إلى متى يا سوريا؟ قولي لنا هل ثمة مصير آخر؟

نبدأ صباحاتنا بانتعال أحذية التخوين لدعس كل من يخالفنا، لمجرد طرحه أي تساؤل يمس قدسية الشعارات التي يحملها أشباه الطغاة الذين يدعون أنهم في صفنا. فالاعتراض غير مسموح، ولا حتى التساؤل عن عبثية الرد الدموي.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

بات الوهنُ السوري كظلٍ يلازمنا في الداخل وفي الخارج. وهنٌ يطال من اختار البقاء تحت وطأة الاستبداد ولم يمت بعد، إلا أن ما تبقى من روحه يتداعى يومياً مع كل قذيفة، مع كل فاقة، مع كل صقيع فوق هذا الدمار العظيم.

الوهن.. علامة السوري المسجلة

لم يعتق أيضاً روح من لاذ بالفرار، يلتهمه حتى لو تمكن من أن يلج غمار البحار ونجح بالوصول إلى شواطئ الغربة، ستراه يقف على الضفة الأخرى بملامح موشومة بالوهن السوري.
ولم يستثن هذا الوهن من طوق سطوته قلوب من يقطنون بلداناً تقع على تخوم مدنهم السورية يستنزفون ما تبقى من أعمارهم ترقباً لأجل غير مسمى على أمل يوم العودة القريب. أما الذين يقبعون في المخيمات فلا شيء ينصف وصف أوضاعهم.

هذا ما نفعله اليوم بيأسنا

ذاك الإنهاك بكل صفاته وتجلياته يتضخم يوماً بعد يوم، يأسرنا في بوتقة صراعات نفسية تحاصرنا الذات بها، تحمل في طياتها الكثير من العتب واللوم والأسئلة العدمية. نهرب منها ونتغاضى عن ضجيجها الذي يتردد في أصداء أرواحنا عبر خلق ضجيج أعلى وأقسى.

لم يستثن هذا الوهن من طوق سطوته قلوب من يقطنون بلداناً تقع على تخوم مدنهم السورية يستنزفون ما تبقى من أعمارهم ترقباً لأجل غير مسمى على أمل يوم العودة القريب. أما الذين يقبعون في المخيمات فلا شيء ينصف وصف أوضاعهم.

فالإنسان بطبعه مجبول على القسوة لا الرحمة، وحين تقسو روحه عليه، يتجه بغضبه نحو العالم المحيط به. وهذا ما نفعله اليوم بيأسنا الأعظم أمام تكالب العالم على هذه البقعة المسماة “سوريا”.

بتنا عاجزين عن رد الطغيان، عن فهم مغزى المؤامرات الكونية ومن يديرها، عن التخفيف من شبق المصالح الدولية. ولكي لا نعترف بعجزنا هذا، تجدنا ننشغل عن ذلك برصد سلوكيات من يحيط بنا.

الاعتراض غير مسموح ولا حتى التساؤل

ننهش بغضبنا كل ما حولنا، نرمي على عاتق بعضنا البعض مسؤولية خساراتنا، نبدأ صباحاتنا بانتعال أحذية التخوين لدعس كل من يخالفنا، لمجرد طرحه أي تساؤل يمس قدسية الشعارات التي يحملها أشباه الطغاة الذين يدعون أنهم في صفنا. فالاعتراض غير مسموح، ولا حتى التساؤل عن عبثية الرد الدموي.

وإن فكر أحدنا بنطق مفردة “الحل السياسي” فسيكون خائناً لدماء الشهداء، وستنهال عليه سيوف الإنهاك، ذاك الذي ما استطعنا التغلب عليه فسلطناه على أعناقنا. لكن هذا لا يمنعنا أيضاً من أن نبدل مواقفنا ألف مرة ومرة. فاليوم هذا حليفنا نحييه ونجلُّ بطولاته، وفي الغد هذا عدونا ندين إجرامه.

تلاشي أخلاقيات الثورة

هذا يعني أننا نراقب اليوم بصمت عاجز تلاشي أخلاقيات الثورة أمام المآزق الأخلاقية التي آلت إليها حربنا السورية وحاصرتنا بأسئلتها. نستسلم لغريزة الدم ومقولات الثأر الأعمى العبثي، ونتناسى أن معنى وقوفنا ضد النظام يعني أن نقف مع العدالة والكرامة والحرية وحق الحياة لكل المدنيين أولاً وأخيراً، فمطلبنا الأزلي هو حق الحياة بحرية. هو حق حرمنا إياه النظام تحت مسمى محاربة الإرهاب.

معظم ردود أفعالنا اليوم هي نتاج الإنهاك الذي يكبلنا بالعجز، الضياع، الشوق، التوق إلى الخلاص. كلنا يحلم بالعودة إلى الوطن ومزاولة الحياة الحرة على هذه الأرض من جديد.

لكن أن نجد اليوم كثيرين ممن يقف ضد النظام، أصبحوا هم ذاتهم أيضاً يقفون ضد حق الشعب بالحياة تحت مسمى محاربة الطغيان، هو أمر ببساطة اغتال مفردة الثورة بكل ما فيها من مضامين لصالح الحرب وحسب.

المأزق الأخلاقي

قد لا نعترض أو لا نريد حتى التنديد بذلك، ببساطة لا نشتهي الاستسلام أمام هذا المأزق الأخلاقي الذي سيحيلنا على خيبات الواقع. لذا ننشغل بتصريحات تافهة لبعضنا، نحيك منها قضايا تقيد فكرنا وتكوّن محور أحاديثنا، نبتدع صفات هزلية لأعدائنا نحاربهم بها افتراضياً على الصفحات الزرقاء فلا نغدو أكثر من دون كيشوت شوهه العجز أمام الموت، فخلق من اللاشيء عدواً يحاربه، ليبرر عجزه أمام العدو الحقيقي. وبذلك نرضي ضميرنا الثوري، ونسكن أوجاع وهننا السوري.

إن معظم ردود أفعالنا اليوم هي نتاج الإنهاك الذي يكبلنا بالعجز، الضياع، الشوق، التوق إلى الخلاص. كلنا يحلم بالعودة إلى الوطن ومزاولة الحياة الحرة على هذه الأرض من جديد.

هل ثمة مصير آخر

كل هذا الشوق يتأكسد في قلوبنا فيتحول إلى حقد عنيف ينصب على من حولنا، فكيف لا ونحن نحيا في دائرة زمنية لا متناهية، تعيد ذاتها وتجتر أحداثها من أحداثها، لا شيء جديد حرب استنزافية على الأرض بين صدّ ورد وكرّ وفرّ، دول تتدخل لأجل مصالحها، وأخرى تنأى بنفسها عن حق الرد، ونقبع نحن السوريون داخلاً وخارجاً في هذه الحرب التي استحالت إلى ثقب أسود ابتلعنا على حين حلم بالحرية وما عدنا نجد طريقنا إلى الخلاص. ليبقى الوهن وحده رديف الموت في قلب السوري لا شيء آخر، لا حياة.. فإلى متى يا سوريا قولي لنا هل ثمة مصير آخر؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.