إدلب: جيبُ استنزاف.. ومحرقةٌ للسوريين

164
الأيام السورية؛ بقلم: د. محمد عادل شوك

مُذْ كان القرار بإطالة أمد الصراع في سوريا، أصبحت الأمور تسير في حالة من اللاإرادية لدى أطراف الأزمة المحليين، فلا هم يصنعون قرارهم، ولا هم يقررون متى يُدعَوْن إلى جنيف أو سوتشي، فضلًا عن أن يُستَشاروا في جدول الأعمال الموضوع على طاولة النقاش.

وآخر ما كان من ذلك ما يُسمّى مسار أستانا، الذي بات الحديث فيه ملهاة كبرى، وغدتْ تفسيراته كحسابات السحرة في حساب “الجُمَّل”، يريح المأزوم بقرب نهاية أزمته، غير أنه يجعله كالذي يقبض على الماء.

لقد ذهب تحالف روسيا في الملف السوري، إلى تفسيره على أنّه نهاية مرحلة، تمثل انتشاء المعارضة ببسط سيطرتها على 70% من الجغرافية السورية، وصولًا إلى تجميع بقايا قواهم في منطقة لا تزيد عن “6000 كم2″، فيما بات يسمّى اصطلاحًا بـ “إدلب الكبرى”.

وذهب شِبْهُ تحالف المعارضة، إلى النظر إليه على أنّه بداية مرحلة، تقود إلى الولوج في حل سياسيّ انتقالي، استنادًا إلى تفسير مضامين خطة مؤسسة راند، لحلحلة الأمور في سوريا المعتمدة لدى الإدارة الأمريكية في عهد أوباما، أواخر سنة 2014.

ومضى متزعمو كلا هذين التحالفين في السير في خطته، من غير التفات إلى كثير من المعايير الإنسانية في تجسيد رؤاهم، فمضتْ روسيا بما ذخرت به ترسانتها العسكرية، وبما عُرفت به دبلوماسيتها من المراوغة، واستمراء الولوغ في الدم السوري، وفق ما اعتاد عليه الوزير لافروف، بحكم تخرجه من مدرسة الـ “كي جي بي”.

مسار أستانا، بات الحديث فيه وعته، ملهاة كبرى، وغدتْ تفسيراته كحسابات السحرة في حساب الجُمَّل، يريح المأزوم بقرب نهاية أزمته، غير أنه يجعله كالذي يقبض على الماء.

في مقابل حالة استرخاء شديد لمتزعمي تحالف المعارضة، فضلًا على ذهاب بعضهم في البحث عن مصالحه، على حساب عذابات السوريين إلى المدى الأقصى، من غير أن يعيروا كثير اهتمام للجانب الأخلاقي، لا بلْ حتى الاستراتيجي في تقدير مصالحهم، في بقعة يتنافس عليها حتى صانعو القرار في نيوزلندا، وجزر المالديف.

ومضت أشهرٌ وئيدة على السوريين منذ اتفاق سوتشي في: 17‏ أيلول/ سبتمبر 2018، أملوا فيها الخير، واستجابوا إلى ما طُلب منهم من البنود العشرة، التي وقّع عليها الرئيسان: أردوغان، وبوتين في منتجع سوتشي الروسي، الذي منح اسمه لما أسفرت عنه تفاهماتهما، حول آخر محطة في الصراع السوري المعروف أيضًا باتفاق إدلب.

وبقيتْ الآمالُ معقودةً على أن يسير العمل في بنوده، على كثرة العِلّات فيه، وكثرة الخروقات من تحالف روسيا، بما يحمل لهم شيئًا من الأمن والطمأنينة والسلام، إلى أن جاء شهر أيار المنصرم، وحمل معه كثيرًا من المآسي والآلام لأهالي إدلب الكبرى، وتحديدًا في ريف حماة الشمالي، وقرى جنوب وشرق إدلب، ومنطقة الكبانة في منطقة جبل الأكراد الساحلية.

فقام تحالف روسيا بتصعيد غير مسبوق أو متوقّع، فأتى على تشريد نصف مليون إنسان تحت أشجار الزيتون، وهدم مئات المنازل، وتدمير البنى التحتية الخدمية، وهلاك مئات الدونمات الزراعية، في موسم يُعدّ من أفضل المواسم في سوريا منذ عدة سنوات، فضلَا على مقتل ما يزيد على أربعمائة وخمسين مدنيًا، ناهيك عن أضعافهم من الجرحى، هذا إلى جانب أرقام مخيفة من قتلى الجانبين في العسكريين المنخرطين في هذا المحرقة، التي لا يُعرف أمدٌ لتوقّفها.

لقد غدت إدلب ـ بحقّ ـ جيبَ استنزاف للأطراف المحلية في هذا الصراع اللاإرادي، حسبما يرى عددٌ من المراقبين؛ إذْ لم يَعُد بمقدورهم أن يقولوا لرعاته: إنّنا استنزفنا وخارت قوانا، ولم نعد نرغب في السير في هذه المأساة، التي صارت ثقبًا أسود ” Black hole “، ابتلع قضيتنا، قبل أن يبتلع بلدنا: جغرافيًا، وديمغرافيًا، ومقدراتٍ، ونهضة.

صحيحٌ أنّ السوريين ما زالوا يصرخون بمقولة بابيون، بطل رواية الفراشة، لهنري شاريير: “ما زلْنا أحياءَ أيُّها السفلة”؛ غير أنّهم غدَوْا ضحيةَ قرار سياسيّ، كان من الممكن تجاوزُه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.