقضٌ غير مفهوم… الرحلات لا تكون في الشتاء، لكنني قطعاً أخفيت عن والدتي “ذاك الفرح الطفولي” الخبيث، ربما لأننا ذاهبون في “نزهة”، لكنني لم أخفِّ ذهولي من مشهد السماء التي بدت على غير عادتها، وكأن المنظر حين أتصوره اليوم يوحي بفصلٍ “تراجيدي” يتناسب مع ما سيكون، بل يتماهى مع شكل “حياتنا” التي كانت مزيجاً من التعقيد والبساطة لا أدرِ كيف…؟!!

ركبنا الحافلة، قررت الجلوس خلف النافذة أتأمل الطريق والمارة، لعلي أختلس “شرود أمي المعتاد” لأفتح لأمدّ يدي إلى الطريق، ألاعب الهواء… بينما استمع إلى “فيروز” تغني “سألتك حبيبي”… وبينما تنزف عين “أمي” بدمعةٍ خلسةً تمسحها سريعاً، كنت أهيم وأدندن مع الكلمات والموسيقا، مترنماً، وكأنني أتحضر لأكون “عاشقاً” ذات يوم… نكزتُ “أمي” بقوة… ألتفت إليّ… مبتسمةً تسألني: “ماذا تريد؟”.

  • أين “كوين ذات العيون الخضراء؟”
  • سافرت مع “أمها”.
  • أريد أن نذهب إليهم… أنا أحبها.
  • لا يمكن الوصول إليهم… إنها في “أمريكا”.
  • “فلنذهب إلى هناك إذاً”.
  • إنها بلادٌ بعيدة.
  • كم أكره “أمريكا” التي خطفت مني “صديقتي كوين”، يبدو أني كنت سياسياً منذ طفولتي وإن لم أكن مدركاً أن “أمريكا نفسها” سوف تحاول أن تخطف “وطني”.
  • أمي… أمي…. أريد أن أتزوج “كوين”.

تضحك “أمي” حتى ارتفع صوت القهقهة قليلاً، ثم تقول: إذا وفقنا القدر اليوم، سوف أفكر بالأمر، وربما تحتاج عشرات السنين حتى تفهم يا “فرات”.

نزلنا من الحافلة… دخلنا ذاك المبنى الكائن في منطقة “المزة”، وعلى المدخل لوحةٌ مستطيلة كتب عليها “مصرف التسليف الشعبي”.

تقابلك بعد صعود بضع درجات “لوحةٌ كبيرة” مكتوبٌ عليها “القائد المناضل حافظ الأسد”؛ وفي أسفلها: “مقدمة من نقابة العمال”.

قريباً من صورة “حافظ الأسد” وفي البهو الكبير صورةٌ تعلو المكان كتب عليها “الفارس الذهبي”، كان شاباً وسيماً، بلحيةٍ سوداء خفيفة، تعلو وجهه ابتسامةٌ على عكس هؤلاء الشباب المبعثرين بين غرفة “المتنفذ”، ونافذة الصندوق الزجاجية، والتي تشعرك بدورها أنها كالورقات النقدية قابلة للتكسر فوراً… شبابٌ تختلف وجوههم عن “الشهيد المؤمن الحاج باسل الأسد”… يبدو عليهم تعب السنين وكأنهم “أهل الكهف” يرتدون “معطفاً”.

شبه عتمة تخنق المكان… أعداد الناس بالمئات، البعض وقف أمام المصعد… البعض الآخر ينتظر مثلنا خلف باب غرفةٍ مغلقة يبدو أنّ “الموظف شخصٌ مهم”… تأملت المشهد تائهاً… لم تتركني “أمي” لتلك الحيرة… اقتربت من أذني تهمس: ((هذا باب أحد الموظفين “المتنفذين”)).

دخلنا الغرفة… تجاوزنا جميع المراجعين… تجاوزنا الطوابير والأرتال… جميعهم من الموظفين الحكوميين، وطالبي القروض، بدا على وجوه معظمهم حالة التعب أو اليأس… يرتدون ثياباً على أجسادٍ هزيلة وأعينٌ حائرةٌ في المكان.

أذكر حالة القهر التي تبدو على “الموظف الحكومي” وحالة “الفخر” أيضاً حين تنتابه لحظة الحصول على “القرض”… “مزيجٌ متناقض”… لكن دقائق فرحه لا تطول، بل تنتهي فور نزوله درج المبنى “التعس”.

داخل الغرفة ثمة أوراقٌ مكدسةٌ فوق الطاولة ودفاتر كبيرة، وجهاز “كمبيوترٍ” بين يدي موظفٍ مقطب الحاجبين، ينفث دخان سجائره في الجو كأنه غاضبٌ من أمرٍ ما، بالكاد يتحدث إليك ويجيب عن أسئلتك، بل ربما يشير إليك بعيداً… ريثما يرتشف فنجان قهوته… عرف “أمي”… نهض من خلف طاولته… أخرج من جيبه ورقةً صغيرة قائلاً: “إلى الصندوق، ولا تنسينا مدام”.

سريعاً نحو “كوة الصندوق الزجاجية”… ننتظر دورنا… بينما تتمتم “أمي”: ((500 ل.س للوسيط، ومثلها للمفتاح الذي قال لا تنسينا مدام -تقولها باستهزاء وتهكم-وأخرى للعامل خلف الكوة، ومثلها للموظف الذي وقع على المعاملة… وبدي رجعك ع البيت بالتكسي… شايف حبيبي صرنا ندفع “حلوان الحصول على القرض، ونتبعزق”… أما الباقي بدنا نسدد فيه ديون والتزامات بسبب مرضك)).

تقترب مني أكثر تهمس ضاحكةً: “لا تفكر بـ”كوين” و”أمريكا”، لأن خلصت المصاري حبيبي”.

عدنا إلى البيت ولازال في ذهني “صورة القائد المناضل الرمز حافظ الأسد” الذي بدا ماداً يديه نحو الناس لستُ أدرِ هل كان “مرحباً” أم “ممتعضاً” لأنهم يريدون أخذ “المال” من “خزائن عائلته”؟… لم أزل أذكر حالة القهر التي تبدو على “الموظف الحكومي” وحالة “الفخر” أيضاً حين تنتابه لحظة الحصول على “القرض”… “مزيجٌ متناقض”… لكن دقائق فرحه لا تطول، بل تنتهي فور نزوله درج المبنى “التعس”.

تقول أمي: ((شايف حبيبي شو كريم هالسيد الرئيس بيسرقنا من هون، وبيمنحنا هبات من هون… هاد القرض خاص بس بالموظفين… شايف كيف عم يدللنا، “ابن الكلـ…”)) … أمي الوحيدة التي عرفتها جريئةً بطيش كما تقول “جدتي”.

مجرد التفكير اليوم بتلك الحادثة وأحوال الناس ضمن “دائرة المبنى”، التي تكاد تشبه “فرع المخابرات”، تشعرك بأنك كائنٌ حبريٌ خرج من رواية “المعطف” للكاتب الروسي “نيقولاي غوغول”.

شغلني طويلاً ذاك المشهد المعشعش في ذاكرتي بخيوطه العنكبوتية، ولعل التفسير الوحيد لعتمة المكان، ونظرات الناس ربما تكون بل حتماً هي عقلية “حافظ الأسد” الذي عمل لإيجاد تركيبةٍ من الشعب، تماثل تماماً شخصياتٍ قرأ عنها في رواية “المعطف”، لا شيء يفسر إلا رغبته بترسيخ تلك النماذج حيث الكل -نساءً ورجالاً-الداخلون إلى المصرف والخارجون منه، “متشابهون”.

تشابهٌ في كل شيء… في نبرة الصوت التي تراوحت بين “التوسل والتسول” أمام الموظف المتنفذ ذاته… تشابهٌ في نظراتهم المرهقة والحائرة وحتماً الخائفة… جميعهم موظفون رسميون، لكن لا أحد يضع ربطة عنق، فقط شعورٌ بالتفوق على الآخرين لحظة استلام المبلغ المالي.

ظنت “أمي” أنها سوف تخلع “المعطف” بعد تسلم مفاتيح السلطة شابٌ وسيمٌ له عينان جميلتان، أما مصرف التسليف الشعبي “رمز الفقر” من المفترض أنه سوف يذهب بلا رجعة، لكن كما يقول المثل: “الكلب خلف جرو، طلع الجرو ألعن من أبوه”.

لم يبقَ “فرنكاً” أو “نكلاً” من ليرات القرض، ولا أعرف مصير “كوين” التي كانت في مثل سني 8 سنواتٍ وقتها، وكثيراً ما حاولت تجنب تذكر تلك اللحظات شبه المظلمة داخل المصرف، ولم أجد إجابةً لسر “الأضواء المطفأة فيه”.

لكن سؤالاً يطاردني… إذا كان الربيع ألغى الشتاء، فهل يقبل الناس بارتداء “المعطف” مرةً ثانية، أم أن ذاك الزمن انتهى، منذ الحراك السلمي في سوريا؟، وهل يقبل السوري بسرقة “ما بقي لديه من مال”؟ بحجة “الحلوان”؟

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.