إضاءات لحل الأزمة في سوريا والمنطقة

خاص بالأيام | بقلم : فهد ابراهيم باشافهد باشا

 

تطورت الثورة السورية بإدارة أمريكية وتقاعس عالمي إلى حرب ضروس وفوضى اقليمية أسقطت اتفاقية سايكس بيكو وتحاول إعادة تقسيم المنطقة وفقاً لاستراتيجية جديدة تراعي مصالح القوتين العظمتين الجديدتين (أمريكا وروسيا) وبعض القوى الاقليمية الأخرى التي لم يعد من الممكن تجاهلها وأهمها اسرائيل وإيران وتركيا.

يتم ذلك، على حساب تراجع دور كل من فرنسا وبريطانيا والدول العربية وعلى رأسها السعودية ومصر التين اسُتجرتا لتكونا طرفاً في الصراع لا شريكاً اقليمياً في صنع القرار.
المشكلة أنّ أمريكا وروسيا لا يعرفان المنطقة جيداً، ولم يدرسا بدقة تاريخ شعوبها، وتركيبة كياناتها الطائفية والأثنية، كما لا يعترفا بأنه حان الوقت؛ لكي تقرر هذه الشعوب مصيرها وتتحرر من النظم التي حكمتها في القرن الماضي، فقد أصبح من حقوق الشعوب في الألفية الثالثة نيل حريتها وتأسيس يمقراطياتها الحديثة.

ترمي هذه القوى فرض التقسيم الجديد على المنطقة من خلال إزلال شعوبها وكسر إرادتهم واغتصاب أحلامهم. يريدون خلق بيئة خصبة لاستنزاف دول الشرق الأوسط اقتصادياً، وتركيعها سياسياً، وتوريط مكوناتها في حروب طائفية وأثنية؛ تغني كارتيلات السلاح، وترهن اقتصاديات دول المنطقة، وتورطها في حروب مدمرة ومكلفة مالياً وانسانياً ومجتمعياً.

المطلوب وفقاً لهذه الخطة حدوث هجرات سكانية وإزاحات مجتمعية على أسس عرقية ودينية لاعادة تشكيل ديموغاجية جديدة، وخلق كيانات منفصلة: كياناً كوردياً في سوريا والعراق، وآخر علوياً شيعياً يمتد من ايران عبر العراق لينتهي على المتوسط، وثالثاً متطرفا سنياً يكون معادياً ومهدداً للجميع؛ أولاً لأبنائه السنة ودولهم قبل غيرهم من الكيانات والمكونات.

فيما يلي وجهة نظري الشخصية التي تعكس رأي عدد كبير من السوريين الأحرار المؤمنين بضرورة بناء سوريا الموحدة، المحررة، سوريا التي يؤمن أبناؤها بأنّ التعايش بين جميع مكوناتها من طوائف وأقليات أثنية هو المرتكز الثقافي والتاريخي الذي أغنى حضارة المنطقة منذ 4000 سنة، وهو الأساس الوحيد لبناء نظام ديمقراطي برلماني دستوري غير رئاسي يكفل التعددية والمساواة والمشاركة للجميع، نظاماً تكون فيه الوطنية والكفاءة المعيارين الوحيدين في تبوؤ المراكز وتحمّل المسؤوليات.

يبدو أنّ نهج إدارة الأزمة في الشرق الأوسط يقوم على ركيزتين اثنتين: الاولى، خطة كيسنجر الهادفة إلى بلقنة الشرق الأوسط وأفريقيا وتقسيمهما إلى كانتونات طائفية وأثنية تتصارع وتتقاتل فيما بينها، والثانية، وضع كل من الكيانات تحت مظلة إحدى القوى الاقليمية التي سيناط بها إدارة نهج الفوضى الخلاقة الذي طرحته السيدة رايس خلال إدارة بوش الأبن. أي أن السياسة الأميريكية الجديدة اعتمدت تطبيق النظرتين معاً؛ حيث يكون نهج رايس هو الوسيلة لتحقيق مخطط كيسنجر.

الأخطر في هذا المخطط هو أنّ السلاح الأساسي فيه يعتمد على الإرهاب القائم على أسس دينية أو أثنية وأبرزه على الاطلاق – اليوم – الارهاب السنّي المنتمي إلى داعش أو القاعدة، والذي هو وليد لعرابي الارهاب منذ السبعينات وهي الدول الارهابية ذات الانتماء الشيعي بقيادة ايران والنظام السوري وحزب الله مروراً بالنظام العراقي.

ينبغي التمييز بين هذين النوعين من الارهاب:

فالارهاب الشيعي هو ارهاب دول، وهو ارهاب عالي التنظيم مدعوماً علناً بهياكل دول وبمؤسساتها الامنية والعسكرية والمالية واللوجستية والاعلامية، وله تاريخ يناهز اليوم الأربعين عاماً وانجازات ونجاحات تحققت خلالها على مستوى العالم.

هو إرهاب يتخفى وراء خطابات وسياسات تعلن الأكاذيب وتخفي الحقائق، هو إرهاب يكمن وراءه برامج وأطماع اقليمية وديموغرافية على مستوى يتعدى حدود كل دولة من هذه الدول. هو إرهاب ذو قواعد شعبية حاضنة أقلها الفئات الشعبية التي تحتضن تلك الأنظمة وتدعمها لأسباب عديدة منها طائفي، أو اقتصادي، أو إيديولوجي، أو مبني على المصالح والنفوذ الفئوية والخاصة. وأخيراً هو إرهاب يتخفى وراء قناع الدين مُظهراً نفسه ضحية لا جلاداً.

أمّا الارهاب السنّي، فهو إرهاب مُصطنع، خُطط لوجوده على مستوى عالمي وإقليمي، ووُفِرت له كل الامكانيات اللوجستية والعسكرية والاعلامية والمالية بإخراج هوليودي سوف يكشف التاريخ عن حقيقته مستقبلاً ويكون من القصص المخذية للانسانية. هو اجرام ممنهج انحدرت حكومات الدول العظمى وتورطت به من أجل تمرير استراتيجيتها في السيطرة على مقدرات الشعوب لسرقة ثرواتهم الوطنية.

فهل يُعقل أن تنشأ الدولة الاسلامية في العراق والشام فجأة – في غفلة من الزمن – على أراضي هاتين الدولتين (من تنظيم ارهابي لم يكن يتجاوز 5000 عنصر) وتصبح أقوى قوة مسلحة ضاربة على الأرض تمتلك الدبابات والمصفحات والآليات والصواريخ والطائرات، ويتوفر لها التمويل الذاتي والاقليمي والعالمي، ويصبح العالم بحاجة الى تحالف دولي واقليمي من جيوش جرارة للقضاء عليها….؟؟

الخطر الأكبر اليوم أنّ هذا التنظيم يتحصّن وراء رايات دينية معادية للغرب والعالم غير الاسلامي، كما يدعو لتبني أفكار جهادية عفى عنها الزمن يقوم بترويجها مرتكزاً على شرائح من الشباب الذي عانى من الاضطهاد وشهد على مر عقود مضت ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي.

المهم أيضاً التنويه أن الدولة الاسلامية التي ترفع رايتها داعش وأخواتها من مجموعات اسلامية سنية متطرفة أخرى لا تعترف بحدود جغرافية للدولة الاسلامية، لأنّ أهم هدف من أهداف هذه الدولة في التاريخ الاسلامي كان نشر الاسلام بالفتوحات العسكرية والتوسع الجغرافي المستمر لدعوة المكونات الأخرى من غير المسلمين لاعتناق الاسلام أو العيش تحت رايته كأقليات من الدرجة الثانية تدفع الجزية دون أن يكون لها نفس حقوق المواطنة. هذا المفهوم كان عادياً في فترة الفتوحات الاسلامية وما قبلها في التاريخ القديم، حيث كانت كل الشعوب تسعى الى التوسع لنشر حضارتها أو ديانتها – غازية ومستعمرة باقي الشعوب والأمم؛ منذ زمن الاغريق فالرومان والمغول والفرس وصولا الى الحروب الصليبية وما تلاها.

اليوم تحاول داعش ارهاب المسلمين السنة مثلهم مثل غير المسلمين بتطبيق ما تسميه العقاب وفقاً للشريعة الاسلامية – والذي كان في القرون الوسطى – من شرائع غير المسلمين أيضاً؛ وهي قطع الرأس وبتر الأعضاء وحرق الأحياء ورجمهم إلى غير ذلك من اٍلأساليب الوحشية التي كان تطبيقها أمر طبيعياً في كل أنحاء العالم آنذاك.

غير أنّ الاسلام قد تفوق على غيره من الأمم الأخرى بشرعنة الجهاد وجعله الطريق الأقصر للمسلم لدخول الجنة، وعلى هذا الاساس نجح الارهابيون اليوم بتجنيد الشباب اليوم مشوهين مفهوم الجهاد الذي كان أصلاً هو حق من حقوق المواطنة.

استطاع ارهابيو اليوم تجنيد الشباب الذي يعاني من الفقر والاضطهاد واليأس والجوع والاذلال والرغبة في الانتقام، كانتحاريين يفضلون قتل أنفسهم وتفجيرها في سبيل استبدال حياتهم اليائسة بأخرى خالدة معتقدين أنّ قتل الابرياء ممن ليسوا من ملّتهم أو معتقدهم سواء أكانوا مسلمين سنة أو من ديانات أو طوائف أخرى، هو انتقام لما عانوه وعانته بلادهم ويعانيه المسلمين من ظلم وتهميش واضطهاد.

الخطر الأكبر في الحرب القائمة اليوم والتي أعلنتها الدول العظمى من سوريا والعراق على العالم ككل، أنها لن تبقى حرباً اقليمية أو محدودة في الشرق الأوسط بل سوف تتوسع لتشمل كل دول العالم دون استثناء وأولها وعلى رأسها الدول الأوروبية.

إنّ اللعب على الخلافات الأثنية والدينية والطائفية لم يعد مقبولاً في القرن الواحد والعشرين، كما أنّه من المعيب أن تستمر الحكومات والمؤسسات الدينية بالتحكم بمصائر الشعوب وتعمل على تمرير سياساتها المشبوهة من خلال تخويف رعاياها من انتماءات مكوناتها أو معتقداتهم. اليوم تتم أيضاً إدارة أزمة الارهاب – التي لم تعد تقتصر على المنطقة فقط بل انتشرت على مستوى العالم – بأسلوب لا يراعي روح العصر، الأمر الذي سيزيد الشرخ بين الثقافات والصراع بين الحضارات والنقمة بين الشعوب.

العالم اليوم يعيش في خطر حقيقي يتمثل بوجود أزمة اقتصادية شاملة، وبطالة في أعلى مستوياتها، وحروب مدمرة دافعة أعداداً كبيرة من البشر للنزوح والهجرة، وهي البيئة نفسها التي أدت الى اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية.

تشكل دول الشرق الاوسط وأفريقيا الامتداد الجغرافي والسكاني الطبيعي لأوروبا. لذا تتمثل آلية الحماية الوحيدة لحدود أوروبا – من الهجرة العشوائية غير الشرعية – بالعمل على السماح لشعوب تلك المناطق أن تحيا بسلام وحرية وديمقراطية. لذا على دول أوروبا أن تساعد تلك الدول بإقرار السلام فيها والاستثمار في مشاريع صناعية لتكرير موادها الأولية الخام، وأخرى تجارية، وسياحية، وثقافية، وتعمل على انشاء الصناعات الخفيفة كالصناعات الغذائية، إضافة إلى تطوير الزراعة والتكنولوجيا. كل هذا يساعد في خفض نسب البطالة المرتفعة ودفع الأمل في شباب تلك الدول للبقاء في أوطانهم ومشاركة العالم في نماء الحضارة الانسانية من موقعهم في بلادهم وقاراتهم.

سُنّت قوانين العقوبات على درجات لمنع الاخلال بالقوانين والانظمة المجتمعية، وتراوحت هذه العقوبات من الغرامة الى الطرد فالسجن والأسوأ على الاطلاق الاعدام! السؤال هنا كيف يمكننا أن نخيف إنساناً اختار الموت بنفسه والانتحار لكي ينتقم من المجتمع ويقتل أكبر عدد من البشر الذين يصنفهم بالأعداء.

اليوم؛ العالم مُطالب بوقفة واحدة للقضاء على الارهاب والتطرف، وقفة لا تقتصر على التحالفات العسكرية والاستخباراتية، وقفة تعي بأن البشرية في الألفية الثالثة لا يُمكنها أن تسمح للانتماءات الطائفية والأثنية والمذهبية أن تتحكم بمصائرها، وقفة يدرك فيها سياسيو العالم وكارتيلات السلاح والماسونية العالمية أن الاستمرار باللعب بمقدرات الشعوب واستخدام التطرف أيّاً كان نوعه أو هويته كوسيلة لكسر إرادة الشعوب وسرقة آمال وطموحات الشباب هو خطر كبير له مردودات ارتجاعية خطيرة على الدول العظمى نفسها.

المطلوب خطة موحدة ثقافية وتوعوية ودينية وأثنية، مدعومة برسالة إعلامية واضحة وممنهجة، تتبناها الدول الكبرى وتدعمها بالعمل السياسي والمخابراتي الذي يحل الأزمات ولا يصنعها أو يديرها. مثل هذه الخطة ستكلف عشر ما كلفته وتكلفه الحروب المختلفة الالوان والاشكال والاخراجات، خطة تستأصل المشاكل ولا تداويها.

أمّا الخطة الناجعة فعليها أن تشمل:
1. قرار أممي يتوافق عليه الكبار ويصدر تحت البند السابع بإنهاء أنظمة الدول التي صنعت الارهاب ومولته وما زالت وعلى رأسهم النظام السوري.
2. لا خوف من انهيار مؤسسات النظام السوري كما يدعي البعض، لأن النظام السوري أصلاً نظام أمني غير مؤسساتي لا يمكن إصلاحه أو الاستمرار به مهما ابتكرت الصيغ المجملة له.
3. الضغط على الدول الاقليمية – اللاعبة الأخرى بهذه الأزمة – بالانكفاء الى حدودها والعمل من خلال راية الامم المتحدة فقط، والتخلي عن مطامعها وطموحاتها التي تتعدى حدودها ونماء شعوبها.
4.  العمل على حل الأزمات لا إدارتها وفق برنامج زمني لا يتعدى سنين قليلة لتحصين العالم من جيل يكبر ويترعرع في محيط ملئ بالحروب الطاحنة والقتل والارهاب وقطع الرؤوس والكراهية والبغضاء والرغبة في الانتقام.
5.  دعم قيام جيوش وطنية لا عقائدية تؤمن بالحرية والديمقراطية، لتكون اليد الطولى لتحرير المناطق المحتلة من الارهابيين ومرتزقة الأنظمة الفاسدة، والميليشيات الأثنية، وتوفر الدعم الكامل لخطة السلام.
6.  وضع المناطق الأثرية تحت حماية دولية لتحصينها من الدمار حفاظاً على آلاف السنين من الحضارات التي عاشت في تلك المنطقة.
7.  جعل منطقة الشرق الاوسط وأفريقيا خاليتين من الأسلحة الفتاكة والنووية والبيولوجية والكيميائية.
8.  رصد أموال كافية لتشكيل منظمات وجمعيات ومؤسسات إعلامية تعنى بالمصالحة الوطنية ومقاومة الفكر الارهابي، وتقرّب بين الطوائف والأديان والاثنيات وتدعم التكامل الثقافي والحضاري في كل مناطق النزاع.
9.  القيام ببرامج حوار تلفزيونية وندوات وتشجيع انشاء الصفحات والجرائد الرقمية والمطبوعة وتأسيس الأندية الاجتماعية والرياضية المختلطة والمنظمات الكشفية والمدارس.
10.  تضمين المناهج الدراسية مواد تعنى بالتعريف بالاديان وتراعي احترام تاريخ جميع الاثنيات والطوائف والاديان.
11.  انشاء ادارات محلية مدنية وأمنية من أبناء القرى والمدن والمناطق، ضمن الحدود الجغرافية المعترف بها للدول، والعمل على الغاء القوانين المرتكزة على الطائفية أو التمييز العنصري الاثني. 
12.  حظر تأسيس دول على أسس دينية أو طائفية أو أثنية.
13.  تحويل موارد الحروب والتسلّح والقتل لدعم النازحين وإعمار المناطق المهدمة وإعادة المهجرين إلى مساكنهم الأصلية، وتوفير الدعم اللوجستي والاغاثي والتعليمي المكثف والصحي والنفسي لهم.
14.  تخصيص كل منطقة من المناطق ببرنامج اقتصادي خاص يكفل نماء المنطقة، يُعزز بوضع قوانين تشجع الاستثمار بطرائق منضبطة تحمي الوطن وتمنع بيعه اقتصادياً. الطلب من المغتربين من كل منطقة العودة للاستثمار فيها واعطاءهم تسهيلات اقتصادية ومالية وتحفيزات لتوظيف المعاقين والارامل واعفاءات ضريبية للتبرعات المالية في انشاءات سكنية وبرامج تشجيرواقامة المدارس والمستشفيات وتقديم المنح الدراسية، وأي عمل من أعمال التكافل المجتمعي.
15.  مساعدة الدول التي تعيش في حالة أزمة باحلال السلام فيها وتشكيل حكومات وطنية برلمانية لارئاسية يتم التعاون معها في سبيل احقاق السلام الدائم في المنطقة.

نادت الثورة السورية بالحرية والكرامة والديمقراطية والتعايش المشترك والوحدة الوطنية والدولة المدنية، لقد قدّم الشعب السوري الغالي والرخيص ليُعلّم العالم معنى الحرية وثمن الكرامة. على العالم أن يعي أن مثل هذا الشعب المناضل العنيد لا يمكن تجاهلة أو القفز على طموحاته أو إذلاله بعد الآن. عليهم احترام رغباته واشراكه في صنع القرار.

ما تقدم أعلاه يفيد السلام وينقذ البشرية من طاعون فكري متطرف يقضي على الأخضر واليابس ويهدد الاجيال خلال العقود القليلة القادمة ويستمر بالتطور نحو الأسوأ ويمهد لقيام حرب عالمية ثالثة لن ترحم أحداً تستخدم فيها أسلحة مبتكرة خطيرة على رأسها أسلحة الحرب الألكترونية.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.