إلى سارة… مثل كل الأشياء الجميلة قصيرة العمر أنت

خير الكلام ما قل ودلّ، اعتذارٌ بسيط، ورحيل، ترى لو بقيتِ كم عاصمةً كانتْ تنتظرك؟ كم خيبةً كم هاجساً، كم وعداً؟ وكم حانثاً بوعدٍ؟ كم جسداً قربك؟ وكم جسداً في جسدكِ؟

الأيام السورية؛ عمار عكاش

1/

نعم سارة عالم قاسٍ هو مثل مرور القطار على يد إنسانٍ عُصِبتْ عيناه، ومُدَّت يده على السكّة، مرّ قطع يده ولَحمَ وهجُهُ جرحه، وتركه في ثوانٍ دون يدينِ، ودون دماءٍ تنعي جرحه، كيف سيلمس الحائط، ويقرأ الحجرْ، كيف سيمسك ورداً، كيف تخِز أصابعه إبرةٌ وهو يرتّق ثوبه، فلا يعرف إنسانٌ لذة الكشتبان على الأصابع إلا حين تخزه إبرةٌ، كيف سيلمس أولى تجاعيده ويشعر بقلق بشريٍّ من هرمٍ، كيف سيمسّ جسداً آخرَ، كيف سيستمني، كيف سيجرب وضع يديه في جيبه كي يمشي مختالاً مثل بطل في فلمٍ سينمائي. لكن القطار لا يعرف لا ركابه، ولا الصاعدين ولا الهابطين، ولا الملوّحين ولا المستقبلين ولا أيّ شيءٍ.

2/

خير الكلام ما قل ودلّ، اعتذارٌ بسيط، ورحيل، ترى لو بقيتِ كم عاصمةً كانتْ تنتظرك؟ كم خيبةً كم هاجساً، كم وعداً؟ وكم حانثاً بوعدٍ؟ كم جسداً قربك؟ وكم جسداً في جسدكِ؟
أعيش يا سارة في جسدي، أحبّ جسدي، أكره جسدي، لكن جسدي ليس هويّتي، ألبسونا أجسادنا هويةً. قرب الفجرِ من سهادٍ أشبهك ومن ميلانكوليا، لقد ابتلعتُ بشراً كثيرينَ وسكنوا دماغي مثل دودةٍ. منذ عامين يا سارة سخرتُ من فتاةٍ نحيلة تعزف الناي برداءة، قلت هي مثل القصب وتنفخ في قصبٍ، ولم أرَ جمال ضحكتها، ألبستُها جسدها هويّةً، لأنني أُلْبِسْتُ جسدي هويةً، لأنني ممتعضٌ من وجودي.

3/

قبل أكثر من عشرين عاماً يا سارة، كان كل شيء غريباً عني، ابتلعتُ كامل علبة المهدّئ (المُدجِّن)، لأنني أردت خدراً لذيذاً بطيئاً، ونوماً هادئاً، لا ضجيجَ، لا قطارَ يعبر، ولا زقزقة عصافير تخدعني بالرجوع، غفوْتُ وأنا أقول أنا راحلٌ، لم أفكّر كثيراً، الملحدون لا يصدقون أنّ خروج الروح صعبٌ، كنت أظنني سأنطفئ كجهازٍ معطّلٍ وأُرمى، نومٌ هادئ فقط يدلِّل العضلات، يمسح جبهة الطفلةِ وشعرها وعينيها ويغنّي لها: “نامي نامي يا زغيرة، نامي تا نغفى عالحصيرة” (١). ونِمْتُ يا سارة، لكنّ معدتي لم تنصع لرغبتي واستيقظتُ تقيّأتُ نومي الهادئ عدتُ إلى ظل شجرة الجوز أكسره وآكله وتصطبغ يداي بالسواد، وورثتُ ندبةً في المعدة تشاركني كحولي.

رسالة الاعتذار التي تركتها قبل الانتحار(فيسبوك)

4/

استسلمت لزقزقة العصافير، وآمنتُ أنّي أعلى شأناً مما أنا عليه، وأن أنيابي ستعضُّ العالم وتنهش رقبته وتبتلع الحياة، وانطلقتُ. عرف جسدي حباً، جنساً، غروراً، تواضعاً، لاكَ لساني كلماتٍ كثيرة، ساخراً لاذعاً كإبرة العقرب. وكنت كلما رأيتُ إنساناً وقلت لأصدقائي: “لم أشعر بالارتياح له”، يعود أصدقائي بعد حينٍ ويقولون لي كنت محقاً، ثم سمّوني: “السَكَانَر”، ربما من مسّهم الموت وأطلقهم، تستيقظ فيهم غرائز الحيوان الميتةِ فينا نحن أبناء الحضارة.

المهم يا سارة أنني منذ أن نجوْتُ صدفةً، أشعرُ بأنني أعيش حياةً إضافيّة، وكلما ضاقتْ بي، قلت لنفسي لا بأس إن رحلتُ فقد عِشتُ جمالياتٍ فائضة.

5/

ولم تطل يا سارة تجاربي مع المحلّلين، باكراً أدركتُ أن علم النفس روايةٌ تريد كتابة الحياةِ كما هي دون نواياً ذاتيّة، دون رؤى، كن عاقلاً حبّاباً انوَجِدْ في العالم كما هو فأنت مجرّد نملةٍ في هذا الكوكبِ المهول، اقبلْ نفسك نملةً وتعلم كيف تعيش، ولا تجرب أن تلدغ أحداً فلا تُدهَس، صبّ كل اهتمامك على جمع حبةِ قمحٍ وامشِ في طابور النملِ اليومي، كلانا يا سارة لا يريد تصديق الرواية.

6/

ورغم إلحادي الهادئِ، شكّكتني حلقة الانتحار وهي تطبق عليّ بوجود إرادةً ما ترسل رسالةً إليَّ، كنت عائداً من عملي الليليّ من الفندقِ منذ تسعة أعوام ونصف، واستيقظت على رسالةٍ نصية، تعلن رحيل قريبٍ عرفته كثيراً كثيراً، ورأيت قامته وهي تطول رويداً رويداً، ثم رحل إلى أرض الحرية إلى مونتريال، لم أعلم يوماً أي عالمٍ قاسٍ خبّأهُ في نفسهِ. هو لم يكتب رسالةً ولم يعتذر من أحدٍ، فليس كل المنتحرين بذات القدر من الهدوءِ واللباقة والحبِّ، ولا يعتذرون ويسامحون من يتركونهم في هذا المسرح القاسي.

بعد ستة أشهر رنَّ هاتفي، كانتْ أقرب صديقاتي قد علَّقتْ نفسها في سقف منزلها في دمشق، قال لي مُحدِّثي باكياً سَكِراً كريهاً كعادته: “لم تكن تحتاجنا جميعاً، كانت تحتاجك فقط.”. وجه جوليانا تجمّد وأنا أنظر من نافذة السرفيس كان وجهها غريباً، لماذا لم أنزل من السرفيس وأبقى يومينِ إضافيّين، فقد كنت عاطلاً عن العمل، لماذا لم أجرّب أن أعود بعد يومينِ؟ لماذا لم أجرّب أن أسألكِ جوليانا ماذا تريدين؟ لماذا لم أفهم أن وجهكِ يقول: “لا أستطيع التنفس”… وجهك تجمد وبقيت منه ملامحهُ الغريبة وابتعادي عنك، لم أدرك أنك تودّعينني بهدوءِ من اتخذ قراره، هل سامَحْتِني جوليانا مثلما سامَحَتْني سارة؟.

7/

طويلاً سارة، راودتني فكرة الغرقِ في الماء مثل ألفونسينا (2) حين مشتْ إلى البحر وتلاشتْ، مع فارقٍ بسيط أنني لم أُوهَب مثلها سحر كلماتٍ تقلب العالم، ولن يتذكرني كُثُرْ كي أجعل من انتحاري قصيدةً ختامية، هي أوهام رجلٍ غير مرئي منسيٍّ بملء إرادته، لكن مع ذلك كنت كلما مررت فوق جسرٍ من جسور اسطنبول أسمع صوت الماء، وأنظر إلى صفحة البحر وتتشوّشُ عيناي، وأشعر صوتَ الماء يدخل أذني ويشدني. نعم يا سارة إنها لعبة من يريد البقاء، فمن عقدوا العزم يرحلون دون ضجيجٍ، كنتِ أكثر مني أصالةً، ما زال جسدي الذي جعلوه هويّتي يريد مقاومة تشنّج العضلات، وآلام العينين والصدغين، ونخور الأسنان، مازال دماغي كلما تعبِ يريد تعذيب جسدي، ومازلتُ مع ذلك أناور للبقاء، ألستِ أكثرَ مني أصالة؟.

8/

ربما لو أنزع جوربيّ، وأستلقي في سريري ويخرج سبعة أقزامٍ ويدغدغون باطن قدميّ بقلنسواتهم، ثم أنام سأكون أجمل الموتى، كنتُ طفلاً يحب الغربان يا سارة، وكم كان الكبارُ ينظرون إليّ بارتعادٍ خفيٍّ كلما قلت لهم أحبّ الغراب، رهاب الاختلاف هو يا سارة، زارني الغراب في حلمي وسألته: “صديق طفولتي الجميل، لماذا لم تأخذني، صديقي ألا أكفيكَ، خذني معكَ ودعهمْ سالمينَ في ضجرهمْ، دعِ الخدرَ يرطّبُ عروقهمْ بأرقِ الذئاب، صديقي ألا أكفيكَ، خذني معكَ خذني ألا أكفيكَ؟”، يُرقِّص قدميْه من مجثمه.. ينعبُ ساخراً صادقاً: “أحتاجُ نقيضي ليُؤنِسَني، أما أنتَ فمرآتي“. يرمقني منْ مجثمه ويقول بصوت الجدّات الحكيمات: “موتٌ وموتٌ لا يلتقيانِ”.

9/

هذه المرّة سأجمع فتات ركبتيّ يا سارة يا صديقتي، وأمشي أو أحبو حتى أبلغ آخر الزقاقِ، وتنسلُّ عقربٌ وديعةٌ من صحراءِ طفولتي الصغيرة، تلدغني من قدمي الحافية، ويعمّ الخدرُ اللذيذ، هكذا تنام شهرزاد قبل الليلة الألف، هي لحظتان: رضيعٌ ضمّ يديه على الحلمة، يغرف حليب الحياةِ، محاربٌ تعِبٌ تُرضعه لدغة أفعى حليب الآخرة، أو مجرد شخصٍ قد قرر أنه اكتفى من جماليّاتِ ومتاعب الحياةِ مثلما فعلتِ يا سارة، مثل كل الأشياء الجميلة قصيرة العمر أنت، لم تمكثي طويلاً في هذا العالم، فمن يمكثون طويلاً في الحياة يموت جمالهم! .

سارة حجازي (النهار)

عمار عكاش: كاتب ومترجم سوري مهتم بالجنسانية والدراسات الثقافية.

مصدر (1)أغنية الفنانة أميمة الخليل: نامي نامي يا زغيرة. (2) ألفونسينا ستورني شاعرة وكاتبة مسرحية أرجنتينية، انتحرت بعد حياة حافلة بالصراعات الداخلية والتمرد، خرجت ألفونسينا من منزلها وانتحرت غرقًا في مار ديل بلاتا في الأرجنتين، بعد أن تركت قصيدة مكتوبة بلون أحمر على ورق أزرق تحت عنوان سأخلد للنوم الأبدي.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.