اختراع وحشي أتقنته يد العلم.. النظام السوري والغازات السامة

الالتزامات القانونية والأخلاقية بموجب القوانين والأعراف الدولية يتم خرقها يومياً في الحالة السورية، ليس من جانب النظام السوري فحسب، بل من جانب المجتمع الدولي أيضاً.

الأيام السورية - كفاح زعتري

حصل عالم الكيمياء “فريتز هابر” عام 1915، على جائزة نوبل للكيمياء. هابر كان متخوفاً من عجز الإنتاج الغذائي العالمي عن تلبية حاجات سكان العالم، فابتكر عملية لتحويل النتروجين الجوي إلى سماد زراعي. وأصبح اليوم التموين الغذائي لما يقدر بملياري شخص متعلقاً بهذه العملية.

 

غريق في أرض جافة

إلا أن عبقرية هابر لم تتركز فقط على الإنتاج الغذائي. فقد كان يرى أن الكيمياء قادرة أيضاً على توفير حل لمأزق الخنادق التي يتحصن بها جنود الأعداء، ويؤمن بالإمكانات التي قد يتيحها شكل جديد من الوسائل الحربية؛ لعب دوراً محورياً في أول هجوم في التاريخ العسكري استخدمت فيه الغازات عام 1915. وفي ذلك اليوم ألقت القوات الألمانية حوالي 150 طناً من غاز الكلور على جبهة “الفلاندر” في بلجيكا. وما إن وصل الكلور إلى خنادق الحلفاء بدأ الجنود بالاختناق كما قال هابر، وصف موت مئات الجنود الذين قضوا اختناقاً وكأنه “غريق في أرض جافة “.

وباستخدامه للكلور بهذه الطريقة نال هابر الترقيات وسُمِي إلى يومنا هذا بأب الحرب الكيميائي. هذا وبمجرد أن تحطم محرّم استعمال السموم في الحرب، لم يلبث أن تبعه لجوء طرفي النزاع إلى استخدام غاز الخردل الذي يحرق الجلد ويتسبب بفقدان البصر.

إن أعمال فريتز هابر تضعنا أمام الحقيقة الرهيبة التي يمثلها التقدم العلمي؛ عندما تتحول الاكتشافات الكبيرة تقريباً في أي مجال من المجالات لتستخدم لأغراض عدوانية. وهذا يدفعنا للتفكير كيف سيكون مستقبل الإنسانية.

 

اختراع وحشي أتقنته يد العلم

يذكر بأن المجتمع الدولي حينها تفاعل مع الحدث، ووجهت لجنة الدولية للصليب الأحمر نداءاً مؤثراً في شباط 1918وصفت فيه استخدام السموم في الحرب بأنه “اختراع وحشي أتقنته يد العلم”، كما احتجت “بكل ما أوتيت من قوة على هذا النوع من الحرب والذي ليس له مسمى آخر سوى أنه عمل إجرامي”.

وفي استجابة جزئية للنداء تبنت الدول بروتوكول جنيف لعام 1925 الذي أكد مجدداً الحظر الشامل على استحداث أو إنتاج الأسلحة الكيماوية أو حيازتها أو تخزينها أو الاحتفاظ بها أو نقلها، نقلها أو استعمالها. ويمثل هذا المبدأ الآن جزءاً من القانون الدولي العرفي الذي تلتزم به جميع الأطراف في النزاعات المسلحة.

تتالت المؤتمرات بذات الموضوع وصولاً إلى اتفاقية حظر استعمال السلاح الكيماوية عام 1993. التي انضمت إليها جميع الدول عدا ثمانية دول هي (أنغولا، جنوب السودان، كوريا الشمالية، الصومال، مصر، سوريا، ميانمار وإسرائيل)

 

النظام السوري والأسلحة الكيماوية

عقب مجزرة الغوطة في 21 آب 2013 التي استخدام حينها النظام السوري للسلاح الكيماوي وعقب صدور تقرير بعثة التفتيش الدولية، أصدر مجلس الأمن قراره بوجوب تسليم النظام السوري للأسلحة الكيماوية التي بحيازته، كان هذا كل ما استطاع المجتمع الدولي تقديمه للشعب السوري، وبالمقابل ضمن الرئيس السوري بقائه بالسلطة عبر عمليه انتخابية مشبوهة، وأيضاً دون دور فاعل للمجتمع الدولي مدعي الديمقراطية وحماية حقوق الانسان. الأمر الذي أوصلنا إلى فقد الثقة بالمجتمع الدولي ومنظماته الأممية.

إن الالتزامات القانونية والأخلاقية بموجب القوانين والأعراف الدولية يتم خرقها يومياً في الحالة السورية، ليس من جانب النظام السوري فحسب، بل من جانب المجتمع الدولي أيضاً، الذي عجز حتى الآن عن اتخاذ إجراءٍ فعال لحماية السكان تبعاً لالتزاماته الدولية وفقا لميثاق هيئة الامم المتحدة.

 

غاز الكلور السام

بهذا السياق نشير إلى أن قرار تسليم السلاح الكيماوي، لم يلتفت إلى غاز الكلور، معتبراً أن لغاز الكلور استخدامات عدة، متناسين بأن أول استخدام لغاز الكلور بدرجة سلاح بالعصر الحديث، كان بالحرب العالمية الأولى والذي أدى إلى موت الآلاف، وعلى أثر ذاك الاستخدام كانت معاهدة 1925.

وللعلم فإن غاز الكلور السام سهل التصنيع والتعبئة في صواريخ وقنابل بدائية مثل “البراميل المتفجرة”، كما أن عدد ضحاياه أقل من التي يخلفها استخدام الأسلحة الكيميائية، وأيضاً التحقق من استخدامه أصعب من التحقق من استخدام الأنواع الأخرى من السلاح الكيمياوي كونه يتحول إلى صيغة غازية وتتغير خواصه الفيزيائية بعد تعرضه للحرارة والاحتراق. لقد استخدم النظام السوري ولا يزال غاز الكلور السلم بقصفه المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، الأمر الذي أعطاه فرصة التقدم بتلك المناطق دون تكلفة تذكر وبتغطية دولية هذه المرة.

مصدر موقع المعرفة
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.