إذا كان الحلّ السياسي غائباً.. هل هناك بديل؟

ماذا إذا لم ينفّذ حلّ سياسي ينهي المأساة السورية، ويدشّن الانتقال لنظام سياسي بديل؟ وهل يبقى السوري معلقاً بخيوط الوهم، والانتظار بينما تشتدّ الأزمة وتحاصر مفاعيلها القاسية الجميع بما فيها لقمة العيش؟ أم يجب البحث عن خيارات بديلة؟

الأيام السورية؛ عقاب يحيى

منذ سنوات عديدة وسؤال يفرض نفسه على الشعب السوري الثائر، صاحب حلم وإرادة التغيير، وبناء نظام ديمقراطي: وماذا إذا لم ينفّذ حلّ سياسي ينهي المأساة السورية، ويدشّن الانتقال لنظام سياسي بديل ؟؟…وهل يبقى السوري معلقاً بخيوط الوهم، والانتظار بينما تشتدّ الأزمة وتحاصر مفاعيلها القاسية الجميع بما فيها لقمة العيش؟، وتتموضع في البلاد مناطق نفوذ قد تصبح أمراً واقعاً ولمدىً زمني مفتوح ؟؟
أم يجب البحث عن خيارات بديلة، وأقلها، إيجاد عوامل قوة تكون الاستناد الرئيس في تغيير المعادلة الموجودة؟؟؟؟

من يعرف ويخبر طبيعة النظام السوري وتركيبته الأقلوية، الأمنية يعلم يقيناً أنه لن يقدم على أي خطوة سياسية تشكل مدخلاً للانتقال السياسي، لأنه يعتبرها بداية النهاية له، وحين قامت الثورة، وضمن سطوة الأجهزة الأمنية وما حققته من السيطرة شبه الشاملة على الشعب نام النظام على تقارير تلك الأجهزة التي تنفي أي احتمال لتجرّؤ أحد من الشعب على قول لا، او التفكير بالانتفاض، والثورة، وكانت “الردود المدروسة” مقابلة أي محاولة بالرصاص، ومعروف كيف قابل الحراك السلمي بالقنص والتصفية والاعتقال، وكيف كان شعاره “الأسد أو نحرق البلد” تجسيداً لخلاصة نهجه، وقد استمر في ذلك النهج على مدار السنوات ضارباً عرض الحائط بدماء وحياة السوريين، وبسورية الوطن والبنى التحتية التي أشادها الشعب على مرّ العقود، بل والقرون، وصولاً إلى استقدام الأجنبي ومنحه عديد الامتيازات التي تفرّط بسيادة واستقلالية البلاد، وبثرواتها واقتصادها، مقابل البقاء في الحكم.

من يعرف ويخبر طبيعة النظام السوري وتركيبته الأقلوية، الأمنية يعلم يقيناً أنه لن يقدم على أي خطوة سياسية تشكل مدخلاً للانتقال السياسي، لأنه يعتبرها بداية النهاية له.

في سنوات انتشار العَسكرة، وسيطرة فصائل الجيش الحر على الجزء الأكبر من مساحة البلاد، وتهديد العاصمة دمشق اعتقد كثير أن الحسم العسكري قادم وقريب، حتى بعد وصول النجدات الإيرانية وميليشياتها الطائفية التي منعت انهيار النظام، ظلّ الاحتمال قائماً، لكن الأحداث ومساراتها، خاصة بعد الاتفاق الأمريكي ـ الروسي ودخول روسيا قوة احتلال طاغية، تبيّن أن الحل العسكري ممنوع، ومرفوض على قوى المعارضة، وأنه لا سبيل سوى الحل السياسي الذي كان بيان جنيف 1 (حزيران ى2012)عنوانها ومدخلها، ثم تفريعاته الانزياحية الأخرى.

وافقت قوى المعارضة، خاصة عبر الائتلاف الوطني على الحل السياسي ـ كخيار وحيد ـ الذي يضمن عملية الانتقال إلى نظام سياسي مختلف ينهي نظام الاستبداد والفئوية والفساد لكنها اصطدمت المرة تلو الأخرى، وسنة بعد سنة برفض النظام، وامتناعه عن الاستجابة لأية خطوة حتى لو كانت جزئية وفرعية، واستخدام سياسة التملّص والتعطيل، و”إغراق” المفاوضات بتفاصيل لا علاقة لها ببنود القرارات الدولية، وصولاً إلى الوضعية الراهنة التي تلخّصت ب”اللجنة الدستورية” التي استغرق مجرد تشكيلها نحو العامين، وقد مضى عليها نحو العام دون أي تقدّم يذكر.

ـ كان السؤال الذي يقرع الذهن باستمرار “وماذا بعد”؟، وهل نبقى معلّقين على حبال الوهم أم يجب أن نفكر بوسائل أخرى ولو كانت إضافية، ومكمّلة للمسار السياسي؟؟

الصعوبات الواقعية، والرهانات الخلّبية على الحل السياسي، واتساع الفجوة بين السياسي والشعب، وبين من يمثل الثورة وفعاليات الثورة مختلفة الأشكال، وبنية تلك المؤسسات وخوفها من ولوج مدخل طويل تتنازعه الكثير من الإرباكات والشربكات كانت تدفع إلى الهروب من هذا الاستحقاق الطبيعي، والضروري، ويكون التأجيل هو السمة البارزة، مع بقاء التمسك بالرهان على الوضع الدولي وما قد يفعله بشأن الحل السياسي هو الرئيس.

من جلسات المفاوضات في جنيف(فرانس 24)

نعم، عبر سنوات الثورة وما عرفته من مسارات، والرهانات التي قامت على دور الخارج في الحسم، ثم طغيان العسكرة على السياسي درجة السحق، ووجود قوى دولية متعددة تتصارع وتتناطح بمشاريعها على الأرض السورية، وصولاً إلى فرض تدويل المسألة السورية وتقاذفها بين الدول الكبرى والفاعلة، جعل ذلك الخيار يبدو وكأنه مغامرة خطيرة لجهة تحصيل شيء فيه يحقق نوعاً من التوازن في المعادلة، ويعيد بعض القوة للمعارضة يكون استنادها حتى في العملية السياسية ومراوحتها.

تأكد للجميع أنه لا يوجد في الأفق القريب حلاً سياسياً يحقق حلم ومطالب السوريين، وينسجم مع الحدّ الأدنى من تضحياتهم، فإن لا خيار أمام مؤسسات الثورة، سوى التوجّه الجاد، والمبرمج نحو الشعب السوري بكل أطيافه وفعالياته.

الآن، وقد تأكد للجميع أنه لا يوجد في الأفق القريب حلاً سياسياً يحقق حلم ومطالب السوريين، وينسجم مع الحدّ الأدنى من تضحياتهم، فإن لا خيار أمام مؤسسات الثورة، وفي المقدمة منها الائتلاف، سوى التوجّه الجاد، والمبرمج نحو الشعب السوري بكل أطيافه وفعالياته وأماكن تواجده في المناطق المحررة وتلك الواقعة تحت سيطرة النظام أو سلطات الأمر الواقع وفي أماكن ودول اللجوء والهجرة لبناء شراكة حقيقية معه، واكتساب المشروعية منه بالأساس.

النجاح في هذا التوجّه لا شكّ وأنه يستلزم مجموعة من الإصلاحات والتطورات، في مقدمتها أن يكون ممثل الثورة الذي يلقى الاعتراف الشرعي من عديد الدول مهيّئاً ببنيته وتركيبته ـ موضوعياً وذاتياً ـ للقيام بهذا الدور، وأن يترافق ذلك ببرنامج عمل واقعي يجدد فيه خطابه الوطني ليكون خطاباً عاماً موجّهاً لكل السوريين، وتطوير الرؤية الوطنية ـ السياسية بما يتناسب والتجارب والمتغيّرات، وأن يجسّد التشاركية السياسية ضمن صيغ واقعية تكرّس ما يعرف بالاصطفاف الوطني، وتجاوز الخلافات الثانوية بالالتفات إلى الرئيس : الوطن والخط الوطني الجامع البعيد عن المحاصصات، والاستئثار.

بالوقت نفسه فإن جميع القوى والتشكيلات السياسية وغيرها مدعوة للقيام بمراجعات فعلية لمسارها وواقعها بحثاً عن عوامل النهوض والتأثير، ومغادرة حالة التشتت، ورفض قبول الآخر، وسلوك الاتهام والتشكيك للتمسّك بالرئيس الجامع، التوافقي الذي يسمح بتشكيل تيار أو تحالفات جبهوية عريضة يكون الوطن نصب أعينها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.