اتفاق القامشلي.. تثبيت لنفوذ “الاتحاد الديمقراطي” وتأهيله للمشاركة بجنيف

شكلت الاشتباكات التي وقعت بين قوات النظام السوري، والمقاتلين التابعين لحزب “الاتحاد الديمقراطي الكردي”، في مدينة القامشلي، أقصى شمال شرق البلاد، واتفاق الهدنة الذي تبعها، نقلة نوعية في العلاقة بين الجانبين، والتي اتسمت بالتنسيق وتقاسم الأدوار خلال السنوات الخمس الفائتة من عمر الثورة السورية.
ويرى كثير من المراقبين أن هذا التطور يعد حلقة جديدة على طريق تعويم الحزب كممثل رئيسي، وربما وحيد، لأكراد سورية، وكلاعب إقليمي بات خارج عباءة النظام السوري.
وقد قضت الهدنة، التي وقعها الجانبان، الأحد، في مطار القامشلي، بحضور مندوبين إيرانيين وروس، باحتفاظ القوات الكردية بالمناطق التي سيطرت عليها خلال الاشتباكات الأخيرة التي اندلعت الأربعاء الماضي، وانتهت في وقت متأخر من يوم الجمعة.
واحتلت قوات “الأسايش” الكردية، خلال الاشتباكات، السجن المركزي (علايا)، والملعب ومنطقة الفرن والبريد وشارع الوحدة، وبالتالي تضييق الخناق على النظام، وحصاره داخل المربع الأمني، وقتل أكثر من 30 من عناصره، وأسر أكثر من مائة آخرين.

وقضى الاتفاق، أيضا، بعدم قطع رواتب الموظفين أو تهديدهم أو سوقهم إلى ما يسمى بفصائل الدفاع الذاتي من قبل النظام، إضافة إلى الإفراج عن الأكراد الموقوفين في القامشلي قبل العام 2011، وعدم اعتقال أي كردي بسبب التجنيد أو أي سبب آخر، وعدم اعتقال أي عربي أو مسيحي منضم للوحدات أو يعمل لدى الإدارة الذاتية، فضلا عن إطلاق سراح جميع المعتقلين والأسرى من الطرفين، حيث سلّمت قوات النظام، بدورها، لوائح بالمفقودين لديها، للنظر فيها لدى القوات الكردية، إضافة إلى تعويض الأضرار وعوائل القتلى المدنيين نتيجة قصف النظام لأحياء المدنية.
كما تضمّن الاتفاق نصوصا غير واضحة، لكنها تصب باتجاه تقليص وجود النظام في المنطقة، مثل عدم تدخل النظام في شؤون الشعب والمجتمع، وإعادة النظر في تشكيلة كتائب “الدفاع الوطني” تمهيداً لحلها، أي الحد من وجود النظام العسكري في المدينة، تحضيرا، ربما، للانسحاب الكلي من أكبر معاقله في شمال شرق البلاد، ورفع حالة الطوارئ عن المدينة، وعودة الحياة إلى طبيعتها.
ويواصل الجانبان عقد المزيد من الاجتماعات لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، ولأجل تحويل اتفاق وقف إطلاق النار إلى اتفاق دائم، بحسب بيان لقوات “الأسايش” الكردية، ما يعني أن الأخيرة تعمل على تثبيت المكتسبات التي حققتها في المواجهات الأخيرة، والتي أسفرت، بحسب البيان، عن سقوط 17 قتيلاً مدنياً، وعشرة قتلى من عناصر القوات الكردية، و31 من عناصر مليشيا “الدفاع الوطني” التابعة للنظام.
وظلت حكومة النظام تحافظ على وجود إداري قوي في القامشلي، وما زالت تدفع رواتب الموظفين الحكوميين في المدينة التي تعد كبرى مدن محافظة الحسكة، في أقصى شمال شرق البلاد، بمحاذاة الحدود التركية والعراقية، وتسيطر على المطار، وجزء من وسط المدينة، بينما تسيطر القوات الكردية على معظم المدينة.

وقال الصحافي والناشط محمد مصطفى، لـ”العربي الجديد”، إن هذا الاتفاق يمنح حزب “الاتحاد الديمقراطي” مزيداً من الهيمنة في المنطقة، ويساعده على تثبيت ما يسمى بحكم “الإدارة الذاتية”، والذي بات يسعى لإقامة نظام اتحادي وفق المشاريع الأخيرة التي أعلن عنها الحزب.

وأكد مصطفى أن الحزب الديمقراطي الكردي، بقيادة صالح مسلم، كان يبحث عن فرصة لترك مسافة بينه وبين النظام، بهدف تأهيل نفسه لحضور مؤتمر جنيف، في ضوء الاتهامات المتكررة له من جانب المعارضة السورية وتركيا بأنه مجرد امتداد لقوات النظام، ولا يمكن أن يكون جزءا من المعارضة، مضيفا أنه المسؤول عن تشريد أكثر من نصف المواطنين الأكراد بسبب أساليبه القمعية تجاه السكان، والتي لا تختلف كثيرا عن أساليب النظام، إذ طالما عمل على الاستفراد بتمثيل الأكراد، مُقصيا أحزابا عريقة أكثر حضورا منه في الوسط الكردي، مثل المجلس الوطني الكردي، الذي انشغل بمشكلاته الداخلية.
أما الصحافي الكردي السوري رامان يوسف، فقد طرح مجموعة من التساؤلات حول الاتفاق بين “الحزب الديمقراطي” وقوات النظام، مثل: “أين السجناء الذين تم تحريرهم من سجن (علايا)؟ وأين الإدارة الذاتية الكردية طالما أن النظام ما زال يدفع الرواتب في المدينة حتى هذه اللحظة؟”.
وبشأن عدم إجبار الشباب على التجنيد من قبل النظام، تساءل رامان: “ما الفرق بين النظام والإدارة الذاتية في التجنيد إن كانت النتيجة هي إرغام الشباب بالقوة على العمل العسكري ودخول ميادين الموت دون أي قناعة؟”، ولاحظ أنه خلال فترة القتال لم يتم قطع التيار الكهربائي عن المطار والفروع الأمنية، علما أن مصدر التيار الكهربائي بيد الإدارة الذاتية، مستغربا: “لماذا لم يتم تحرير المطار وطرطب وهما موقعان عسكريان بامتياز، بدلا من الفرن، وهو منشأة غذائية، والسجن، وهو منشأة جنائية، وبذلك يتم حرمان النظام من الغطاء الجوي الذي يعطيه الأفضلية؟”.
وتقع القامشلي السورية في جهة الشمال الشرقي على الحدود مع تركيا، وعلى مقربة من سفح جبال طوروس، بمحاذاة مدينة نصيبين التركية، وتتبع إدارياً لمحافظة الحسكة، ويمر بالمدينة نهر الجقجق.
وبلغ عدد سكان المدينة، دون نواحيها، نحو مائة ألف نسمة، يقطنها الأكراد وخليط من السريان والعرب والأرمن.
وانسحبت قوات النظام السوري تدريجيا من المناطق ذات الغالبية الكردية، مع اتساع رقعة النزاع في سورية عام 2012، لكنها احتفظت بمقار حكومية وإدارية وبعض القوات، لا سيما في مدينتي الحسكة والقامشـلي. وخلال الاشتباكات الأخيرة، نزحت نحو 4 آلاف عائلة من مناطق الاشتباكات إلى أحياء خاضعة بشكل كامل لسيطرة قوات النظام.

 

 

المصدر: العربي الجديد

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.