إلى أين سيمضي بوتين في سورية؟

الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

بوتين الذي انغمس في الصراع في سوريا، أواخر شهر: أيلول/ سبتمبر 2015، عقب خطاب الرئيس الأسد، الذي ألمح فيه إلى أنه بات يفقد سيطرته على أجزاء واسعة من سوريا، وأنّه سيكون مضطرًا للانكفاء إلى سوريا المفيدة.

كان تدخله السافر تحت ذريعة مكافحة إرهاب داعش، وقد شكّل منعطفًا جديدًا في قلب الموازين الميدانية، إلى جانب تعزيز الوجود الروسي في الساحل السوري، ولمُدة غير محددة الأجل، بحسب الاتفاق الذي نشرته روسيا في: 14/ 1/ 2016.

لقد كان من ملامح سياسته في هذا التدخّل اتّباع سياسة الأرض المحروقة، وبمعنى أوضح نقل تجربة غروزني، وهي سياسة لا تنمّ عن بعد نظر، وتحمل في طياتها الكثير من المخاطر والمحاذير.

وذلك أنّ سياسة الإبادة المتوحشة، وإفناء الحرث والنسل، وتجريف المعالم الجغرافية، إذا ما اتبعت فإنّما تكون في الحروب الخارجية؛ لأنّ المتحاربين لا يعنيهم أمر العلاقات الاجتماعية، وإقامة جسور التواصل مستقبلًا.

أمّا أن تكون نهجًا ومسلكًا في النزاعات والخلافات الداخلية، بين مكونات الدولة نفسها، فهذا أمرٌ في غاية الخطورة؛ فمن غير المحتمل عقلًا وسياسة أن تلتقي الأطراف في الدولة على رأي واحد، أو سياسة واحدة، أو حاكم واحد، بعد أن وصل النزاع بينها إلى العبث في الجغرافية، فضلًا على المصالح الاستراتيجية، والمستقبل المشترك.

يرى علماء الاجتماع أنّ العبث في الجغرافية من أخطر ما يقوم به الإنسان، وهو يفوق العبث في التاريخ بأشواط كثيرة؛ وذلك أن الجغرافية عادة ما توصف بالثبات، في حين أنّ التاريخ رهنُ التغيّر والانقضاء.

وعليه؛ فإنّ المعمورة ذاخرة بالأوابد والشواخص حيثما اتجهنا، وإنّ الذاكرة البصرية للإنسان تحتفظ بمئات منها في كل ناحية، في حين أنّ الذاكرة الذهنية لا تحتفظ إلّا بالقليل من حوادث التاريخ.

وعليه فإنّ علماء السياسة والاجتماع يرون أنّ السلطان يرتكب خطأً جسيمًا حينما يقدم على سياسة التجريف الجغرافي، وإزالة ما بنته يدُ الإنسان من عرق جبينه، وقوت أهله وأولاده، وشقاء السنيين.

ويدللون على ذلك بأنّ الإرادة البشرية، قد أعادت إلى الحياة ثانية، ما أقدمت على تجريفه آلة الحرب الجهنمية، فور وضع اليد عن الزناد، وإعادة السيف إلى غمده.

ويذكر السوريون من فظائع فرنسا الشيء الكثير، ولاسيما أهل دمشق، الذين ذكر ما تعرضوا له عبد العزيز العظمة في مذكراته بشيء من التفصيل، من ذلك ما أقدم عليه المفوض السامي سراي الذي أمر بنصب مدافعه حول دمشق، وبدأ بقصف المدينة من قلعة المزة في عصر يوم الأحد: 18/ 1/ 1925، واستمر القصف حتى مساء الثلاثاء: 20 / 1.

وكان الخراب عامًا في دمشق، ولم توفر آلة الحرب الفرنسية من مدفعية وطائرات بشرًا ولا حجرًا ولا شجرًا، واشتعلت النيران بدمشق، حتى تحولت المدينة إلى “كومة حطب” كما وصفتها الفرنسية أليس بوللو: ” تظهر دمشق من قمم الجبال وكأنها كومة حطب مشتعلة، الخراب يعم كل أرجاء المدينة “.

لن تمحى الجغرافية في إدلب عن الوجود، وستبقى كغيرها من الشواهد على عظم الجريمة التي ترتكب بحقهم، وسيكون هناك وقفات طويلة في محاكم التاريخ، للوقوف على حقيقة ما جرى ويجري بحق السوريين.

لن تمحى الجغرافية في إدلب عن الوجود، وستبقى كغيرها من الشواهد على عظم الجريمة التي ترتكب بحقهم، وسيكون هناك وقفات طويلة في محاكم التاريخ، للوقوف على حقيقة ما جرى ويجري بحق السوريين.

لن تمحى الجغرافية في إدلب عن الوجود، وستبقى كغيرها من الشواهد على عظم الجريمة التي ترتكب بحقهم، وسيكون هناك وقفات طويلة في محاكم التاريخ، للوقوف على حقيقة ما جرى ويجري بحق السوريين.

فلقد دُمّرت قبة حمام الملكة لتشتعل النيران ولتمتد إلى البيوت والمتاجر المجاورة، وتلتهم فرن جبران وزقاق المبلط الواقع وراء سوق الحميدية ثم زقاق سيدي عامود وبعضاً من سوق مدحت باشا.

لقد كان حي سيدي عامود الذي أصبح أثرًا بعد عين، من أغنى وأرقى أحياء دمشق، يقطنه أعيان ورجالات دمشق وسوريا، وكان يقع في المنطقة الواقعة جانب سوق الحميدية من جهة الجنوب في دمشق، وسوق مدحت باشا من جهة الشمال، بين جادة الدرويشية غربًا وسوق الخياطين شرقًا، الذي ضمّ أجمل البيوت والقصور الدمشقية المبنية على الطراز العربي، والسلجوقي، والمملوكي، والعثماني، الذي تعرض للقصف الفرنسي فدُمّر بالكامل ولم يبق منه سوى البيمارستان النوري (بيمارستان نور الدين الشهيد) الذي يقع إلى الجنوب الغربي من الجامع الأموي.

ولم يكتفِ الفرنسيون بالقصف، بل إنهم أطلقوا جنودهم ومرتزقتهم للنهب والسلب، ولم يبق محل أو متجر أو بيت إلا سلبوا ما فيه، وبلغ عدد الضحايا والشهداء من المدنيين الذين قتلوا نتيجة هذا القصف فبحسب بعض التقارير الفرنسية، 1500 شخص، بينهم كثير من النساء والأطفال.

صحيح أنّ فرنسا لم تعترف حتى اليوم بمسؤوليتها عن تلك الجريمة، ولا غيرها من الجرائم التي ارتكبتها في سوريا، من خلال انتدابها الذي أقرّته عصبة الأمم بذريعة مساعدة السوريين على بناء بلدهم؛ لكن السوريين خلّدوا وحشية الفرنسيين وجريمتهم تلك حتى لا ينساها التاريخ، وأطلقوا اسم ” الحريقة ” على حي سيدي عامود الذي احترق بكامله.

وغير بعيدٍ عن ذلك ما يقوم به بوتين في سوريا، وتحديدًا في مناطق إدلب هذه الأيام، بذريعة التدخل بطلب من الحكومة السورية، لن يكون أقلّ حظًا من ذاكرة السوريين، ممّا أقامت به فرنسا من قبل، فلن تمحى الجغرافية في إدلب عن الوجود، وستبقى كغيرها من الشواهد على عظم الجريمة التي ترتكب بحقهم، وسيكون هناك وقفات طويلة في محاكم التاريخ، للوقوف على حقيقة ما جرى ويجري بحق السوريين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.