إدْلِبِيُّون قابضون على الجمر (1)

أحد الأحذية كاد يصيب رأس حافظ الأسد؛ لولا تدخل حارس مرماه عبد الله الأحمر محافظ إدلب حينها، واستطاع بخفة صد الحذاء، وحرمه شرف الوصول لرأس الأسد.

الأيام السورية| حليم العربي

 

بدأت الثورة السورية في إدلب ضد نظام حافظ الأسد، فور تسلمه الحكم عام ١٩٧٠م، لدى زيارته الأولى لها في جولته على كافة المحافظات السورية؛ لحصد التأييد الشعبي وإدخالهم بيت الطاعة الأسدي.

كان رد الإِدْلِبِيُّون قاسياً وسريعاً، لم يقف استنكارهم لانقلابه على أصحابه عند حد اللسان والهتاف بـ “لا” أو “نريد إصلاحات”، بل تجاوز ذلك فوراً إلى اليد والرجم، حيث أمطروه بوابل من (البيض) و( البندورة) و(الأحذية البالية) تلك الحادثة الأعنف في بداية حكم حافظ الأسد، وما زال شاهدوها أحياء إلى الآن يقصونها على أحفادهم، ويؤكدون أن أحد الأحذية كاد يصيب رأس حافظ الأسد؛ لولا تدخل حارس مرماه عبد الله الأحمر محافظ إدلب حينها، واستطاع بخفة صد الحذاء، وحرمه شرف الوصول لرأس الأسد.

دخلت بعدها محافظة إدلب عالم النسيان في الذاكرة السورية؛ انتقاماً رد به الأسد الأب بعد استقرار حكمه وإحكام سيطرته؛ وعانت من التهميش الإداري رغم موقعها الجغرافي المتاخم للحدود التركية، وعمقها التاريخي وما تحتويه من مواقع ومعالم أثرية، إضاقة لكونها عاصمة الزيتون السوري لخصوبة التربة وروعة الطبيعة فهي الشهيرة بإدلب الخضراء.

واضطروا للعمل في ظروف قاسية رغم مؤهلاتهم الدراسية والإبداعية، لتساهم تلك العوامل في بلورة شخصيات أبناء هذه المحافظة القاسية

إلا أن سياسة الإقصاء والتهميش التي اتخذت ضدها أضعفتها، وشتت شبابها بحثاً عن العمل في دول الجوار وأوربا، واضطروا للعمل في ظروف قاسية رغم مؤهلاتهم الدراسية والإبداعية، لتساهم تلك العوامل في بلورة شخصيات أبناء هذه المحافظة القاسية، الصفات التي احتاجوها في مراحل لاحقة مع اندلاع الثورة.

أتت أحداث الثمانينات فركبوا سريعاً في مركب “الثورة الثانية”، إلا أن الانتقام الأسدي كان شديداً وفظيعاً، ارتكب فيها عدة مجازر أخمد من خلالها الانتفاضة الشعبية الثانية ضده، تبعها بحملات أمنية لم يسلم منها إلا القليل من عائلاتها، وهجّر الفئة المثقفة والنخب السياسية، ليستقر له الحكم من جديد.

سُحقت الطيبة والمحبة التي يمتاز بها أهل هذه المنطقة بجحافل الأسد من جديد؛ ليزداد رجالها عنفواً وقسوةً وكبرياءً، كذلك هم الطيبون غالباً يستأسدون إن أراد أحدهم المساس بكرامتهم، وتأهبوا كثيراً منتظرين الثورة الثالثة، حرمت خلال هذه الفترة محافظة إدلب من أكثر الخدمات، فلا استثمار فيها ولا تنمية إلا في حدود متدنية، كما مورس بحق أبنائها التهميش والاستخفاف الاجتماعي من باقي المحافظات؛ الأمر الذي لم يكسرهم بل زادهم صلابة وإصراراً وعناداً.

استطاع الأسد وابنه الدكتاتور الأصغر صنع أشد الأعداء لهما بيديهما؛ وأعطاهم كل مؤهلات التمرد وبذر في نفوسهم التوق إلى الثورة من قبل أن تبدأ على الأرض، وانتظروا جميعا الجولة الأخيرة ليجتاح الربيع العربي عدداً من البلاد، فوجدوا فيه الفرصة الأخيرة لتوجيه الضربة القاضية، فأسرع ضباطهم للانشقاق، على رأسهم المقدم “حسين الهرموش” ابن جبل الزاوية الأشم ومؤسس الجيش الحر، وسلّحوا شبابها، وتصدّوا للجيش والأمن أثناء اقتحامهم لعدة بلدات أهمها:  أورم الجوز، وخان شيخون، وجسر الشغور، ثم اشتعلت الثورة المسلحة في كل المحافظات السورية.

كان شباب إدلب شجعاناً في قرارهم يأبون الذل والهوان، أقوياء بعنفوانهم، أعزة كرماء، غير صاغرين؛ لأنهم رضعوا الشجاعة صغاراً، واستطاعوا طرد نظام الأسد من إدلب، ثم طردوا “داعش” بعدها من أرضهم، ولن يستطيع طاغية كما يبدو إحكام سيطرته عليهم وإخضاعهم، بعدما نالهم من قتل وتدمير وتشريد فذاكرتهم ملئت بالمجازر، ونفوسهم شحنت بالقهر، ولم يعد للموت رهبة في قلوبهم.

من سلسلة إدلبيون قابضون على الجمر

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.