إيران تتغلغل في النخاع الشوكي للمجتمع السوري

فضحت الثورة السورية، أيضاً، الطابع الطائفي لإيران وأذرعها، خاصة حزب الله الذي نجح لعقود في احتلال موقع متقدّم في قلوب وعقول معظم العرب، لتكشف أنه مجرد فصيل طائفي مأمور، حاقد وموظف لدى إيران وما يعرف ب”ولي الفقيه”.

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

قبل الثورة السورية كتبت عدة دراسات ومقالات عن المشروع الإيراني: القومي الراكب على الديني ـ المذهبي، وكيف أنه نجح، وإلى درجات كبيرة في اختراق عديد من المجتمعات العربية، وأنه مشروع إحلالي، احتوائي يتجاوز في خطورته الأنواع المألوفة للاحتلالات الخارجية كونه يركّز على الداخل ويقوم بعملية غسيل دماغ عبر ما يعرف بالتشيّع الذي يسهم في شرخ المجتمع، وتمهيد الأرض لأنواع متعددة الأشكال من الاستنزاف، والصراع، والحروب الأهلية، وأنه فوق ذلك مدجج بتشكيل مليشيات مسلحة تمثل أذرعته القوية، المنظّمة لتحقيق المشروع بالقوة، وأن ما كان يحكى عن ” الهلال الشيعي” بات حقيقة قائمة على الأرض، ويمتدّ طولاً وعرضاً في الأرض العربية من بغداد إلى لبنان والبحر الأبيض المتوسط وضمناَ سورية ” بيضة القبّان” والاستناد، وصولاً لليمن، وإلى تواجدات متنامية في عديد من بلدان الخليج والدول العربية.

ـ تحدثنا كثيراً عن الفراغ الذي تملؤه إيران عبر الركوب على الحامل القومي والديني للعرب عبر غياب أي مشروع عربي لا على المستوى الجمعي، ولا الأقطار (الكبيرة منها والصغيرة)، وتهاويها إزاء ما اعتبر لعقود قدس أقداس العرب: فلسطين.. كقضية مركزية لجميع العرب على اختلاف توزعهم وأنماط الحكم السائدة، بينما استطاعت إيران رفع رايات فلسطين والقدس وولوج مشاعر الجماهير العربية لسنوات طويلة، وأقامت، ودعمت قوى جهادية ومقاومة للوجود الإسرائيلي في وقت تفكك فيه أدنى مستوى للتضامن العربي، وغابت الجامعة العربية عن الوجود والتأثير، واهتمّ البعض بمنح الصراع مع إيران أولوية على الصراع مع الصهيونية وكيانها، وصولاً إلى تحالف عدد من الحكومات مع إسرائيل، والموافقة على “صفقة القرن” التي تهدف إلى تلاشي بقايا فلسطين، وإمكانية قيام دولة مستقلة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية.

الثورة السورية، ورغم فداحة الثمن، وضخامة التضحيات، وما لحق هذا البلد الريادي، الأساس من دمار منهّج، إلا أنها عرّت تماماّ زيف الشعارات الإيرانية عن الحرية والشعوب منذ البدء حين وقفت إيران بكل صلافة إلى جانب نظام مستبد، فاسد، أقلوي، مجرم ضد أغلبية الشعب السوري الذي انتفض سلمياً لأجل الحرية والكرامة والعدالة، وتفاخرت قيادات إيرانية متتالية بأنها هي من حمى ذلك النظام ومنعه من السقوط.

ـ فضحت الثورة السورية، أيضاً، الطابع الطائفي لإيران وأذرعها، خاصة حزب الله الذي نجح لعقود في احتلال موقع متقدّم في قلوب وعقول معظم العرب، لتكشف أنه مجرد فصيل طائفي مأمور، حاقد وموظف لدى إيران وما يعرف ب”ولي الفقيه”، إلى جانب أبناء عمومته من المليشيات الطائفية التي استقدمتها إيران للولوج في دماء السوريين ومنعهم من تحقيق طموحاته في بناء نظام ديمقراطي.

ـ إيران نجحت إلى حدود ما في وضع يدها على العراق عبر الاحتلال الأمريكي وتفتيت الدولة العراقية، و”حزب الله” ينتقل من شعارات مقاومة إسرائيل إلى مقاومة الشعب السوري واللبناني، ووضع اليد على لبنان وما يحمله ذلك من تفعيل للمذهبية، وتأزيم للوضع اللبناني الذي هو اليوم على شفير هاوية الانهيار التام، كما استطاعت احتواء حركة الحوثيين وتحويلهم من حالة مذهبية زيدية إلى أحد أذرعتها في منطقة الخليج العربي الحيوية.

ـ الصديق المهندس مطيع البطين ـ عضو مجلس أمناء المجلس الإسلامي السوري ـ أصدر كتاباً مطلع العام 2020 بعنوان ” الاحتلال الإيراني لسورية” يرصد فيه كمّاّ مهماً من الوثائق والمعلومات عن المشروع الإيراني في سورية وما قامت وتقوم به إيران لاختراق واحتواء المجتمع السوري ويتناول عدداً من الموضوعات المهمة عن ” الاحتلال الإحلالي” (الاستيطان)، وتغيير الهوية السورية، ونشر الطائفية والكراهية والعدوانية، ونشر التشيّع السياسي، ثم يتناول ما قامت به إيران من أعمال تستهدف عدداً من المدن السورية المهمة كمدينة دمشق وريفها، ومدينة حلب، ومدينة حمص وريفها، والمدن السورية الأخرى، وعرّج على الأساليب التي تتبعها إعلامياً وثقافياً وأساليب الإغراء بالمال والمساعدات، والأساليب الاقتصادية، والتستر بالشعارات، وفي مجالات التربية والتعليم، وأسلوب التغيير الديمغرافي، وفي المجال الاجتماعي، وكذلك في اختراق عدد من رموز السلطة وقياداتها ليكونوا أدوات في تنفيذ مشروعاتها وتمريرها.

ـ يتناول الكتاب إقامة “الحسينيات” في عموم سورية باعتبارها منطلقاً وقاعدة للتشيّع على طريقة عقيدة ولاية الفقيه، وسبيلاً للتواصل واللقاء بالمواطنين، وبثّ شعارات منظمة لكسب المؤيدين، وتوسيع تلك الحسينيات بشراء أراض كبيرة حولها وإقامة مدارس فيها، وبعضها كان حصناً لتشكيلات من “الحرس الثوري” الذي يعتمد على استغلال أوضاع السوريين الصعبة لتطوعهم فيه والقيام بمهام قذرة ضدّ الشعب السوري، وعملية شراء الأراضي والبيوت وتسهيل ذلك بإصدار النظام لقانون خطير حول ملكية الغائب، وفي ميادين الثقافة واللغة، وصولاً إلى الشركات الاقتصادية والاستثمارية المتغلغلة في الجسد السوري، وشراكة الكثير منها مع مسؤولين في السلطة، أو استخدام واجهات من أسماء سورية.

ـ أهم من ذلك كله أن مجموع فروع هذا المشروع الفارسي ـ المذهبي يتغلغل في المجتمع السوري حاملاً معه الانقسام والشرذمة، وتصعيد المذهبية التي تخلخل الوحدة الوطنية، والتعايش الذي امتازت به بلادنا على مرّ القرون.

ـ من جهة أخرى فإن الأصابع الإيرانية تحاول التغلغل والتلاعب بالجنوب السوري، خاصة في السويداء ودرعا لإقامة تشكيلات تابعة لها، بعضها أقرب للعصابات التي تتاجر بالسلاح والمخدرات، ويقوم عديدها بعمليات الخطف وتوتير الأجواء بين ” السهل والجبل”، وتغذية النزعات الطائفية، والتوترات الاجتماعية، ومحاولة توظيف ذلك ضمن شعارات مقاومة الوجود الإسرائيلي، ولا مانع من تحويل الساحة السورية واللبنانية لتكون ميداناً للصراع بين الإيرانيين والإسرائيليين.

ـ ولعل من الظواهر الملفتة لتغلغل النفوذ الإيراني، اختراق المؤسسة العسكرية للنظام والعمل على شراء الولاءات، وتدلّ الوقائع على وجود قيادات عسكرية بارزة، ومنهم ماهر الأسد، تنفّذ المخطط الإيراني، وتخوض صراعاً مع ضباط محسوبين على الروس، كجميل الحسن وغيره ضمن التنافس على المصالح وكسب مناطق للنفوذ، بينما يبدو رأس النظام قد انحاز كلية، أو بشكل رئيس لجهة الوجود الإيراني بما يقلق الاحتلال الروسي الذي عبّر ويعبّر عن ذلك بعديد الأشكال، ومنها الانتخابات الأخيرة لما يسمّى مجلس الشعب الذي برز فيها عدد كبير من المحسوبين على إيران، خلاف أولئك المقرّبين من روسيا .

ـ إن مواجهة الوجود الإيراني ستكون أكثر صعوبة من إخراج الاحتلال الروسي من بلادنا، والذي يبقى ـ الروسي ـ خارجياً، وذا تأثير ضعيف على بنية المجتمع السوري، خلاف النفوذ الإيراني الذي يحتاج إلى جهود كبيرة ومنظمة من الشعب السوري، والعمل على الاستفادة من محاولات التضييق على إيران وتحجيم دورها في بلادنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.