إيران بين خداع الديمقراطية والواقع الثيوقراطي

تستمر “طهران” بتمثيل أدوار متعددة على المسرح الداخلي والدولي في محاولة لإقناع “الجمهور” على شتى مشاربه بأنها “دولة عصرية متحضرة”، رغم كل ما يقال ويهمس في أروقة السياسة والإعلام عنها.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

“تخاريف” بهذا الوصف الذي قدمه الفنان الكبير “محمد صبحي” في مسرحيته التي عرضها عام 1989، والتي حملت هذا الاسم يمكن وصف المشهد “الإيراني”، وتحديداً لوحة “الديكتاتور”، التي لم تصف حالة الحاكم العربي فقط، بل يمكن أن تتماهى مع الوضع في “طهران”. ويمكن الحديث عما هو أبعد من ذلك، حيث يستأثر الكبير “محمد صبحي” بجميع الأدوار، فهو الغني والفقير، والديكتاتور والبطل، بمشهدٍ يذكر بالسياسة “الإيرانية” الخدّاعة.

حكومة “طهران” حاولت منذ قيام ما يسمى بـ”الثورة الإسلامية”، بالمزج في العبارة بين ما هو “ثوري”، و”إسلامي”، وقد أرسلت من يومها برسائل للعالم؛ توضح تبنيها “الإسلام” في حكمها الداخلي، مثيرةً عواطف الناس وحنين البعض لـ”دولة الخلافة الإسلامية”، كما تداعب اليوم “داعش” ذات العواطف، وإن كان الجمهور المستهدف في الحالة الأولى “الشيعة”، وفي الثانية “السُنة”. وبعيداً عن المقارنة تلك.

 يبدو أن “إيران” تحاول مجدداً الظهور باللباس “الديمقراطي”، لكن بإخراج مسرحي مبتذل.

الجميع اليوم يدرك التناقض بين الخطاب السياسي الداخلي والخارجي لـ”حكومة طهران”، التي تتبنى فعلياً موضوع دولة “ولاية الفقيه”، وهي بذلك مصنفة بأنها “جمهورية ثيوقراطية”، قائمة على هذا الأساس، بل إنه الدعامة الأساس لبقاء “الحكم” فيها، كما لا يوجد هناك اختلاف بين اثنين على طبيعة “النظام الديمقراطي المزيف” الذي تتظاهر به الدولة “الإيرانية”، التي يرعاها “المرشد الأعلى” أو ما يعرف بـ”الولي الفقيه”.

تثبت الوقائع أن “طهران” متناقضة تماماً مع حقيقة الفكر “الديمقراطي” وأهدافه التي من المفترض أنها جاءت لتحقيق غايات نبيلة تضمن سيادة الشعب، لكن مؤشرات عدة تتحدث بما لا يحتاج إلى شك، عن سيطرة “شريعة ولاية الفقيه”، التي فرضت قيوداً صارمة على “الحريات العامة”، ومارست شتى أنواع الأحكام التعسفية، كما وضعت العراقيل أمام سلطة الإعلام، وكذلك منظمات الشفافية وحقوق الإنسان العاملة هناك.

“نرجس محمدي” الصحفية والناشطة في المجال الإنساني، حكم عليها القضاء الإيراني بـ10 سنوات سجن في نهاية أيلول 2016، بعد مطالبتها بإلغاء “عقوبة الإعدام”، وهي واحدة من بين حوادث كثيرة مماثلة. وسبق لمنظمات مثل منظمة “مراسلون بلا حدود” و” منظمة العفو الدولية”، أن نددت بهذا الحكم، بحسب وكالة “فرنس برس” في حينها.

ما بين الصبغة الإسلامية التي تدعيها “حكومة طهران”، وبين حقيقة المشهد الداخلي الذي يعيد للأذهان تعامل السلطات في العام 2009 مع التظاهرات الشعبية، والتي عرفت باسم “الثورة الخضراء” بعدما اُتهمت الحكومة بتزوير نتائج الانتخابات الرئاسية الإيرانية التي جرت في يوم 12 يونيو 2009، والتي أدت إلى فوز “أحمدي نجاد“، يمكن أن يلمس المراقب حالة من الخداع الواضح والاستهزاء بالعقول من طرف هذه الحكومة.

مشهد انتخابات الرئاسة التي حصلت مؤخراً في “إيران”، تستدعي الكثير من التأمل، في واقعٍ “ديمقراطي مشوه”

شأنه شأن حكومات الدول العربية اليوم والأمس، وإن كان ثمة هدف من إجراء تلك الخطوات التمثيلية، فهي لن تخرج عن كونها رسالة للغرب أننا نسير على نهجكم الديمقراطي، والكلمة هنا يقودها “الشارع”، في كذبةٍ لم يعرف التاريخ أوقح منها.

عموماً يبدو أنّ مستقبل “ديقراطية طهران” المزيفة على المحك، وإن بدا للناظر حضور الدولة “الثيوقراطية” بقوة بفعل هيمنة “ولاية الفقيه” التي داعبت مشاعر الناس، لتمرير مشروع “فارسي” توسعي في المنطقة، تحت عباءة “طائفية” أشعلت نار الحرب، وأسالت الدماء بحجة المظلومية الكاذبة، التي مضى عليها 1400 سنة كافية لتزيل الخلاف بين المتخاصمين، إن وجد خصومة فعلاً.

وثمة ما يوحي بثورة ناعمة على سياسة “ولاية الفقيه” يقودها رجل الدين الشيعي العراقي “الصرخي الحسني” المعروف بمواقفه المناهضة للمشروع الطائفي الذي تدعمه حكومة “طهران”. والذي سبق أن وصف هذه الولاية بالقول: ((من الواضح أن التطبيق الخاطئ لها أدت إلى مجازر بشعة وطائفية، وقاتلة وبحار من الدماء؛ ومن هنا ندعو إلى حكم مدني عادل منصف لا يخالف الخط العام للدين والأخلاق)).

“إيران” تعيش ما بين خداع الديمقراطية والواقع الثيوقراطي المترهل؛ على اعتباره لا يقوم على مقومات منطقية بل يخالف الفطرة

إضافةً لمخالفته “مفاهيم الإسلام المتعلقة بقيام الدولة وحكمها”. تلك “طهران” التي اتجهت نحو “المشروع الفارسي” ومارست في “سورية” أبشع المجازر بحق من طالب بـ”الديمقراطية” التي تدعيها، خير شاهد على الانفصام أو “شيزوفرينيا الإيرانية”.

يبقى في الجعبة سؤال: هل تشهد “إيران” ثورة شعبية تصحح مسار الدولة الديمقراطي، وتبني علاقات طيبة مع شعوب المنطقة، أم أن الهيمنة العسكرية التي تقع تحت وصاية الولي الفقيه سوف تبقى الأقوى مثبتةً الحكومة ثيوقراطية؟!”.

إضافةً لذلك فقد أورد تقرير نشرته منظمة “مراسلون بلا حدود” أن “إيران” تحتل المرتبة 169 من أصل 180 بلداً في التصنيف العالمي لحرية الصحافة في 2016. وهذا مؤشر كافٍ لمعرفة حقيقة “ديمقراطية” هذه الدولة، وموقفها من ديمقراطيات البلاد التي تحاول السيطرة عليها كـ”سورية، البحرين، العراق، لبنان، اليمن”.

 

مصدر العربي الجديد نقلاً عن فرانس برس
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.