إدلب ((العقدة الجهادية)) على طاولة حوار الدول الضامنة في طهران

ملف التيار الجهادي في إدلب نقطة فهم المرحلة المقبلة وطبيعتها؛ لماذا؟

الأيام السورية؛ فرات الشامي

توشك ملامح الفصل الأخير من لعبة وأد ملف الثورة السورية على الانتهاء، وما سيطبخ في طهران اليوم الجمعة 7 أيلول/سبتمبر الجاري مرحلة مفصلية تتزامن مع اقتراب ذكرى ضرب تنظيم القاعدة لبرج التجارة الأمريكي العام 2001.

الدلالات لكل من أطراف الصراع اليوم واضحة؛ ويستعد العالم لمشاهدة المزيد من سلسلة حلقات الدم الإنساني التي على ما يبدو لن تتوقف في إدلب؛ فالمتتبع لسياسات واستراتيجيات الجماعات الجهادية يدرك تماماً أنّ الأرض لا تعني لهم شيئاً بقدر الفكرة على الاستمرار في ذات النهج العسكري.

إدلب اليوم كما يحلو للدول الضامنة تصويرها تتركز فيها مجموعات إرهابية؛ يعنون بذلك تنظيم القاعدة، أو عموم التيارات التي تحمل فكراً جهادياً سواء أكان عالمياً أو قطرياً، في مقابلة تجاهل من أوصل تلك الجماعات في حال صدقنا جدلاً بوجودها.

أجندة قمة طهران لن تتناول الحالة الإنسانية في “إدلب”؛ فما بات يعني المجتمع الدولي يتلخص في قضية الخلاص من البؤرة التي باتت تشكل خطراً مستقبلياً بحملها الفكر الجهادي الإسلامي.

التفاهمات الدولية حول إدلب ينظر لها بعض المحللون على أنها صراع أجندات؛ فيما يبدو واقعياً أن الجميع مشترك ولديه مصلحة في الشروع بالحملة العسكرية، مع اختلاف الأهداف والغايات، وتطابقها أحياناً.

المهللون للخطوات التركية الدبلوماسية يتجاهلون تماماً أنّ حكومة أنقرة تسير مرغمةً-إن أحسنا الظن-وفق مصلحتها القومية، التي تبدو متفقة وتدور في فلك الإرادة الدولية الساعية لإسقاط الثورة السورية.

مصلحة واشنطن أيضاً في تسريع هجوم قوات اﻷسد على إدلب لأنها في المحصلة ستقود إلى مجموعة من المعطيات:

  • إغراق تركيا وأوروبا باللاجئين؛ وما يعنيه ذلك من ضغوطات اقتصادية عليهما.
  • خلق شرخ في العلاقة الثنائية-المرفوضة أمريكياً-بين أنقرة وموسكو.
  • كما أنّ المعركة ستشكل ضغطاً على فصائل المعارضة المسلحة ﻻ سيما المتواجدة في عفرين، وهي فصائل مرفوضة من الوﻻيات المتحدة.
  • بالمقابل؛ فإن المعركة ستعني بكل تأكيد إضعاف إيران وحليفها نظام اﻷسد، وإنهاكهما اقتصادياً وعسكرياً.

الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية متقبلة حقيقةً لمهاجمة إدلب وﻻ يعنيها أمر المدنيين؛ وكأنّ الموت خنقاً أكثر صعوبةً من قتلهم بالصواريخ التي ستنهال على رؤوس العُزّل... إنها مشكلة أدوات القتل، وليس أرواح القتلى، وانتماءهم.

نظام الأسد بدوره لديه مصلحة في بدء عملٍ عسكري-محدود-على الشمال المحرر؛ كخطوة أولية لجس نبض الفصائل الثورية والجهادية، ومن ثم العمل على محاولة بسط نفوذه وسيطرته.

موسكو صاحبة المصلحة الأكبر في إنهاء الملف السوري، وتحديداً الجهادي، لاعتبارات كثيرة، في مقدمتها الحرص على قتل روح التحرك مجدداً في الدول الإسلامية الواقعة تحت سيطرتها، وبث الهزيمة في نفسية من يحاول الخروج من تحت عبائتها. هذا فضلاً عن وجود نية للترويج مرةً أخرى للحل السياسي الذي تسعى لفرضه، والذي يصطدم مع الرغبة اﻷوروبية.

روسيا تدرك بالطبع أنّ عملاً عسكرياً على إدلب دون تفاهم مع حكومة أنقرة سيعني احتمال خسارة موسكو للحليف التركي.

للمفارقة، تتلاقى عموماً مصلحة المجتمع الدولي مع رغبة الثوار في تعجيل العملية العسكرية على إدلب، مع اختلاف النتائج المرجوة منها في خدمة أجندة الطرفين.

احتمال انتصار الفصائل المعارضة رغم ضعفه على المدى البعيد، لكن المعركة تعني بجميع المقاييس إمكانية توحيد المقاتلين بعيداً عن مسميات الفصائل الهزيلة الموجودة اليوم، وستساهم في حال قُدِّر لها أسباب اﻻستمرار وبناء هيكل عسكري جديد كسر شوكة ميليشيات اﻷسد التي تؤكد الشواهد على اﻷرض أنها تعتمد على مرتزقة من جهة، ومن الناحية اﻷخرى تحاول الزج بالمقاتلين الذين ألزمتهم بالانضمام إليها بعد التسويات والمصالحات في درعا وغيرها، ما يعني احتمالية انفراط هذه الميليشيات، وبالتالي؛ عودة الكفة لصالح الثوار، وما يعنيه ذلك من التفكير أو البدء سريعاً بشن هجمات عكسية على فلول تلك القوات الموالية للأسد.

البحر من ورائكم والعدو من أمامكم... قاعدة ماثلة أمام الشباب الذين حملوا السلاح في وجه اﻷسد واﻻحتلالين الروسي-اﻹيراني، ما يجعل من السيناريو السابق قوياً ويرجحه مفخخات التيار الجهادي التي تنتظر اﻹشارة، وهذه النقطة التي ترعب الدول الضامنة تركيا، روسيا، إيران.

إحدى أبرز العقبات التي تواجه العملية العسكرية في إدلب تتمثل بوجود التيار الجهادي الإسلامي المزعوم، وهو ما ينبغي أن تناقشه قمة طهران، وليس الهجوم على الشمال، وهذا بالضبط ما يقود الدول الضامنة “موسكو، طهران، أنقرة” للحديث والإشارة لعمليات محدودة تستهدف الإرهاب كاستراتيجية لفصل المدنيين عنهم، وهي بالطبع تقصد ضرب أهداف ومواقع تمركز تلك التيارات “المزعومة”.

حقيقةً ثمة خشية من بدء ساعة الصفر ورغبة في إنهاء ملف إدلب قبل نمو التيار الجهادي الإسلامي على حساب بقية الفصائل الموجودة والمحسوبة على أنقرة، وربما تحالفه مع ما بقي من تيار وطني يرفض ما يحصل جملةً وتفصيلاً، كما يرفض الوصاية التركية أو الروسية.

يقابل تلك الخشية رغبة في تطمين اﻷسد أن نظامه باقٍ ويتمدد، وليس ثمة خوف من مهاجمة إدلب فيما عدا ضرورة عدم استخدام السلاح الكيماوي، ويمثل هذا الجانب واشنطن، موسكو، طهران.

تنصل متزعم لهيئة تحرير الشام “أبو محمد الجوﻻني” من تبعيته للقاعدة حقيقة ﻻ يختلف عليها اثنان، ويدرك الشارع في الداخل أنّ ممارسات قيادة الهيئة جرّت إدلب إلى منزلقٍ صعب، بل إنّ التشابه اليوم بين متزعم تنظيم الدولة “داعش”، أبو بكر البغدادي، يوازيه ويماثله “الجوﻻني”، مع فارقٍ بسيط ﻻ يكاد يذكر.

أمّا الحديث عن ذريعة وجود القاعدة فهي الخديعة الدولية التي تقبلناها برحابة صدر وتمت بناءً عليها الدندنة على وتر ومعزوفة “لولا هؤلاء لانتهينا”؛ في حين تغافل المحللون عن مسألة تهجير مقاتلي داريا، وقدسيا والغوطة الشرقية رغم عدم انتمائهم لأي تنظيم متشدد.

لا يمكن إغفال رغبة إيران في الانتهاء من الملف السوري لصالح حليفها بشار الأسد، للتفرغ للداخل الذي يهدد بالانهيار والانقلاب على حكومة الملالي.

بعد كل ما حدث خلال السنوات الفائتة، من الطبيعي أن تتولد قناعة واضحة أنّ المستهدف هو الثورة، ونذهب أبعد من ذلك للتأكيد على تواطؤ دولي ﻹسقاط الحراك الشعبي، وإعادة تدوير نظام اﻷسد.

المعادلات المتشابكة السابقة والمعقدة، يحلها لغز بقاء أو إنهاء التيار الجهادي والوطني اللذين يرفضان الوصاية الخارجية. ومالم يتم حسم هذا الملف ستبقى رحى المعارك تدور على شكل حرب عصابات؛ في حال تمكن اﻷسد بفضل قوة حلفائه من السيطرة على بعض المناطق أو أغلبها في الشمال.

كما أنّ العملية العسكرية أكبر بكثير من جميع المؤتمرات التي ستعقد بين الثلاثي الروسي-التركي-اﻹيراني، ما يؤكد أنّ المرحلة المقبلة يمكن معالجتها بضربات محدودة تستهدف قيادات التيار المتعنت “جهادي/وطني” ﻻ يهم، واﻻحتمال اﻷقوى ضرب الشارع المتململ من الحرب بالمقاتلين، لكن مع احتمال نزوح أعداد كبيرة من المدنيين باتجاه تركيا؛ فإنّ هذه المعادلة تصبح ساقطة.

اﻷرض هي التي ستحسم الملف، ويبدو من خلال استقراء داخلي واقعي أنّ الكرّ والفرّ سيكون سمة المرحلة المقبلة، مع صعود تيار جديد وأسماء جماعات معارضة قد تقلب الطاولة مجدداً وتعيد خلط اﻷوراق.

عقدة التيار الجهادي ستكون على رأس قائمة التداول بين الدول الضامنة “تركيا، روسيا، إيران”، قبل بداية أي عملية عسكرية على إدلب، فما يتبناه هذا الفكر في استراتيجيته القتالية ﻻ يعتمد على اﻻحتفاظ بالرقعة الجغرافية بقدر ما يهتم بتكتيكات تؤلم عدوه على المدى البعيد وتستنزفه؛ ما يعني إجباره على اﻻنسحاب أو التفاوض مستقبلاً.

قمة طهران من المفترض أن تناقش ((العقدة الجهادية))؛ وليس العملية العسكرية المرتقبة. أما الشارع السوري الثائر والمحاصر داخل رقعة جغرافية لا تساوي 2% من مساحة سورية، يدرك أنّ الحرب عليه هي معركة مصالح وعائدات اقتصادية، كتلك اللوحة التي رفعت في معرة النعمان قبل أسبوع تحديداً في 31 آب الفائت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.