إلى السوريين في المهجر

أهلي وأحبائي، وقصيدتي التي تنزف دائماً، قد لا تلتقي العين بالعين، ها نحن في المصير الذي يمرح فيه القتلة، ويهاجر فيه القتلى، وصار الوطن جمرةً نقبض عليها بالقصيدة، ها هو الآن يهجر الجغرافيا إلى الأسطورة، ويعبر المجال إلى المجاز.
وأنتم تغادرون إلى الجهات الأربع، بحثاً عن ظلٍّ وماء، وليلٍ صالحٍ للنوم، وأنتم تذهبون في البدايات، إلى جهاتٍ صالحة لموتٍ آمن، وحياة رتيبة، وأنتم تهربون من الموت إلى الحياة، حيث لا قذائف ولا براميل ولا حواجز ترتاب في الهواء العابر، وأنتم تغادرون ذلك الفضاء الذي بعثرناه بكلّ ثقة، وتفتحون أبواب الوقت لكلّ الاحتمالات الوافدة.
أيها المهاجرون السوريون – السوريون سابقاً – الواقفون على بوابّة النجاة، تذكروا وأنتم في المنافي المتفرقة أن طريق حلب حمص، أقرب من طريق برلين ميونيخ، وأن صحن الحمّص في صباحات العُطَل، أشهى من الهمبرجر في المطاعم الغريبة، وباصات النقل العام في دمشق أحنّ من مترو الأنفاق في لندن.
أيها السوريون المهاجرون، وقد صرتم في ديارٍ غير الديار، بعد خمسٍ عجاف، عضّنا فيها ناب الدهر، ودقّت عظامنا السنون، فغيّبت المقابرُ من غيّبت، وشتّت المهاجر من شتّت، وقد أمسيتم في “أرض لا يبلَغُها إلاّ – الطائرات- العتاق النجيبات”، هناك حيث الفتى السوريّ “غريب الوجه واليد واللسان”. غداً، وبعد أن تهدأ العاصفة، ويولّي الشتاء، لا تنسوا أنّنا هنا في “بلاد العرب أوطاني” أسرجنا من أجلكم خيول البلاغة، وبذلنا الدموع والشموع.
وأنتم تتركون البلاد على دروب أوروبا، فتعطون البحر حقّه، والغابة حقّها، والمهرّب وبائع الأحلام وقطارات الأمل حقوقهم، وأنتم تتفقدون الصور في الجوازات، و”المرحبا” في اللغة، لا تنسوا أنّ “المكدوس” الذي أكلناه معاً يحتاج إلى زيت، وأن مواسم قطاف الزيتون اقتربت، لا تنسوا أنّ سبّورات المدارس المهدّمة تحتفظ بغبار الطباشير الأبيض، ظلّ هناك جوارَ خريطة ممحوّة كتبها الأولاد كثيراً بخطّ متعرج من فوق، لا تنسوا شاي الصباح، ومواسم اللوز والصبّار، وأفران الرابعة فجراً، وكاسيتات الأغاني الشعبية. هناك التي كانت “هنا”.. البلاد التي لم تعد بلاداً، ماكوندو الجديدة في ألفي يوم من العزلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.