إيمان محمد في رواية العديّة.. تعيد إحياء ما عاشه أهل حمص وثوارها وتكتب شهادة للتاريخ

العديّة؛ رواية ترمز إلى مدينة حمص السورية الملقبة بالعديّة، والرواية تتناول واقع الثورة السورية في حمص بدءً من انطلاق الثورة أوائل عام ٢٠١١م وتنتهي أحداث الرواية في أواخر عام ٢٠١٣م.
تعتمد الرواية أسلوب السرد بصيغة المتكلم رصداً لما تعيشه شخصياتها.

296

الكاتبة: إيمان محمد.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: مركز التفكير الحر/ نسخة ب د ف. ٢٠١٥م

العديّة؛ رواية ترمز إلى مدينة حمص السورية الملقبة بالعديّة، والرواية تتناول واقع الثورة السورية في حمص بدءً من انطلاق الثورة أوائل عام ٢٠١١م وتنتهي أحداث الرواية في أواخر عام ٢٠١٣م.

تعتمد الرواية أسلوب السرد بصيغة المتكلم رصداً لما تعيشه شخصياتها وما يحيط بهم عبر التسلسل الزمني المتتابع.

كما تعتمد أسلوب الأصوات المتحدثة المتعددة، حيث يتناوب على التحدث ثلاث شخصيات أساسية هم: رامي وغياث ومؤمنة. ثلاثتهم أبناء حمص، رامي مستقر في حمص، أحد الناشطين الذين اندفعوا مع غيرهم من الشباب السوري في التظاهر لإسقاط النظام وتعبيرا عن مطالبهم بالحرية والكرامة والعدالة والحياة الأفضل، كان واحدا من الناشطين الميدانيين الذين يقودون التظاهر.
أما غياث فهو شاب حمصي مغترب في أمريكا منذ سنوات بعيدة، عاد عند بدء الثورة السورية ليشارك فيها، زاهدا في كل شيء.

أما مؤمنة فهي أيضا إحدى الناشطات في الثورة السورية في حمص، تعمل بالتعاون مع الثوار ومع ناشطات أخريات في جميع مناشط الثورة.

تضعنا الرواية على لسان أبطالها مباشرة مع مواجهات الثوار الناشطين مع قوى أمن وجيش النظام، الذين قرروا أن ينهوا الحراك الثوري بأي ثمن، حيث بدأت دوريات الأمن تداهم مناطق الحراك، تعتقل الشباب الناشطين، تنتهك البيوت، تفرّق المتظاهرين بالعنف وإطلاق الرصاص، تقتل البعض وتجرح البعض وتعتقل البعض.

كان قرار النظام أن ينهي الثورة بأي ثمن، وقرار الثوار الاستمرار بالثورة حتى النصر أو الشهادة، كل القمع والبطش والعنف من النظام المتوحش لم يزدهم إلا إصرارا على الاستمرار بالثورة.

أحياء حمص كلها ثائرة، كانت ردة فعل الثوار على عنف النظام، البدء بتشكيل مجموعات صغيرة من الخلايا الثورية المسلحة، لحماية المتظاهرين والأحياء ، والتي عرفت فيما بعد باسم الجيش الحر. لم يكن الشباب على دراية بالعمل المسلح بداية، حاجتهم للدفاع عن أنفسهم وأحيائهم وأهلهم، جعلتهم يتدبروا أثمان أسلحة فردية وتدربوا عليها. منهم من باع سيارته أو مصاغ زوجته أو المهر الذي كان يعده لزواجه.

الشباب ربطوا مصيرهم بالثورة، وبدؤوا في مواجهة النظام، ووصلوا إلى مرحلة تحرير أحيائهم من النظام وقواته الأمنية وجيشه. كان ذلك ايذانا في بدء حملة عسكرية واسعة تواجه أحياء حمص متتابعة، بدءً من حي بابا عمرو إلى القرابيص إلى الخالدية والوعر والغوطة.. الخ ، حمص وأحيائها التي تعد بالعشرات، أصبحت مركزا لحرب غير متكافئة بين قوات النظام المدججة بجميع أنواع الأسلحة ومضافا إليها قصف الطيران والصواريخ، وآخرها كانت البراميل المتفجرة التي لا ترحم صغيرا ولا كبيرا.

صمد الشباب الثوار، كانوا مؤمنين بشرعية مطالبهم، وأنهم مشاريع شهادة، وأنهم لن يتخاذلوا أو يتنازلوا. كانت المواجهات تبدأ في حي وتدفع الشباب للمواجهة، كان أكثر ما يؤلم الثوار هو التدمير والقتل وأخيرا الحصار والتجويع الذي يصيب الأهالي والمدنيين، وكانوا يضطرون إلى فتح ممرات عبور من الأحياء المحاصرة والمعرضة للقصف والضرب، ليغادر أهلها بكثير من المخاطر التي قد تؤدي لاستشهاد البعض، ينتقلون من بيوتهم وأحيائهم إلى أحياء هادئة نسبيا.

تجرع الناس طعم النزوح واللجوء وتدمير البيوت، واستشهاد النساء والاطفال والشيوخ هذا غير الثوار أنفسهم الذين تجرعوا الإصابة والإعاقة والمرض وانعدام شروط الحياة الانسانية. كانت الأحياء المحاصرة تفتقد للمراكز الطبية النموذجية، هناك مراكز إسعافية ميدانية بسيطة وإمكاناتها متواضعة. هذا غير معاناة الذين غادروا بيوتهم واستقروا ضيوفا عند العائلات الحمصية في الأحياء الاخرى، أو في المدارس والحدائق العامة.

أصبح على الثوار الشباب مسؤولية تأمين الدعم الإغاثي والإنساني داخل مناطق الحصار أو في الأحياء التي آوت المهجرين. زادت المعاناة أكثر والمهمات كبرت وظهر عجز في الإمكانات وفي القدرات وأصبح الناس داخل مناطق الحصار في حالة إنسانية مزرية.

شاركت النساء والصبايا بالعمل الإغاثي والصحي والإعلامي بكثافة. كانت معاناة أهل الثوار موزعة بين مصير أبنائهم وواقع حال تشردهم، كذلك حال الزوجات الهاربات مع الأطفال والمنتظرات خبر سار عن الأزواج المستمرين بالثورة وتحت الحصار، أو الفتيات المخطوبات اللواتي تردْنّ الاطمئنان دوما عن أحبابهم.

أما الاسر التي رفضت أن تخرج من الأحياء المحاصرة، فقد كانت عبئا على الثوار وواقعهم يزداد صعوبة ومأساوية. لكن عدالة القضية جعلت الكل يصبر. تمر الأيام والشهور والسنوات، تزداد حمص حصارا، تسقط بعض الأحياء بعد أن يهجر أهلها ويدمر اغلبها، وينسحب ثوارها، تاركة ندبة في النفس وكثيرا كثيرا من الشهداء والمصابين والمعاقين.

وينتقل الثوار إلى أحياء أخرى ليقاتلوا النظام، إن عدم تكافؤ قوة النظام الطاغية مع تواضع قوة الثوار إضافة لشح الموارد مع الحصار القاسي ونتائجه الكارثية على الناس والثوار، جعلهم يخسرون الارض تحت أقدامهم أول بأول. وبدأت تدب بينهم الخلافات حول ما يجب فعله كمخارج مما هم فيه. البعض يفضل المفاوضة مع النظام والانسحاب إلى خارج حمص أو الشمال السوري المحرر، والبعض يصرّ على المواجهة والصمود حتى النصر أو الشهادة.

كانوا ضحية قلّة الإمكانيات، وعدم توحد الرؤية وضياع البوصلة، كل ذلك في الوقت الذي تُرك الثوار وأهلهم لمصيرهم من القتل والتجويع والحصار. لقد صمت العالم كله عن ما يحصل في حمص المحاصرة، وفي سورية كلها.

أخذ النظام مؤشرا دوليا أن يفعل ما يشاء لإجهاض الثورة، استعان بحزب الله اللبناني وإيران الذين شاركوا النظام في حربه ضد الشعب السوري، كانت لديهم مبررات طائفية مزيفة وكاذبة، بأنهم شيعة جاؤوا للدفاع عن المراقد المقدسة، السيدة زينب ورقية وغيرها.

كان الثوار داخل أحياء حمص المحاصرة يعانون من شح الإمكانات العسكرية واختلافاتهم حول الطريق الأفضل الواجب اتباعه، كانوا ضحية الحصار الذي جعلهم مع الوقت يفتقدون الغذاء والمأكل، صاروا يقتاتون على الأعشاب، فقدوا الكثير من أوزانهم، لكنهم استمروا على تمسكهم بشرعية ثورتهم، وأن الله معهم طالما هم على حق.

لكن امتداد الحصار ومزيد من الشهداء وقلة الإمكانيات، دفعت البعض لأن يتعب وييأس ويغادر ساحة الثورة، فقد صالح البعض منهم النظام وخرج من المواجهة، وعمل البعض على تأمين خروج الأهالي والمصابين والجرحى من مناطق الحصار.

لم يستسلم الثوار، حاولوا القيام بعمليات نوعية ضد النظام الذي يحاصرهم لعلهم ينهوا الحصار ويستعيدوا بعض الأحياء ويؤمنوا الغذاء والمؤن. نجحوا بالقليل من العمليات وفشلوا في البعض وكانت بعض العمليات ذات أثمان كبيرة من الشهداء.

حاولوا حل مشكلة الحصار عبر حفر الأنفاق، التي حلت الأمر جزئيا لكنها لم تستطع أن تمنع فاعلية الحصار والقصف والتدمير والقتل والتجويع عن جميع من بقي في أحياء حمص المحاصرة.

وبعد مضي ما يزيد عن سنتين من الحصار والمواجهة والصراع مع النظام. ومع انعدام اي منفذ لدعم من الثوار خارج حمص، أو دعم دولي، مع شح السلاح وانعدام المؤن والغذاء، والخلاف بين الثوار على المخرج مما هم فيه إلى درجة التخوين في بعض الاحيان. كان الحل أخيرا أن يفاوضوا النظام وكأنهم يتجرعون السم لكنهم مضطرون لذلك. حيث تم إخراج ما تبقى من الناس المحاصرين مع المصابين والجرحى وأخيرا المقاتلين الثوار بتعداد يصل ١٩٠٠ ثائر متجهين إلى الشمال السوري، لتبدأ مرحلة ثورية جديدة. ويعيد النظام السوري احتلال حمص التي غادرها أغلب أهلها وثوارها، وتدمر أغلب أحيائها.

تنتهي الرواية لحظة خروج الثوار والناس المحاصرين من حمص، حيث يتوجهون للشمال السوري، البعض يتعالج والبعض يكمل مسيرة الثورة. خرجوا تاركين وراءهم الكثير حوالي ١٧٠٠ من الشهداء من المدنيين والثوار، تركوا وراءهم روحهم في حمص مع وعد بالعودة فاتحين لها، وتحريرها من النظام المجرم وأعوانه.
هنا تنتهي الرواية:

في تحليل الرواية أقول:

٠ نحن أمام رواية أقرب إلى شهادة ميدانية لما حصل في حمص في سنتي الثورة الاولى. شهادة تطال الجانب المعلوماتي لتطور الأوضاع داخلها أول بأول من داخل الثوار وواقعهم اليومي. لم تكن الرواية سجلا معلوماتيا فقط، بل الأهم أنها كانت متابعة إنسانية لما عاشه الثوار والناشطون والناس، الشباب في مواقعهم ثوار وإغاثيين وصحفيين شباب وصبايا في زهرة شبابهم، يعيشون الثورة في وجدانهم الحي، منعكسة على حياتهم، متحولة في وقت قصير واستثنائي لتكون الثورة وشؤونها هي لب حياتهم وعملهم. منهم من استشهد ومنهم المصاب والمعاق، والثائر المتابع للثورة رغم التهجير والإخراج القسري. ما زالت الثورة مشروعة ومستمرة.

٠ لا تمر الرواية على الوجه الآخر للحدث السوري، لا تتحدث عن النظام الّا بنتائج عمله الميداني، قتله للمتظاهرين، دورياته الأمنية مداهمة البيوت، الاعتقالات، ومن ثم القصف والتدمير والحصار والبعد الطائفي واستدعاء القوى الطائفية من حزب الله وإيران.

النظام لا يبرز الّا بصفته العدو الذي يتصرف بأسوأ صورة. عدو لا يتورع عن فعل أي شيء ليفني الثوار وحاضنتهم الشعبية ومدنهم.

لم تتطرق الرواية للحديث عن النظام ومشروعيته وادعاءاته…الخ، إنه الآخر العدو الذي تتحدث أفعاله عن حقيقته ولا يحتاج بعد القتل والتدمير والحصار والتهجير أي شرح عنه أو تفسير. نظام وحشي استبدادي يستغل الشعب ويقتله.

أخيرا: الرواية ممتلئة بشحنة وجدانية عالية، مهمة في رواية تريد أن تعيد إحياء ما عاشه أهل حمص وثوارها شهادة للتاريخ. كنموذج عن الثورة والثوار في كل سورية. كي لا ننسى. وكي تستمر مشروعية الثورة وحتمية العمل لانتصارها. حتى تسقط النظام المستبد القاتل، وتحاسبه، وتبني الدولة الديمقراطية وتحقق أهداف الشعب وثواره بالحرية والكرامة والعدالة والحياة الأفضل.


إيمان محمد روائية سورية متميزة، تنتمي للثورة السورية، هذا أول عمل روائي أقرأه لها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.