ابني …أنا في انتظارك ..ولدي – ميس كريدي

أبو عون ذلك الشاب الحمصي وامتياز الصدق في عينيه، إصرار حب فطري للوطن،
رغبة في استحقاق الحق كما ترى قريحته الوردية بعمره الوردي، تسعة عشر عاماً، مساحة واسعة للحلم، ضيقة للموت… غلبنا الموت يا ولدي، فيا ليتك تكون حياً تحت غيمة تمطر الحب يوماً في بلد التوحش. يا الله أمطرنا بقليل من عطف لأجل عيون سوريا، فلا حياة لوطن رقيته الحقد.. وتعويذة الشيطان
تنحر أطفالي.

إلتقيته في القاهرة، ثوري تائه يستجدي الوطن، قال لي: “سأعود حتى لا
أتقيأ فساداً من كل ما حولي” واشتكى من معارضة لا تسمن من جوع، ولا تنتج
ما يقنع شباباً استحقوا الحياة يوم كسروا حاجز الخوف، ولا موت يقلقهم
..لا موت يفزعهم.

سألته من أنت؟

أنا سوري وحمصي من ذلك التراب المقدس، وتلك الأرض التي انهمرت أبنيتها
على رؤوس أهلها جحيماً على جحيم.

أين أهلك؟

أمي توفيت من زمن وكذلك أبي، أخوتي ككل من حولهم يجترعون القتل ثم القتل
ويناضلون لنبقى وتبقى الحبيبة سورية.

وأنت؟

أنا كنت معهم أضحي بما أملك وليس عندي غير روحي فدا بلدي.. ولذلك سأعود.

أي بني! هل أملك أن أكون دثاراً لبرد يقينك، هناك صدق كثير، لكن الزيف طوق عفن تتبخر رائحته لتغمر الأمكنة، لكننا هنا معا سنكون.

زار أبو عون الحمصي مكتباً من مكاتب المعارضة، وعلى استحياء، مد أحد موظفي المعارضة الجدد يداً راجفة ليمنحه قروشا أو جنيهات أو معونة صغيرة
لا دلالة لها سوى إننا لا نفهم من هو الإنسان وكيف يكون حراً وحراً، ذاك الموظف لا يميز العلياء عندما تكون بعيدة جداً عن عينيه المعتادتين على سقف أنفه.

رفض العزيز بعزته، بلهفة الحب والعشق قال له: “امنحني ما يعيدني لجناحين من ذهب يتوهجان في سماء حمص شمساً”.

يوم ويومان.. وفي القاهرة يصبح الزمن مستنقعا عندما تغتال الثرثارات جموحك الثوري، خابرني احدهم ليقول لي: “هذا الحمصي الذي جعلته طفلاً أخاً
لأطفالك، جاءه دعم من معارض ليعود للقتال”.

بكل جنون الغضب من مسخنا على يد الجميع ،وقفت كالريح تقتلعه وصرخت به:
“مالك ومال ابني، ما شأنك بدرر بلاد لا تعرف كيف تحبها؟”

أين ابنك يا عاشق الأرض؟ في أي صقع أخفيته لتلقي بأبنائي، ترسل أولادي وتخفي ابنك عن عيون الخوف . أجعل الوطن عقيدتك وكن أنت مثلاً ولا تدعي تضحية لست بقادر عليها.

رحل أبو عون، جاءني صوته مرتين أو ثلاث على هاتف نقال. ترى هل مازالت عيناك تثقبان الأفق حباً للوطن الذي تعرفه؛ وطن بلا كذب ، وطن يحن على أبنائه ويئن من أجلهم… أم رويت بدمك بقعة من جسد الحبيبة وارتشفته مع صباح.. من كثرة الموت ما عاد يذكرنا!

أنا بانتظارك يا ولدي، ليت أمومتي تتسع لكل أطفال وطني، وطفليّ الصغيران
ينتظران في زاوية أماً تموت كل يوما حبا بهما وبسورية..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.