إنقاذ الربيع العربي أقل تكلفة بكثير من إجهاضه (2/2)

11
بقلم: برهان غليون

نتابع في الجزء الثاني من مقال الدكتور برهان غليون، مناقشته للمخاطر التي سيخلفها قمع السلطات للربيع العربي، وما سيولده إجهاض الثورة السياسية العربية الآن، مقارنة بإجهاضات سابقة في المنطقة.
نقرأ معًا...


(3)

لا أعرف إذا كان اغتيال وزير الحرب والمستعمرات الإيراني، قاسم سليماني، سوف يسعّر المواجهة الأميركية الإيرانية، ويطلق يد مليشيات الحرس الثوري في دورة جديدة من الإرهاب المحلي والإقليمي، أم سيقنع طهران بالتراجع عن مشاريعها.

ولو كنت أميل إلى الاعتقاد بأن نتائج العملية الأميركية، في الثالث من يناير/ كانون الثاني الجاري، ستكون أشبه بنتائج الحرب التي استدرج إليها حزب الله في جنوب لبنان، وانتهت بتحييد جبهة الجنوب اللبناني، ومعها حزب الله نفسه، إزاء إسرائيل حسب قرار مجلس الأمن رقم 1701 الذي اعتمد بالإجماع في 11 أغسطس/ آب 2006.

وفي هذه الحالة، يمكن أن تكون هذه العملية إيذانا بنهاية المشروع الذي أنشئ من أجله هذا الفصيل العسكري، أي أن تضع حدّا لكابوس النزعات الإمبراطورية والحروب التي لا غنى لها عنها، وتفتح طريق تكريس سيادة الدول وتوجيه شعوبها إلى تركيز جهودهم على بناء أوطانهم من الداخل، لتصبح مركزا لتنمية حياة اجتماعية إيجابية ومُرضية، وواحة للمدنية والأمن والحياة الكريمة.

ولكن مهما كان الحال، تبدو لي هذه السنة 2020 حاسمةً ومصيرية بالنسبة للمنطقة المشرقية برمتها، وهي سنةٌ حاسمةٌ، لأنه سيتقرّر خلالها ما إذا كانت الأمور ستستمر في التدهور وتفلت الكرة من أيدي الجميع، أم أن في وسعنا الرهان على الإرادة الطيبة والأمل بانبثاق وعي جديد، على مستوى المنطقة والعالم، يسعى إلى وضع حد لهدر الأرواح والموارد والزمن ووقف الانحدار نحو الجحيم، والإنصات لصوت العقل والضمير، في سبيل طي صفحة الحرب، وتدشين حقبةٍ جديدةٍ تعمل على طمأنة الشعوب، والتهدئة من روعها، وعلى دفعها نحو العمل الإيجابي والاستثمار في المستقبل، ما يساعد على نكء الجراح، وتجاوز المشاعر السلبية والمأساوية التي صبغت السنوات الماضية، فبلدانٌ كثيرة تكاد تصل إلى حالة الإفلاس، ويكاد الدمار والخراب يقضي على مستقبلها، وأخص بالذكر هنا بلدان الهلال الخصيب الذي تحوّل إلى ساحة حرب إقليمية ودولية، ولم يعد أحد يهتم بمصيره أو يسأل عن مستقبل شعوبه.

وقريب من ذلك ما يحصل في اليمن وفي ليبيا، وينشر اليأس من مستقبل المنطقة، ويدفع إلى تراجع الاستثمار والنشاط الاقتصادي فيها، حتى أصبح النمو سالبا في كثير منها. وفي أكثر من قُطرٍ، تتجاوز نسبة البطالة بين الشباب 50%، بينما بلغت نسبة السكان الذين يعيشون في حالة فقر أرقاما غير مسبوقة تجاوزت في بلدانٍ كثيرة 60%، ويشكّل اللاجئون العرب ما يقارب 50% من جميع اللاجئين في العالم، كما يعيش الملايين من النازحين والمشرّدين في خيام لا تتوفر فيها متطلبات الحياة الأساسية.

وفي سورية وحدها، تفيد المنظمات الدولية بأن عدد الذين يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية يتجاوز 18 مليون نسمة من أصل 24 مليونا عدد سكان البلاد. وفي العراق ولبنان لا يزال المحتجون يواجهون بالتجاهل الكامل من سلطاتٍ ترفض الاعتراف بإفلاسها، وتحلم بأن تستطيع بوسائل القمع والاغتيال والتحايل وتزوير الوقائع أن تستعيد المبادرة، وتقضي على أي أمل بالتغيير.

ولعل هذا الأفق المأساوي الذي تشير إليه الأرقام الاقتصادية والاجتماعية والتربوية هو الذي يشجع على التفاؤل بأن العام الحالي سوف يكون، لا محالة، عام التحولات الإيجابية، بمقدار ما ستدرك جميع الأطراف أن هامش مناورتها يضيق أكثر فأكثر، وأننا نسير بالتأكيد نحو كارثة إنسانية محققة، إن لم يطرأ تغير سريع وعميق على خياراتنا وسلوكنا الجماعي، الوطني والإقليمي.

لذلك، أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يواجهنا اليوم ليست هذه الأوضاع الكارثية نفسها، وإنما فقدان الأمل بإمكانية التغيير الإيجابي أو بالقدرة على السير إلى الأمام، ومن ثم إضاعة البوصلة والنكوص من جديد إلى الحلول المطروقة والخائبة، أو الركون إلى الاعتقاد بأن الحل يكمن في إدارة الظهر بشكل أكبر للعالم، بدل التجرّؤ على الانخراط فيه، وانتزاع الموقع الذي يليق بشعوب المنطقة وإرثها الثقافي والحضاري.

وبالمثل، أسوأ ما يمكن أن يخرج به المجتمع الدولي من استنتاجاتٍ في مواجهة كوارثنا هو العودة إلى الاعتقاد القديم الجديد في أن شعوبنا ليست مستعدّة للتقدّم، ولا تملك الأهلية لخوض معركة الحرية والكرامة والتنمية العلمية والتقنية والإنسانية، وأن العلاج الوحيد لاحتجاجات شبابها وتمرّداتهم هو الحصار والعزل، إن لم يكن العنف والردع والترويع. وفي هذه الحالة، لن يبقى بعد الاستبداد دواء أنجع إلا الإبادة الجماعية التي لم يتجرّأ عليها من قبل غير بشار الأسد، ومن ثم تبنّي أسلوبه في الحكم وتعميمه والمراهنة المتجدّدة على بقاء النظم الوحشية وتعزيز قدراتها.

ليس هناك حل فعلي يخفّف من الخسائر لدى الجميع، ويضمن استعادة المبادرة ودمج العوالم المهمّشة والمتمرّدة وكسب تعاونها سوى الاعتراف بخطأ السياسات الماضية التي تبنّتها نخب عديمة المسؤولية، ودعمتها حكوماتٌ عالميةٌ، أعمتها مصالحها القومية الآنية والأنانية معا، واستسملت لمخاوفها وأوهامها العنصرية أو شبه العنصرية، إلا العزم على الاستجابة لتطلعات الشعوب وكسب ثقتها وتهدئة مخاوفها وتحويل المنطقة إلى منطقة تفاهم وتعاون إقليمي ودولي، لمصلحة الجميع: روسيا والغرب والصين وكذلك شعوبها من العرب والإيرانيين والترك والكرد، ومن الأقليات والأكثريات، والمحافظين المتدينين والعلمانيين الحداثيين.

هذا هو الطريق الوحيد لتحويل المنطقة إلى منطقة تعايش وتعاون وتضامن يستفيد منه الجميع، ويساعد على تعزيز السلام والأمن العالميين. وغير ذلك يعني القبول بتحويل العالم العربي إلى ساحة حرب باردة جديدة، يدعم فيها كل محور نظمه المستبدّة، وتمتنع فيها وسائل التنمية والتقدم المادي والأخلاقي، ويحكم على الدولة والنظام المدني بالانهيار لصالح حكم العصابات والمليشيات والفصائل الخاصة.

هل هذا من باب التفاؤل المفرط الذي لا يأخذ بالاعتبار منطق العلاقات الاجتماعية والدولية، القائم على الصراع والتنافس والتدمير المتبادل إذا أمكن؟ ربما. لكن لا يخرج الوعي الجديد إلا من المعاناة الشديدة، ولم تظهر أوروبا الموحدة والديمقراطية إلا من فظائع الحربين العالميتين، الأولى والثانية، فصحوة الوعي والضمير هي الرد الوحيد على الكارثة المحقّقة، والسبيل الوحيد أيضا للتغلب على منطق الصراع العدمي على المصالح، وعلى تضارب الأهواء والمطامح. وإنقاذ الربيع العربي أقل تكلفةً بكثير من إجهاضه.


برهان غليون، أكاديمي سوري، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون في باريس.

مصدر المقال منشور في صحيفة العربي الجديد بتاريخ10 كانون الثاني/ يناير 2020.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.