إدارة دي ميتسورا وتضييع الوقت: اعتماد منهجيّة الإصلاح الإداري بدلاً من بناء الدولة-د. محمد مرعي مرعي

هناك مقاربتان في الإصلاح والتطوير الإداري مستخدمتان في كافة دول العالم، تختار كل دولة المقاربة التي تناسب واقعها ومستوى تطورها والإرادة السياسية الحقيقية في التطوير من عدمه. الأولى تعتمد البدء من فوق إلى تحت والثانية بالعكس من تحت إلى فوق وذلك لإصلاح وتطوير 6 محاور هي :(غرس ثقافة الإصلاح الاداري،إعداد القيادات الإدارية، تنمية الموارد البشرية، الأتمتة الادارية،بناء الهياكل وتطوير نظم العمل و تبسيط الاجراءات،استخدام التكنولوجيا الحديثة ) وبسرعات متباينة تبعا لأولويات تحقيق الأهداف المحددة ، ومحاور أخرى فرعية تتبع لها .
في الدول التي لا تقبل منهجية التطوير والإصلاح الاداري يتم اتباع اسلوب العمل من الأعلى ( فوق ) إلى الأسفل وهذا مستحيل التطبيق وكأنه عملية بناء ( بناية ) من أعلى طابق إلى الطابق الأساس ، وهذا ما اتبعته الحكومات السورية خلال تاريخها وفشلت كافة التجارب لأنها تعرف مسبقا أنها ستفشل وبتعمّد (هنا أذكر تجربة شخصية لي مع الفريق الوطني للإصلاح الإداري في سوريا بين عامي 2000 – 2003 ، خلال دورة تدريبية مع الفريق إلى مدرسة الإدارة العامة في باريس ، حين عرض علينا المدربون الفرنسيون منهجية الإصلاح الإداري التي سيتبعونها في سوريا بإشراف المستشار الخاص للرئيس شيراك آنذاك ، وذلك باعتماد الأسلوب من فوق إلى تحت مبتدئين بإعداد القادة الإداريين وإحداث المعهد الوطني للإدارة العامة في سوريا الذي أحدث بعد 60 سنة من استقلال سوريا في حين أحدثته دول أفريقيا الصحراوية في سنة الاستقلال ولن أتحدث عن فشله المتعّمد منذ إحداثه لكونه كان مرتعا لأجهزة الأمن وحزب البعث وللإنتقائية الطوائفية ، وحين اعترضت على المنهجية بحضور المشرف على الدورة كونها خاطئة ولن تؤدي إلى شيء ، قال لي بالفرنسية : (أنا متفق مع رئيس دولتك على هذه المنهجية وإذا كان لديك اعتراض اذهب إليه واعترض ولن اسمح لك بإثارة الموضوع ثانية أمام زملائك ؟). فهمت آنذاك بأن كل ما سيتم فعله هو استعراضات إدارية لن تفضي إلى شيء وخطة منهجية لاستمرار التخريب ، وبدأت بعدها بعرض النتائج الوخيمه لهذا الخيار على مستوى سوريا أمام طلابي والمتدربين في المعهد العالي للتنمية الإدارية الذي كنت عميده وبمقالات في الصحافة السورية لتوضيح النهج الخاطئ المتبع الذي سيقود البلاد إلى كارثة ونحصد نتائجه اليوم .
يا سيد دي متسورا : أنت تعرف الفرق بين منهجية الإصلاح الإداري التي تتبعها بدءا من الأسفل ومن ثم نحو الأعلى للوصول إلى الإصلاح الإداري الشامل ، وبين منهجية بناء الدولة التي استبعدتها وتبدأ من الأعلى عبر اختيار رئيس دولة وهياكل رئاسة دولة ومنظوماتها من الأجهزة التشريعية والقضائية والتنفيذية والفصل بين صلاحياتها ومهامها وآليات العمل في تلك الأجهزة كي تصل الدولة بالنهاية للأسفل وإلى مرحلة الاستقرار والعمل بشكل صحيح ومن ثم النجاح .
أنت اخترت المنهجية التي ستفشل مسبقا عكس ما طرحه (كوفي انان) من قبلك ورجل الدولة والذي يعرف بدقة كيف تبنى الدول ،لأن سوريا ليست إدارات تحتاج إلى اصلاح وتطوير،بل سوريا تحتاج إلى دولة بكافة مكوناتها وأجهزتها ومنظومات عملها ، ويعرف كل متخصص كفوء أنك اخترت المنهجية الأسهل غير الصالحة لسوريا والتي قد تعطيك نجاحا اعلاميا محدودا فقط وتبقي الوضع دون حل إلى الأبد . ويعرف المتخصصون أنك اخترت المنهجية الخطأ (سواء بنيّة خبيثة أو صادقة ) دون أن تدرك وتشاهد أن سوريا دمّرت تماما : لا دولة فيها ولا مؤسسات وشعب هجر منه 12 مليون من أصل 23 مليون واستشهد وقتل حوالي 300 ألف وجرح وأصيب حوالي 500 ألف وهناك 200 ألف معتقل و5 ملايين طفل خارج المدارس ، وتأتي يا دي متسورا لتحلّ الكارثة السورية متبعا منهجية إصلاح المؤسسات والإدارات !
طبعا ، السلطة الإجرامية المدمّرة يناسبها ذلك لأنها حين كانت تمتلك كافة السلطات المطلقة لم توافق رغم اعلان قبولها حتى على تطبيق منهجيتك لإصلاح الإدارات فيها طيلة 50 عاما كونها قد تبدأ بفتح باب الاصلاح الذي قد يزيلها يوما ما ، والائتلاف الفاسد وملحقاته سيقبلون بمبادرتك لأن أعضائه الجهلة إما من الغرباء عن سوريا الذين كانوا يقضون أوقاتهم على أرصفة مقاهي دول الاغتراب أو من مرتزقة ثورة الشعب ولصوصها الذين يرغبون بالعودة إلى الهدوء للشروع مع أبنائهم باستثمارات أموالهم التي سرقوها من حساب الشعب الثائر أو ممن يدّعي النضال وكان سجينا سياسيا أو مثيله من اتباع التنظير الماركسي اللينيني البائد أو من اتباع الإخوان المسلمين الذين يسترشدون بنهج المرشد الأعلى الشيعي الفارسي المدمّر للمجتمعات والدول والأخلاق والدين . الطرفان سيقبلون بمبادرتك لأنهما إما يرغبان ببقاء الوضع على ما هو عليه لاستدامة سلطاتهم المنحسرة يوما بعد يوم أو للرغبة بتحوّلهم لرجال أعمال بعد سرقاتهم أو لجهلهم في منهجيات بناء الدول وأسسها . لكن الشعب الذي ثار على الطغيان والجرائم والفساد والذل والهوان لن يقبل بها يا سيد متيسورا وسيبقى بفضل من سيقدم له النصح العلمي والمنهجي في ثورته حتى الوصول إلى غايته وتحقيق أهداف ثورته التي تعرفها جيدا أنت والسلطة المنحسرة وأعضاء الائتلاف وملحقاته في كراسيهم المستعارة بالخارج .
لقد أصاب عبد الحليم خدام الذي شارك النظام 50 عاما بفساده وجرائمه بعبارة واحدة كان صادقا بها طيلة حياته :” النظام عصي عن الاصلاح ، إما أن يقبل كله أو أن يزال كله ” .
الأخوة أبناء الشعب الثائر ، منهجية وأسس بناء الدولة معروفة وواضحة ، والقضية في سوريا ليست اصلاح إدارات وحل مشكلات في القرى وأحياء بعض المدن كما يدعي دي متسورا فلا تعطوا أية أهمية لمبادرته ، لأنها إن كانت بنيّة صادقة فلن تصل إلى نتيجة ايجابية تحقق أهدافكم؛ لأنها خاطئة علميا ومنهجيا وإجرائيا ، وإن كانت بنيّة خبيثة ( وعلى الأغلب كذلك ) فإهمالها وكأنها لم تكن هو ما يجب أن تتبعوه ، فطريق الوصول إلى الكرامة والحرية والعدالة المجتمعية والمساواة ودولة المواطنة والقانون يتحقق باستمرار الثورة، وليس بمبادرات مخادعة أو جاهلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.