اتفاقية استخراج النفط واحتمالات تشكيل فيدرالية في شمال شرق سوريا

هل توقيع شركة Delta Crescent Energy LLCالأمريكية عقداً مع الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا لإعادة تشغيل مصافي النفط يرمي إلى منح شرعيّة للإدارة الذاتية قد تتطور مستقبلاً إلى فيدرالية؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

جاء توقيع شركة Delta Crescent Energy LLCالأمريكية عقداً مع الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا لإعادة تشغيل مصافي النفط مفاجئاً، في خطوة قوبلت بتنديد كبير من النظام السوري الذي اعتبر بأن ما قامت به الولايات المتحدة اعتداء سافر على السيادة السورية والقانون الدولي، وأثارت الخطوة حفيظة تركيا التي رأت أن ما تقوم به الولايات المتحدة هو شكل من أشكال منح الشرعية لحزب الاتحاد الديمقراطي PYDالذي ترى فيه أنقرة واجهة سياسية في سوريا لحزب العمال الكردستاني PKK الذي تخوض معه نزاعاً مسلحاً منذ عام 1984.

ورغم أنه لا يمكن لنا أن ننزع تماماً عن الخطوة دورها السياسي في منح شرعيّة للإدارة الذاتية، لكن لم تخفي معظم التصريحات الصادرة عن الخارجية الأمريكية والبنتاغون الهدف من الخطوة والمتمثل في التحكم باستخراج النفط وتجارته ولم تمنحها بعداً أكبر، كما أن النفط هنا لا يشكل مورداً هاماً استراتيجياً للولايات المتحدة هاماً كما هو حال آبار النفط في الخليج، إنما ورقة سياسية تفاوضيّة، وورقة ضغط ضمن الحرب الأهليّة السورية، فبعد تمرير قانون قيصر الذي يمثل أقسى وأشمل عقوبات طُبِّقت على النظام السوري منذ بداية الحرب، ترغب الولايات المتحدة بحرمان النظام السوري من مورد هام لاقتصاده المتداعي وهو النفط.

بدأ التحضير في الإعلام الأمريكي للخطوة من خلال الحديث عن اضطرار الإدارة الذاتية لبيع النفط عبر وسطاء ومهربين إلى النظام، وعن أن إعادة تشغيل الحقول النفطية سيساعد الإدارة الذاتية في بناء البنية التحتية وتوفير احتياجات المواطنين الأساسية، وصرّح ترامب الرئيس المشهور بخروجه على المتعارف عليه في الخطاب الدبلوماسي أثناء لقائه في آب (أغسطس) المنصرم مع رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي: “كما تعلمون خفضنا قواتنا في سوريا إلى الصفر تقريباً، ولكننا احتفظنا بالنفط، وسنتوصل إلى اتفاق ما مع الكرد حول هذا الموضوع، غادرنا واحتفظنا بالنفط”.

لم تخفِ معظم التصريحات الصادرة عن الخارجية الأمريكية والبنتاغون الهدف من الخطوة والمتمثل في التحكم باستخراج النفط وتجارته ولم تمنحها بعداً أكبر، كما أن النفط هنا لا يشكل مورداً هاماً استراتيجياً للولايات المتحدة هاماً كما هو حال آبار النفط في الخليج.

تصريح ترامب يشير إلى أنه لا يوجد بعد سياسي يرمي إلى منح شرعيّة للإدارة الذاتية قد تتطور مستقبلاً إلى فيدرالية، ربما لو كان رئيس أمريكي آخر مكان ترامب لنقّح الخطاب، وذكر أننا متواجدون لحماية حلفاءٍ لنا يتوافقون مع قيمنا الأمريكية ومستقبل الديمقراطية في سوريا، لكن ترامب حصر بفظاظة الموضوع في النفط مغلقاً باب التكهّنات.

من الصعب تصوّر سيناريو مستقبلي تعترف به الإدارة الأمريكية بفيدرالية يقودها حزب الاتحاد الديمقراطي، فمنذ بداية الحرب السورية لم تظهر تركيا (حليفة الولايات المتحدة) أي تهاون في هذه المسألة، بل إن تركيا غيّرت مقاربتها للحرب الأهلية في سوريا بشكل رئيسي من منطلق الأمن القومي الذي يعني بالنسبة لها القضاء على أي كيان أو إدارة يقوده حزب الاتحاد الديمقراطي، كما أن هذه المقاربة تأثرت جزئياً بوقوف حزب الشعوب الديمقراطي HDP في تركيا ضد أردوغان في انتخابات عام 2015 ورفضه الدخول في حكومة معه، مما أغضب أردوغان فسعى لقص أجنحة الحزب وإضعافه، وتحالف مع حزب الحركة القوميةMHP ، وحاول جذب أصوات الناخبين من خلال استثارة الشعور القومي عبر شنّ حرب بدأت بالاستيلاء على عفرين، ولم تظهر حينها الولايات المتحدة اعتراضاً يذكر، ولاحقاً بعد انسحاب القوات الأمريكية من الشمال الشرقي في تشرين الأول (أوكتوبر) الماضي بسطت تركيا مع حلفائها من الجيش الوطني سيطرتها على مدينة رأس العين، قبل أن تتدخل الإدارة الأمريكية لوقف تقدّم الأتراك وعقد صفقة معهم.

ويبدو سبب التدخل الأمريكي مفهوماً فالشمال الشرقي هو الورقة التي ستحتفظ بها الولايات المتحدة للتفاوض والضغط على الأطراف الأخرى في النزاع الدائر على سوريا، وعدا عن أهمية النفط، يشكل الشمال الشرقي محور نقلٍ تجاري هام يربط العراق وإيران سوريا وتركيا وأوربا لذا لم يبدِ الأمريكيون أي تهاون مع أي تقدم للنظام والروس في هذه المنطقة، ففي آخر مرة تقدم الروس من خلال مرتزقة عام 2018 أوقفتهم القوات الأمريكية بقصفٍ أوقع مئات القتلى.

ورغم أن العلاقات الأمريكية-التركية مرّت بتوترات عديدة في السنوات الخمس الأخيرة كان أبرزها أزمة القسّ الأمريكي الذي احتجزته السلطات التركية بتهمة الترويج لحزب العمال الكردستاني، لكنها لم تخرج عن إطار الرغبة الأمريكية في لجم عنان حليفها، ورغبة أردوغان في تحصيل مكاسب سلطويّة وتلبية متطلبات الأمن القومي التركي، فالتحالف الأمريكي-التركي هو تحالف استراتيجي، يمثل جزءً من ثوابت الجمهورية التركية، بدأ منذ أيام أتاتورك الذي كان يبحث عن حلفاء داعمين له خارج إطار القوى الاستعمارية التقليدية (فرنسا – بريطانية) التي تقاسمت أراضي السلطنة العثمانية، وخاض أتاتورك حرباً شعواء معها كي يتمكن من الاحتفاظ بالأراضي التي شكلت الجمهورية التركية لاحقاً، وترسّخ الحلف الأمريكي-التركي أيام عدنان مندريس أول رئيس وزراء تركي من حزب إسلامي محافظ، فرغم اختلافه في رؤيته للمجتمع التركي عن التوجه الأتاتوركي العلماني عمّق منديرس التحالف مع الولايات المتحدة بانضمامه إلى حلف الناتو، وإرسال قوات تركية إلى كوريا، ولم يخرج حزب العدالة والتنمية أيضاً عن إطار هذا التحالف، ولكنه حاول المناورة وتغيير شيء من قواعد اللعبة فقط.

صحيح أن الولايات المتحدة سبق أن دعمت تأسيس إقليم كردي في شمال العراق(كردستان العراق)، لكن الظروف كانت مختلفة حينها، إضافة إلى أن حساسيّة تركيا تجاه كيانٍ كردي في سوريا أعلى بكثير مما عليه في العراق، فالتداخل السكاني والثقافي الإثني والتاريخي بين كرد سوريا وكرد تركيا أعمق بكثير مما هو عليه بين كرد سوريا وكرد العراق، كما أنه من الصعوبة بمكان أن تقبل تركيا بشكل فيدرالي يكون حزب الاتحاد الديمقراطي الذي ترى فيه امتدادً لحزب العمال دور قيادي فيه، ومن المستبعد أن تقتنع تركيا بأنه يمكن سَوْرَنة الحزب، ولو أنّ هناك بعض القوى السياسية السورية التي تأمل في أن تؤدي الخلافات التي تفجرت مؤخراً بين مظلوم عبدي وجميل بايق إلى تغيير في بنية الحزب.

من المستبعد أن تقتنع تركيا بأنه يمكن سَوْرَنة الحزب، ولو أنّ هناك بعض القوى السياسية السورية التي تأمل في أن تؤدي الخلافات التي تفجرت مؤخراً بين مظلوم عبدي وجميل بايق إلى تغيير في بنية الحزب.

ولا يبدو أن هذه المقاربة التركية ستتغير في حال قدوم حزب الشعب الجمهوري CHP إلى السلطة وهو الحزب الأكثر شعبيّة في المعارضة، ذلك أنّ مجمل التركيبة السياسية الداخلية التركية، وبنية الدولة التركية، وثوابت سياستها الخارجية منذ تأسيس الجمهورية لا تسمح بتصور سيناريو تتساهل معه تركيا في تشكيل كيان كردي في سوريا، حتى لو صدقت الشائعات التي تتحدث عن نية الولايات المتحدة الاعتراف بإقليم فدرالي تحت اسم إقليم الجزيرة يضم جميع مكوّنات الشمال الشرقي، فالأمر لا يتطلب مجرد قرار من ترامب أو وصول رئيس أمريكي جديد إلى السلطة، بل يتطلب تغييراً استراتيجياً هاماً في مقاربة الولايات المتحدة لحلف الناتو والشرق الأوسط، وتغييراً عميقاً في القوى السياسية التركية ورؤيتها لثوابت الأمن القومي.


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الجنسانية والثقافية

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.