أيهما أقرب… التهدئة أم التصعيد الأميركي الإيراني في ظل جائحة كورونا؟

17
بقلم: هدى رؤوف

لم يخفف التوتر بين أمريكا وإيران، سوى جائحة كورونا التي اجتاحت دول العالم، وتسيّدت الأخبار وتوارى ما عداها من أحداث. لكن هذا لم يعن انتهاء التوتر أو تهدئته، بل التصعيد هو المرجّح حتى الآن، وذلك لعديد من المؤشرات؛ الجواب الكاتبة هدى رؤوف تحدد هذه المؤشرات في المقال التالي، فلنقرأ معا.

في ظل ما يشهده العالم من كارثة إنسانية بفعل تداعيات أزمة فيروس كورونا الصحية والاقتصادية التي تستوجب التعاون والتكامل الدوليين، ومِن ثمّ تهدئة التوترات السياسية والنزاعات من جهة، وفي ظل المعطيات المرتبطة بتدهور الوضع في إيران على غرار تلك الكارثة الإنسانية التي وضعت طهران في ترتيب أعلى الدول من حيث الإصابات والوفيات التي بلغت وفقاً لتقرير جامعة جون هوبكنز 65 ألف إصابة و4000 حالة وفاة.

تأسيساً على ما سبق من معطيات لاحت في الأفق تساؤلات بشأن ما يمكن توافره من فرص للتهدئة بين الولايات المتحدة وإيران. لا سيما أن منحنى العلاقة بينهما شهد تصعيداً منذ نهايات عام 2019، وتوّج هذا التصعيد بمقتل اللواء قاسم سليماني على يد الولايات المتحدة بالعراق.

لم يخفّ التوتر بين البلدين الممتد منذ يناير (كانون الثاني) مطلع العام الحالي وحتى الربع الأول منه سوى جائحة كورونا التي اجتاحت دول العالم، وتسيّدت الأخبار وتوارى ما عداها من أحداث.

لكن هذا لم يعن انتهاء التوتر أو تهدئته، بل التصعيد هو المرجّح حتى الآن، وذلك لعديد من المؤشرات، على النحو التالي:

أولاً: اعتبرت طهران أن ما تواجهه من أزمة كورونا سببه حرب بيولوجية، شنّتها الولايات المتحدة، وصممت هذا السلاح البيولوجي ليناسب الجينات الإيرانية، كما تبادل البلدان الاتهامات بشأن تدهور الوضع في إيران بسبب الأزمة، إذ اعتبرت طهران أن العقوبات أعاقت قدرتها على استيراد المعدات الحيوية للسيطرة على الوباء، ما دفعها إلى المطالبة برفع العقوبات الأميركية المفروضة عليها.

ورفضت الولايات المتحدة رفع العقوبات، واعتبرت أن هناك إعفاءات تتمتّع بها السلع والمساعدات الإنسانية والطبية تستفيد منها إيران، فضلاً عن الإشارة إلى الآلية التي استحدثتها سويسرا، وهي مبادرة الحكومة السويسرية لتطوير آلية للتجارة الإنسانية، بالتعاون مع السلطات الأميركية.

وأجرت شركة أدوية في يناير (كانون الثاني) صفقة تجريبية لترتيب التجارة الإنسانية السويسرية (SHTA)، وأرسلت 2.3 مليون يورو من الدواء إلى إيران من خلال بنك التجارة والتداول.

وأعلنت واشنطن أن SHTA كانت تعمل بكامل طاقتها في 27 فبراير (شباط)، ومنذ ذلك الحين أشار المسؤولون الأميركيون إلى أن القناة وسيلة لإرسال المساعدة وسط تفشي الفيروس.

الموقف الأميركي يشير إلى عدم حدوث تغيير في ما يخص تخفيف سياسة الضغط الأقصى التي تتبعها الإدارة تجاه طهران.

ثانياً: قدّمت إيران أول طلب إلى صندوق النقد الدولي منذ تأسيس النظام طالبة قرضاً بقيمة 5 مليارات دولار، فقامت الولايات المتحدة برفض قبول الطلب، مبررةً ذلك بأن النظام الإيراني “لديه أموال” لا تزال تحت تصرّفه يمكنه استخدامها لمكافحة وباء كورونا.

ثالثاً: استمرار هجمات الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران على معسكر التاجي بالعراق، لاستهداف الجنود الأميركيين خلال مارس (آذار)، أي في ظل معاناة طهران من أزمة كورونا، ما يدل على استمرار المقاربة الإقليمية الإيرانية ذاتها للضغط على الولايات المتحدة على الرغم من الأزمة الداخلية.

رابعاً: أحد مؤشرات عدم التهدئة بين الطرفين واستمرار التوتر، أن حذّرت إيران الولايات المتحدة من أنها تقود منطقة الشرق الأوسط إلى كارثة وسط جائحة الفيروس التاجي بعد نشر صواريخ باتريوت للدفاع الجوي بالعراق، وذلك لحماية القواعد العسكرية التي يستخدمها جنود أميركيون وقوات التحالف بعد عدة هجمات من الميليشيات العراقية المرتبطة بإيران، لذا ستنشر إحدى هذه البطاريات في قاعدة عين الأسد والأخرى في أربيل بكردستان العراق. واعتبر بيان وزارة الخارجية الإيرانية أن الانتشار الأميركي “يتعارض مع الموقف الرسمى للحكومة العراقية والبرلمان والشعب”.

هل ثمة فرصة لإجبار إيران على التفاوض مجدداً؟

لذا، في ضوء ما سبق من غير المحتمل أن ترفع واشنطن العقوبات المفروضة على طهران بحجة مواجهة كورونا حتى في ظل الضغط الإيراني سواء من جهة الهجمات على القواعد الأميركية بالعراق أو بإثارة أنّ العقوبات هي السبب وراء ضعف مكافحة كورونا بإيران.

أيضاً من غير المحتمل أن تستهدف إيران التهدئة والمفاوضات مع الولايات المتحدة، لا سيما أنها ربما تنتظر إطاحة أزمة كورونا فرص الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الفوز بولاية ثانية، لذا ربما تعمل طهران على الانتظار.

لكن، بموازاة ذلك ربما تفكّر طهران في رفع تكلفة سياسة ترمب تجاهها من جهة، ومن جهة أخرى تحاول أن تخرج من الضغوط الداخلية وفشلها إزاء القضاء على وباء كورونا بأن تستمر في دفع وكلائها الإقليميين في العراق بمهاجمة القوات الأميركية لرفع تكلفة الوجود الأميركي بها، وربما إخراجها.

أي أنه يمكن للتصعيد الإقليمي أن يكون خياراً مفضلاً للإيرانيين فقد يحوّل الانتباه عن المشكلات الاقتصادية المتزايدة والاستياء الشعبي في الداخل، وتحقيق الهدف المنشود منذ وقت طويل، وهو إخراج الولايات المتحدة من بغداد مع انخفاض مخاطر رد فعل عنيف، بالنظر إلى انشغال الرئيس ترمب باحتواء انتشار كورونا وتداعياته الاقتصادية في الولايات المتحدة.

لكن، إذا أرادت إيران التهدئة مع الولايات المتحدة فربما يكون ذلك من خلال الإفراج عن المسجونين الأجانب مزدوجي الجنسية، باعتباره أحد أوراق التفاوض التي لا تمسّ أهدافها الإقليمية من أجل الحصول على مساعدات إنسانية وطبية لمواجهة وباء كورونا، من دون أن تلجأ طهران إلى توظيف التصعيد في ملفها النووي حتى لا تخسر دعم حلفائها الروس والصينيين والأوروبيين.


هدى رؤوف، كاتبة مصرية متخصصة في الشأن الإيراني والإقليمي.

مصدر المقال منشور في موقع اندبندنت بتاريخ10 نيسان/ أبريل 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.