إبني عايش ما…مات

يوميات لاجئة

“نظفت البيت ورتبته وتركت له رسالة فيها رقم الموبايل وعنواننا في عمان، حضرت مونه وكل احتياجات البيت، ربما يأتي وديع، يجب أن يجد كل ما يحب.”

الأيام السورية؛ نهى شعبان

أم وديع، سيدة سورية من دمشق في العقد الرابع، أم لبنت وشاب، تقيم حالياً في عمان. التقيتها أثناء زيارتي إحدى صديقاتي. كانت تبدو امرأة ستينية، رسم الحزن خطوطاً عميقة على وجهها،  قليلة الكلام، ابتسامتها لطيفة، لم تستطع أن تخفي المرار الذي يعتصر قلبها.

لم أكن أعرفها سابقاً، وكعادة أولاد البلد، نتعرف على أحوال بعضنا. سألتها بعفوية “إن شاء الله مقيمة بعمان مع زوجك وأولادك” ؟رمقتني صديقتي بنظرة عتب لم أفهمها! أجابت أم وديع “الحمد لله معي زوجي وبنتي” تابعت بصوت متهدج “ابني بقي في الشام”. صوتها الممزوج بالغصة والألم منعني من التعليق بداية، استشعرت أذىً كبير لحق بهذه العائلة.

بعد فترة صمت سألتها عن ابنها، أخرجت صورة وديع، شاب وسيم مفعم بالحياة عمره تسعة عشر عاماً. قالت: “لم أره منذ ثماني سنين ولا أعرف عنه شيئاً، أنتظره، يقيني أنه حي. قبل ثماني سنين خرج في مظاهرة حي الميدان بعد أن قبّل يديّ كعادته وطلب رضاي، ووعدني ألا يتأخر، كان معه علبة كولا وبعض الزهور، ودعته مع دعائي الله يحميه ويحمي كل الشباب ويردن سالمين. يومها تأخر عن المعتاد، سمعت أن قوات الأمن أطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين. سألت أصدقائه عنه، سألنا في المستشفيات، لدى الأمن، على الحواجز، لم نحصل على جواب. أحدهم قال بأنه اعتقل أثر إصابته برصاصة، وآخر قال بأنه استشهد بعد إصابته في رأسه. تضيف كيف مات ولا يوجد جثة،؟ لا يمكنني تصديق ذلك، لعله معتقل وسيعود يوماً؛ كثيرون عادوا بعد سنين طويلة، ابني أيضاً سيعود”.

تتابع “عدت إلى دمشق وسألت عنه، طلب أحدهم مبلغاً كبيراً مقابل أن يقدم لي معلومات مؤكدة عنه، تصرفت، لكن دون جدوى”، تستطرد “نظفت البيت ورتبته وتركت له رسالة فيها رقم الموبايل وعنواننا في عمان، حضرت مونه وكل احتياجات البيت، ربما يأتي وديع، يجب أن يجد كل ما يحب”.

كان الموقف قاسيا!، لم أجد ما أقوله، حينها دخلت صديقتي مع صينية القهوة، استطعت لملمة دموعي، وسألتها وكأني وجدت حلاً سحرياً، لماذا لا تحاولوا السفر إلى أوربا مثلاً، لعل تغيير نمط الحياة والمكان يحدث أثراً إيجابياً على صحتك وحياتكم بشكل عام؟

جاوبتني “النار اللي بقلبي ما في شي بيطفيها، إلى أن أعرف مصير ابني، لو استشهد، يسلموني جثته هاد أمر الله، لكن يضل مفقود وما حدا بقول وينه ولا شو مصيره، هاد شي فوق طاقتي. بقولوا عني جنيت لأني لا أزال أنتظره، سوف أنتظره إلى أن يعود سالم إن شاء الله. الحمد لله عايشة على التوكل، صابرة، كل يوم بمر عليّ أصعب من اللي قبله، كل يوم بالنسبة لي كأنه عذاب جهنم”.

أخبرتني صديقتي فيما بعد أن عائلة أم وديع كانت قد حصلت على حق التوطين في بلد أوروبي عن طريق مفوضية اللاجئين، ورغم محاولات زوجها وأهلها إقناعها بالهجرة وأنها فرصة لن تتكرر، وأن عليها التسليم بقضاء الله، لو أن الشاب معتقل، الأرجح استشهد تحت التعذيب. رفضت وأصرت على البقاء قرب سوريا حتى تستطيع العودة إلى دمشق فور وصول أي خبر عن ابنها.

 

 

 

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.