أوّل ديانة توحيدية عرفها البشر.. كيف يعيش الصابئة المندائيّون اليوم في العراق؟

واجهت هذه الأقلية العراقية تحديات مؤخرا، بسبب تصاعد أعمال العنف واستهداف الأقليات في العراق، الأمر الذي اضطر أعدادا كبيرة منهم إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية بحثا عن الأمان.

25
الأيام السورية؛ سلام محمد

يعدّ الدين الصابئي أوّل دين توحيدي عرفته البشرية، والصابئيون هم أوّل من اتبع أبا الأنبياء إبراهيم الخليل، ويتبعون كذلك من الأنبياء “آدم” ثم “شيتل بن آدم” و”نوح” و”سام بن نوح” و”إدريس”، ويعدّ “يحيى بن زكريا” آخر أنبيائهم. وتكررت كلمة الصابئة في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع مختلفة: في سورة البقرة ( الآية 62) وسورة المائدة (الآية 69) وفي سورة الحج (الآية 17).

والصابئة ديانة مسالمة وغير تبشيرية، لا يمكن دخول معتنق جديد لها، شعارها اللون الأبيض، كما أنهم لم يخوضوا أي حروب، طيلة تعايشهم مع الأديان الأخرى التي تلتهم بالتوحيد.

أصل التسمية

كلمة الصابئة مشتقة من “صبا” والتي تعني باللغة المندائية “اصطبغ” أو “غطس في الماء”، إذ الغطس في الماء(التعميد) هو أحد أهم شعائرهم الدينية، فالصابئة حسب معتقدهم، هم المصطبغون بنور الحق والتوحيد والإيمان، كما أن هناك تقليد ديني مندائي يتضمن إطلاق اسم ديني على الصابئي بالإضافة إلى اسمه المعلن، ويستعمل هذا الاسم في طقس التعميد والمناسبات كالزواج والوفاة وغيرها، ويسمى بـ”الملواشة” وهو اسم ديني حيث ينسب الفرد إلى أمه.

يتكلم الصابئة اللغة العربية والآرامية والسريانية القديمة، لكن كتبهم المقدسة مكتوبة باللغة العراقية الأصلية “المِندائية”، كما يفتتح الصابئة كلامهم بـ”ابْشوميهون أد هيي ربي” وتعني بالعربية بسم الله الحي العظيم.

البدايات الانتشار

كان الصابئة، في البداية، منتشرين في بلاد الرافدين وفلسطين، ولا يزال بعض أتباع هذا الدين موجودين في العراق، كما أن هناك بعض الصابئة في الأحواز.

آمن الصابئة المندائيون بتعاليم الخليل إبراهيم عليه السلام، واحتفظوا بصحفه ومارسوا طقوس التعميد التي سنها لهم واستمروا عليها إلى يومنا هذا، كما هاجرت مجموعة منهم معه إلى حرّان، وبقيت المجموعة الأخرى في العراق.

وقد عرفـوا فيما بعد بحراس العهد، وهم الذين أسسوا بيوت النور والحكمة فيما بعد، على ضفاف الأنهار في وادي الرافدين لعبادة الله ـ رب العظمة، واتخذوا من الشمال الذي دعاه السومريون قبلة لهم لوجود عالم النور “الجنة”. وأشار العديد من المؤرخين إلى أن معتقدات الصابئة المندائية برزت لأول مرة في جنوب ما بين النهرين، وذهب هنري لايرد عالم الآثار البريطاني الذي أسهم في الكشف عن الآثار الأشورية، إلى أن الدين الآشوري في أيامه المبكرة الأولى وقبل أن تمسه التأثيرات الفارسية وغيرها امتداد للدين البابلي أو الصابئي.

المندائية اليوم والطقوس غير المكتملة

لم يتمكن الصابئة المندائيون منذ سنوات، من ممارسة جميع طقوس احتفالهم بل اكتفوا ببعضها بسبب أعمال العنف التي يشهدها العراق.

واحتفل المندائيون في تموز/يوليو 2017 بعيدهم في جزيرة السندباد بالبصرة “وهو مكان غير لائق مملوء بالنفايات ولا يليق بهذه الطائفة وجذورها التاريخية ومكانتها في المجتمع الدولي بشكل عام، ويتعرض أبناء الطائفة لتصرفات وإجراءات مبطنة لا تمت بصلة للمجتمع المتحضر ومتعدد الديانات.

هجرات حديثة

وواجهت هذه الأقلية العراقية تحديات مؤخرا، بسبب تصاعد أعمال العنف واستهداف الأقليات في العراق، الأمر الذي اضطر أعدادا كبيرة منهم إلى الهجرة الداخلية أو الخارجية بحثا عن الأمان.

الديانة الصابئية وعلاقتها بالماء(مصر 360)

ورغم غياب الإحصائيات الرسمية بخصوص عدد أبناء الطائفة المندائية في العراق، إلا أنه يقدّر عددهم بنحو 1500 عائلة في جنوب العراق فقط، ولم يبق منهم سوى بضع مئات حاليا.

ويُقدّر، اليوم، عدد الصابئة في جميع أنحاء العالم بـ50 ألفًا كان معظمهم في العراق، وهجرتهم من البلد بدأت منذ الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) لتتصاعد مع الحروب التي تلتها، فقد هُجّرمنهم الآلاف بعد حرب الخليج الثانية إلى المدن الإيرانية المتاخمة للحدود العراقية، ولم يتبق غير 3000 صابئي موزعين بمدن العراق، أما بعد سقوط بعض مدن العراق في أيدي “داعش” في عام 2014، ومحاربتهم لأتباع الديانات الأخرى، فلا يُعرف على وجه الدقة عددهم الحالي.

ويشير باحثون إلى أن التهميش الذي لحق بهذه الطائفة العريقة بسبب قلة عدد أفرادها؛ جعل الحكومات المتعاقبة في العراق تهملهم دون أن تمنحهم أي نصيب من الخدمات والحقوق.

الأعياد

أشهر أعيادهم، عيد “البروانايا أو البنجة” ويُعرف أيضًا بعيد الخليقة، وتتوافق هذه المناسبة المقدسة مع شهر مارس/آذار الميلادي وهو شهر الربيع والخصب والميلاد لدى العراقيين القدماء، و”البنجة” احتفال ديني أكثر مما هي عيد إذ تجري فيها احتفالية تعميد لكل الصابئة في الماء الجاري وتقام في هذه الأيام الوجبات الطقسية “اللوفاني” على روح المتوفى، وتشمل تقديم اللحم والسمك، وكذلك تقدم الصدقات للمحتاجين، ويعتبر الزواج والمعاشرة وشرب الخمر ولعب القمار من المحظورات في هذه الأيام الطاهرة.

تميّز ومشاهير

امتاز الصابئيون ببراعتهم في الفلك والكيمياء والرياضيات، وأشهر العلماء الصابئيين ثابت بن قرة وسنان بن ثابت، أما في العصر الحديث فأبرزهم عالم الفيزياء العراقي عبد الجبار عبد الله، أول رئيس لجامعة بغداد وعالم الفلك عبد العظيم السبتي، وأيضًا الشاعرة لميعة عباس عمارة والشاعر عبد الرزاق عبد الواحد.

مصدر بي بي سي الأناضول،الحرة الجزيرة نت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.