إشكالية التعلم والموضوعية لدى القيادات الإدارية -د. محمد مرعي مرعي

لعل أحدث سمة للمؤسسات الناجحة في العالم هي سمة المؤسسة أوالمنظمة التي تتعلم وذلك تعبيراً عن مقدرتها على الاكتساب السريع والمتجدد من كل مصادرالمعرفة والبيئة المتغيرة ، والاستفادة من مؤثراتها مما يقودها إلى التطور والتجدد بفضل استعدادها للتعلم وممارسته على الدوام .
ونلحظ التوجه نفسه لدى الأشخاص الذين يتولون مسؤوليات قيادية،والذين يتصف المتميز منهم بمقدرته على التغير والتجدد السريعين ، والتطور لمواكبة ما يحصل حوله من تطورات في كافة ميادين المعرفة البيئة، ليغدو أكثر قدرة على توجيه المؤسسة التي يقود،و لتستمر في حالة توازن واستقرار ، وتتمكن من المنافسة والنمو ، وتقديم الأفضل بفضل الاستعدادات التي يظهرها للتعلم مما يحيط به، ويكتسب المعارف المتجددة والخبرات المتراكمة والمهارات الحديثة والاتجاهات والمواقف السلوكية الإيجابية والفعالة التي تفيد في إنجاح مؤسسته .
وبالمقابل ، تبقى المؤسسات البعيدة عن التعلم (الجامدة في بناها التنظيمية ، ومراكز عملها ، وعلاقاتها الوظيفية ، وآليات عملها ،وخمول كفاءات مواردها البشرية،…) خارج إطار طريق النجاح ،فهي في موقف الدفاع الذي يكابرمتجنبا مسار التقدم ويقاومه تحت مبررات عديدة ، تقاوم الجديد والحديث تظللها إجراءات حمائية تفرضها الدولة أودعم مالي تقدمه لها الميزانية العامة أوتنفق من مدخراتها السابقة التي تضمحل بالتدريج ، وتبقى تقاوم إلى أن يأتي يوم يكون الأمر فيه مقضياً .
وهناك أشخاص يتولون مهاماً قيادية في مستويات إدارية متباينة ، يدعون دوماً ومقدماً أنهم في حالة معرفة تامة وفي كافة الاختصاصات (هم كليو المعرفة ) ، وأنهم يمتلكون من المهارات التي يحسدهم عليها غيرهم ، وقد تراكمت لديهم الخبرات خلال أعمالهم ويتباهون فيها ويقدمون إيجابياتها لأنهم أخذوها عن آخرين معروفين في الوسط المحيط بهم ويتاجرون بها كشعارات ويافطات وعبرالأحاديث والحوارات ، ولديهم نماذج سلوك عمل مختلفة بتميز طالما يمدحهم عليها بعض مرؤوسيهم من شاكلتهم .
هؤلاء الأشخاص (المصنفون لسوء التقادير قيادات إدارية ) يتصرفون وهم أسرى القناعات الواهية التي وصلوا إليها عن أنفسهم ( معارف كلية ،خبرات مأخوذة عن آخرين معروفين ، مهارات إدارية أوصلتم إلى مواقعهم ، سلوكيات يمدحهم عليها من هم أدنى منهم مرتبة ) بما يخالف كل توجهات الإدارة الحديثة : المؤسسة التي تتعلم ، والقيادي الإداري المتجدد والمتطور باستمرار .
وربما يسهل عليهم هذا التصرف فعل أنهم يمالئون رؤسائهم ، ويعظمون معارفهم من القادة الأعلى مرتبة منهم ، ويتاجرون بأخلاق العمل وممارساته ، ويسوقون أنفسهم أمام الآخرين بأنهم لا يحتاجون إلى المعارف الجديدة لأن خزان معارفهم قد امتلأ منذ زمن طويل ولا ينقصهم شيء من المهارات والخبرات والاتجاهات السلوكية ، ويشفع لهم ما حققوه سابقاً من مستوى قيادي ، ويسهل عليهم تحقيق طموحاتهم الأعلى عبر مديحهم وتبجيلهم للأشخاص الذين يعتقدون أنهم سيسهمون في ترقياتهم المستقبلية .
قد يقول البعض أن ذلك تعميم مفرط ، إذ هناك أشخاص قياديون يتصفون بالرغبة في التحصيل والتعلم باستمرار وبروح متواضعة ، ربما ونتمنى تواجد هؤلاء ، لكن واقع الحال ينبئ بما هو عكس ذلك، ومن يقابل النسبة العظمى من قيادات المؤسسات لدينا يرى ويسمع ما يثبت ما ذكرته أعلاه .
أقابل بحكم طبيعة عملي أشخاصا في مواقع قيادية ، وأتحاور معهم باستمرار ، وتتولد لدي القناعات من البداية بأنهم مرضى عقدة التعلم ، إذ يعتبرون أنهم متميزون في معارفهم وخبراتهم ومهاراتهم وسلوكياتهم ، ويعلنونها من اللحظات الأولى ، لفرض واقع يعتقدون أن الآخرين يقبلون به طالما هم مصنفون قادة إداريين ، و يتوجب على غيرهم سماعهم والإنصات إليهم .
هذه حالة إشكالية في القيادة الإدارية لدينا إن لم نقل حالة مرضية تتطلب العلاج ، وما واقع المؤسسات وتراجعها المستمر سوى التعبير الجلي عن حالة قياداتها المرضية، وحالة المؤسسات التي يقودونها ونأمل لهم ولها الشفاء العاجل .
هناك حالات واقعية نعايشها جميعا ونتلمس آثارها على هذا الصعيد ، لكن من يعمل في الميدان يشاهد باستمرار تلك الأعراض وأشخاصها ، ولعل من يعمل في مجال التدريب الإداري يعيش تلك الظواهر بكل تجلياتها .
وخاصة عندما يكون المشاركون في الدورات التدريبية من القيادات العليا في المؤسسات الجامدة،وفي موضوعات تخص أساس الممارسة العملية القيادية وأحد أسرار نجاح الموارد البشرية العاملة فيها .
خلال مفاوضات عقد الدورات والتحضير لتنفيذها مع المعنيين بالتدريب أو مع الإدارات العامة للمؤسسات نلمس اهتماما كبيرا من بعض الإدارات العليا للمؤسسات ، بالدورات وموضوعاتها وأهميتها ومحاور التدريب ، وذلك أملاً في اكتساب تقنيات إدارية جديدة تسهم في تحقيق المزيد من النجاحات للمؤسسات.
لكن حين تنفيذ الدورات التدريبية في تلك المؤسسات التي تنفذ دورات التدريب وتدفع تكاليفها أملاً في تحقيق الغايات المرجوة منها ، نلمس ، بأسف شديد ، واقع بعض المشاركين في الدورات من القياديين الإداريين ( سيما الأعلى مرتبة في المستويات القيادية )يقدمون أنفسهم بأ نهم يعرفون كل شيء ، ويملكون خبرات غير متوافرة على مستوى الوطن ، ومهاراتهم لا تنافس وسلوكياتهم القيادية مثالاً يحتذى به .
وبغية قيادة الدورات بفاعلية وبشكل موجه ، يحتاج المدربون لتذكيرهم بأسس علم الإدارة ومكوناته الرئيسية والمرتكزات العلمية للموضوعات التدريبية ، ويلاحظ هؤلاء المدربون أنهم : كلما تعمقوا في الموضوعات المقدمة للمشاركين في التدريب يتضح لهم أن هؤلاء الذين يدعون المعرفة والخبرة والمهارة لا يمتلكون منها سوى بعض الشعارات والكليشات وديباجات المديح والتسويق الواهي للذات بشكل لا يمس العلم ولا أسس الممارسة الإدارية .
وأشد ما يلفت الانتباه في نهاية تلك الدورات التدريبية مناقشة القضايا العملية ، أو إبداء الرأي في أحد أو بعض أنظمة العمل في المؤسسات التي يتبع لها المشاركون في التدريب، التي كان هؤلاء
( بعض القيادات الإدارية !) قد عبروا عشرات المرات خلال أيام الدورات ، أنه يتوافر لديهم أنظمة عمل تنافس أرقى المؤسسات في العالم .
لكن حين عرض ومناقشة تلك الأنظمة في تلك المؤسسات ، يتضح للمدربين وللمشاركين من خلال المقارنة العلميةمع ما ذكر لهم من أساس نظري خلال جلسات التدريب أن تلك الأنظمة أكل الدهر عليها وشرب، ومتوافرة في كثير من مؤسسات الدولة التي ننعتها بالتخلف .
وبالطبع يصمت هؤلاء القادة ( كليو المعرفة !!) ، لا يعلقوا خلال فترة المناقشة بكلمة واحدة ، بل ولا ينطقوا بشيء .
ويثير استغراب من يدير نشاطات التدريب والتطوير الإداري بعد انتهاء الدورات التدريبية ، وحين إطلاعهم بشكل متأني على استبيانات التقييم التي يطلب من المشاركين بالتدريب أن يملؤها بموضوعية وبدقة وبكل شفافية ، ليستفاد من ملاحظاتهم ولتتطور أعمال مؤسسات التدريب ومدربيها وإداراتها .
نستغرب أن هؤلاء المصنفون قادة إداريين ، من بين المشاركين ، كانوا يمدحون محتوى الدورات وأداء المدربين حتى اليوم الأخير الذي كشفت لهم فيه أن ما يمتلكونه محدودا من أسس الإدارة ومعارفها وخبراتها ومهاراتها وسلوكياتها بشكل مقارن بين ما يتوافر لديهم وبين ما قدم لهم .
ويلحظ في استبيانات تقييمهم للدورات والمدربين والمؤسسات التدريبية بفعل تأثير اليوم الأخير من الدورة نعت الجميع بسوء الأداء ، ووصفهم بصفات لا تمت إلى الروح العلمية ولمنطق العمل الإداري بصلة .
وللحقيقة نذكر أن بعض مديري تلك المؤسسات المستفيدة من التدريب يتابعون أحيانا باهتمام مستمر مجريات الدورات ، ومداخلات البعض من العاملين في مؤسساتهم وتناقضاتهم ،و قد ينقل لهم ما يحصل من استعراضات معرفية لبعض القياديين لديهم،وللحقيقة أن بعض ( مديري المؤسسات ) تتسم مداخلاتهم بروح أخلاق قيادية وبتواضع ملفت للانتباه.
هنا، أتطرق إلى موضوعية الممارسة في القيادة الإدارية ، إذ أبين أ ن أمثال هؤلاء الذين للأسف يصنفون كقادة إداريين ، ويتولون مهاماً قيادية ، وربما يشرفون على أشخاص يتحلون بكفاءات عالية ونادرة وتسهم بفاعلية كبيرة في تطوير المؤسسة والوطن .
أتساءل هنا ، كيف يتصرف هؤلاء مع مرؤوسيهم ، وكيف يقيمون أدائهم في نهاية العام وحين انتهاء مشاريع عملهم ، إذ أننا حين نختلف معهم خلال يوم في وجهة نظر علمية فقد يتحولوا في حكم تقييمهم علينا من الممتاز إلى السيء .
كيف يتعامل هؤلاء مع مرؤوسيهم من أصحاب الضمير الحي والمستوى العلمي المتميز، الذين ربما لا يمدحونهم أو لا يتفقون معهم في وجهات النظر، أو لا يمالئونهم حين التعامل معهم في العلاقات الوظيفية المفروضة عليهم في سياق العمل ( وكقاعدة ، لا يقبل أصحاب الكفاءات العالية تقديم المديح لأحد، أو التزلف له لأن كفاءاتهم هي التي تحميهم وتفرض وجودهم ) .
هل سيمارس أمثال هؤلاء الموضوعية في أعمالهم القيادية ، وهل سيحافظ أمثال هؤلاء المتسلطون والانتهازيون على أشخاص يمتلكون الكفاءة والنزاهة وأخلاقيات العمل ؟
أم سيقضون كل وقتهم في البحث عن أساليب تدفع أصحاب الكفاءة والذين يتحلون بأخلاقيات الواجب الوظيفي نحو الهرب من المؤسسات التي يعملون فيها ، ويكون هاجسهم و ديدنهم اليومي تطفيشهم وقهرهم وتهميشهم ، لتبقى الساحة لهم، وسلم الترقي القيادي حكراً عليهم ؟
تتمثل أهم صفات القادة الإداريين بالمقدرة على التعلم والتطور الذاتي للإسهام في تطوير المؤسسات التي يقودون ، وبالممارسة الموضوعية لتكريس العدالة والمساواة بين العاملين ليسهل تحقيق اندماج الموارد البشرية وتعزيز ولائهم للمؤسسات التي يعملون بها ، وفي ظل غياب تلك الصفات ستدفع المؤسسات والوطن غاليا .
لذلك ، ينبغي أن يعاد النظر في توصيف القيادات الإدارية ، وفي معايير ومقاييس اختيارها حرصاً على مستقبل المؤسسات والوطن والمواطنين .

ملاحظة : اتسمت المؤسسات والإدارات السورية ( وهي لا ترقى إلى وصف مؤسسات ) بغياب سمة التعلّم المستمر بقصد التطور والموضوعية في الممارسة للوصول إلى النجاح ، بل كانت تمارس التجهيل الإداري والشخصنة والفردية في السلوك ، الأمر الذي أوصل تلك الإدارات إلى حالة من الإنهيار والعباد الى مستويات الفشل والوطن والمجتمع إلى الدمار الشامل .
بالمقابل ، اتبعت إدارة الائتلاف وملحقاته التي ورثت عن السلطة السورية كافة طرق العمل الفاشلة والسلوكيات التخريبية للإدارات والبشر ، الممارسة المعتادة في التجهيل الإداري والسلوكيات الفردية والشللية التي جعل إدارات ذلك الائتلاف مجمّعا للمرتزقة والفاسدين من كافة الأشكال .
عميد المعهد العالي للتنمية الإدارية
أ.د. محمد مرعي مرعي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.