“إعلان موسكو” بموازين الخاسرين والرابحين: تكرار للتجربة القبرصية الفاشلة

من صحيفة العربي الجديد اخترنا لكم تقريراً من إعداد باسم دباغ يتحدث فيه عن إعلان موسكو وجاء في نص التقرير:
يجسد “إعلان موسكو” المؤلف من ثماني نقاط اتفق عليها وزراء خارجية ودفاع كل من روسيا وتركيا وإيران، يوم الثلاثاء، في العاصمة الروسية، كبديل عن مسارات جنيف وفيينا لحل الملف السوري، ترجمة سياسية لانتصار المحور الروسي الإيراني في مدينة حلب. وفي الوقت نفسه يتضمن نقاطاً يبدو أنها ستؤدي دوراً هاماً في المرحلة المقبلة من الحرب، إلا أنه يبقى مليئاً بالألغام التي قد تحول دون تنفيذه، وبالذات تلك المتعلقة بالخلافات التركية – الإيرانية حول مستقبل سورية، وسط محاولة روسيا للنأي بنفسها عن تلك الخلافات.

ومن أولى الملاحظات على النصّ المنشور في موسكو، أنه أعلن ما يشبه النعي الرسمي لأي وجود أوروبي أو أميركي أو أممي في ما يمكن وصفه بـ”خارطة الطريق” أو “المسار” الطويل للحل المزعوم، على الرغم من إبقاء الوزراء الستة الباب مفتوحاً، ربما من باب اللياقة الدبلوماسية، للجهود الأميركية والأممية على قاعدة ذكْر القرار الدولي رقم 2254 وما حققته جولات جنيف، وهو ما يدنو من الصفر من دون مبالغة. ولا يغيّر التهوين الأميركي الذي روج له المتحدث باسم وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، من شأن التهميش الكامل لواشنطن في اجتماع موسكو، في الأمر شيئاً، ذلك أن التهميش حصل بالفعل.
وصارت أميركا مجرد “طرف معني” تم إبلاغه بالقرارات، بحسب تعابير نائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف، بما أن “أميركا وشركاءها لا يملكون تأثيراً فعلياً على الوضع في سورية”، على ذمة وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو.

وفي قراءة للبنود الثمانية، يتبين وجود جملة من التقاطعات والاختلافات بين الأطراف الثلاثة الموقعة على “إعلان موسكو”. وما يعني موسكو في سورية هو تثبيت قواعدها العسكرية سواء الجوية في مطار حميميم في اللاذقية أو القاعدة البحرية في ميناء طرطوس، وكذلك الحفاظ على “علمانية” الدولة السورية، وإبعادها عن أي نفوذ غربي، الأمر الذي يبدو أن موسكو حصلت عليه بإنقاذ النظام السوري بعدما كان قد قارب على السقوط قبل تدخلها في 30 سبتمبر/ أيلول 2015. وحاولت خلال الاجتماع الثلاثي طرح نفسها كوسيط وراعي محادثات أكثر من كونها طرفاً بين الإيرانيين والأتراك، بينما تلعب موسكو على الخلافات التركية الأميركية الكبيرة بشأن تعامل واشنطن مع قوات الاتحاد الديمقراطي، الجناح السوري للعمال الكردستاني، العدو الأول لأنقرة، والذي مكنته سياسات واشنطن من توسيع نفوذه في سورية بما لم يكن يحلم به في أي وقت مضى.

وبالنسبة للسياسة الخارجية التركية، كان الإعلان بمثابة النقطة الأخيرة في إعادة التموضع الذي أجرته الإدارة التركية تجاه رؤيتها للحل في سورية، بعد يأسها من إمكانية التعاون مع الغرب لتحقيق مصالحها. وتمثلت عملية إعادة التموضع بالشعار الذي أعلنه رئيس الوزراء التركي الحالي، بن علي يلدريم، أثناء تسلمه منصبه: “زيادة عدد الأصدقاء وتقليل الأعداء”. وأتى هذا التحول بعدما تركت تركيا لوحدها فعلياً، إلى جانب قطر ثم السعودية، لناحية دعم الثورة والتمسك بإسقاط النظام السوري أو على الأقل من خلال عدم التجاوب مع مشاريع إقامة المنطقة الآمنة للسوريين ومشروع التدخل العسكري للتحالف الدولي ضد الإرهاب.

وتمحور “إعلان موسكو” حول محاربة الإرهاب. وتخلت أنقرة، وبشكل نهائي، عن هدفها بإسقاط النظام السوري، الذي تم الاعتراف به طرفاً أساسياً بشكل واضح. في المقابل، بقي مصطلح المعارضة السورية، كما في جميع القرارات الدولية، مصطلحاً مبهماً قابلاً ليتم التلاعب بمعناه.

فلم يتم تحديد الطرف أو الجهة الشرعية الممثلة لهذه المعارضة، سواء إن كانت الائتلاف الوطني لقوى المعارضة أو الهيئة العليا للتفاوض، أو الأطراف “المعارضة” التي ترعاها روسيا.

وفي ظل الانسحاب الأميركي من الملف السوري، وسط تركيز واشنطن على قتال تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) الذي تعتبره الخطر الوحيد على مصالحها، إضافة إلى جبهة “فتح الشام”، كرس الاجتماع اللاعبيين الرئيسيين في الأزمة السورية بثلاثة أطراف رئيسية، وهي كل من إيران وتركيا وروسيا. وقدمت هذه الدول نفسها كضامنة لأي اتفاق بين المعارضة والنظام، بما يشبه نظام الضامنين الثلاثة في الجزيرة القبرصية، الذي فشل على مدى أكثر من خمسين عاماً في جلب الاستقرار للجزيرة، وكل ما فعله هو تثبيت وقف إطلاق النار.

وعلى الرغم من أن الإعلان ترك الباب مفتوحاً أمام باقي الدول النافذة في سورية للانضمام إليه والمشاركة به، إلا أنه كرس، من ناحية أخرى، الغياب العربي بشكل نهائي عن المشهد.
وتم التعامل مع المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في جنوب سورية، على أنها تحصيل حاصل لأي اتفاق ثلاثي يوافق عليه الأميركيون، الذين يودون التخلص من أعباء الأزمة السورية بأسرع وقت ممكن. وفيما منح الإعلان شرعيةً إضافية لعمليات التغيير الديموغرافي والتهجير التي تشهدها سورية بين كل من مدينة حلب وبلدات الفوعة وكفريا والزبداني ومضايا، بدا أن تعريف المجموعات الإرهابية لم يتغير على الإطلاق.

وتم التأكيد مرة أخرى على أن أي وقف لإطلاق النار لن يشمل كلاً من “داعش” وجبهة “النصرة” (فتح الشام حالياً)، ما يتيح استمرار الحرب الروسية على السوريين في مناطق سيطرة المعارضة في كل مكان، بحجة وجود “الإرهاب” الذي تملك موسكو حق التعريف الحصري له ولعناصره.

وبدت أنقرة أيضاً عاجزة عن الحصول على أي اعتراف رسمي بشرعية أي من مجموعات المعارضة التي تقدم لها الدعم، عبر تحديد مصطلح المعارضة المعتدلة، سواء من موسكو أو من طهران. وتجلى هذا العجز في وقت حاول فيه وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو تلافي ذلك، خلال المؤتمر الصحافي المشترك، عبر الحديث عن ضرورة وقف دعم القوات الموالية لإيران الموجودة في سورية، وبالذات حزب الله اللبناني، بالقول: “اليوم تباحثنا في أمر وقف إطلاق النار، وعندما نقول ذلك نعني وقف إطلاق نار يشمل البلاد كلها، ولن يشمل كلاً من جبهة النصرة وداعش، ولكن هناك أيضاً حزب الله والمليشيات المرتبطة بالنظام، والتي يجب وقف الدعم عنها، بهذه الطريقة فقط يمكن تحقيق وقف إطلاق نار يعم البلاد”، وفق تعبير جاووش أوغلو.

وتغاضى “إعلان موسكو” أيضاً، كما وزير الخارجية التركي، عن أهم أولويات السياسة الخارجية التركية المتمثلة بمحاربة حزب العمال الكردستاني وجناحه السوري حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يتلقى دعماً كبيراً من الأميركيين. ولم يخض في تفاصيل ما يمكن اعتباره توافقاً ثلاثياً على استبعاد الاتحاد الديمقراطي من أي حل مستقبلي.

بعيداً عن كون هذا الإعلان يشكل استراحة بين معركتين، لا يبدو، حتى الآن، أن هناك أي إمكانية لتنفيذه والتوصل لوقف إطلاق نار شامل ونهائي، تمهيداً للذهاب إلى المفاوضات التي من المتوقع أن تجري في العاصمة الكازاخستانية، أستانة، والتي أكدت مصادر لـ”العربي الجديد”، من داخل الائتلاف السوري، أن سلطات كازاخستان لا تعلم أي شيء عنها ولا عن مواعيدها ولا تفاصيلها، ولا عن المشاركين فيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.