أوراق منسية من تاريخ النضال النسوي الثوري في سوريا

هل كانت الحركة النسوية في سوريا بمعزل عن الشأن السياسي والعام في البلاد؟ وهل كانت المرأة السورية مشاركة نشطة ضد الوجود العثماني، وبعده ضد الاحتلال الفرنسي في سوريا؟.

الأيام السورية؛ كفاح زعتري

معاً نحو تمكين المرأة، وتغيير الصورة النمطية عنها في الإعلام M4W

بدأت الحركة النسوية مرحلة جديدة مع عشرينيات القرن العشرين، إذ اتخذ الحِراك فيها مسارًا جديدًا تمثل في محاولة الانخراط في الحياة العامة حيث ظهرت الجمعيات النسائية التي ركزت على قضايا تعليم المرأة وخروجها إلى العمل في البداية ثم تطور الخطاب ليتمحور حول الحقوق السياسية، فضلًا عن الدور الأصيل الذي لعبته الحركة النسوية خلال هذه الفترة في مناهضة الاستعمار الفرنسي ومقاومته حتى استقلال سوريا في العام 1946.

مشاركة المرأة السورية في الشأن العام

لم تكن الحركة النسوية بمعزل عن الشأن السياسي والعام في البلاد، بل كانت المرأة السورية مشاركة نشطة ضد الوجود العثماني، وبعده ضد الاحتلال الفرنسي في سورية.

كانت المرأة السورية مشاركة في مقاومة الاحتلال العثماني ثم الفرنسي، اعتقلن واستشهدن، شكلن الجمعيات الإنسانية والثقافية، أصدرن المجلات والصحف، وعملن بالشأن العام.

سنستعرض فيما يلي مجموعة من المواقف المضيئة للنساء السوريات ودورهن في النضال الوطني والثورات الوطنية.

اجتماع مستر كراين بنساء الشهداء بدمشق سنة 1922

نازك العابد بالزي العسكري(التاريخ السوري)

اجتمع (كراين) رئيس اللجنة الأمريكيّة التي جاءت تستطلع آراء الشعب السوري وبحث القضية العربية معهم، بوصفه رئيساً للجنة التي سبق أن زارت سوريا في سنة 1919 لإجراء استفتاء فيها، بنساء الشهداء.

عُقد الاجتماع في حي “المهاجرين” في بيت الشهيد المرحوم شكري العسلي،

قالت زوجة المرحوم رشدي الشمعة مخاطبة السيد (كراين) وهو برفقة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر في بيت شكري العسلي: “لم يمت رشدي بك إلا لأجل سلامة الوطن، وإن هذه المحن التي نئن منها توجعه في جدسه، فإن لم تترفقوا بالأحياء يا سيدي، بالله ترفقوا بالأموات، ولا توجعوهم في مضاجعهم”.

وروى حسن الحكيم ما قالته إحداهن يومئذ: “لا تحرمونا من صوت الحرية، وتلقونا في مهاوي الاستعباد، إن حياتنا تكون عبئاً ثقيلاً إذا كان رجالنا أرقاء، لأن زوجة الرق لا يحق لها أن تكون سيدة في بيتها”.

وعن هذا الاجتماع كتب الزعيم الدكتور عبد الرحمن الشهبندر فصل من مذكراته عنوانه “اجتماع كراين بنساء الشهداء”

مظاهرة نسائية في دمشق عام 1922

يوم اعتقلت السلطة الفرنسية عدداً من الرجال الوطنيين سنة 1922 لم تتوان نساء دمشق عن الاحتجاج على الظلم بالتظاهر، تجمعن وتنادين للخروج في أول مظاهرة نسوية منظمة.

يوم العاشر من شهر آب/ أغسطس 1919 خرجت 70 امرأة بمظاهرة، ورحن يهتفن للحرية والاستقلال، ويحيين رجال الوطن ويلوحن بمناديلهن البيضاء.

سارت تلك المظاهرة النسائية إلى القنصلية الأمريكية ثم إلى القنصلية الإيطالية ومنها إلى القنصلية البريطانية ثم سرن في طريق القلعة إلى سوق الحميدية، وهنا حالت السلطة دون مرورهن وأجبرتهن على الرجوع بالطريق الذي أتين منه، وعندما وصلن أول طريق الصالحية قامت الشرطة بتفريقهن بالقوة.

كتب المناضل حسن الحكيم عن هذه المظاهرة في مذكراته ما يلي:

“كانت دمشق في هيجان عظيم تغلي كالمرجل، وكانت أخبارها تأتينا إلى السجن برغم ضرب الفرنسيين نطاقاً حاجزاً حولنا ولكن لم يظهر أثر ملموس لهذا الغليان إلا يوم الاثنين في العاشر من شهر أغسطس إذ جرى أعظم حدث اجتماعي في تاريخ دمشق، عاصمة العرب، وهذا الحدث هو أن سبعين آنسة وعقيلة، اجتمعن عصر ذلك اليوم في منزل عقيلة الدكتور عبد الرحمن الشهبندر وخرجن بمظاهرة برغم أنف الشرطيين ومأموري التحري، ورحن يهتفن للحرية والاستقلال، ويحيين رجال الوطن ويلوحن بمناديلهن البيضاء.

وما إن وصلت أخبار السيدات وما قمن به حتى دب الحماس في جميع الطبقات التي راحت تظهر عواطفها نحو الموقوفين، واحتجاجها على المستعمرين بإغلاق الحوانيت بحيث أصبحت المدينة مضربة إضرابا عاماً بأقل من لمح البصر”.

منشور تاريخي قبل معركة ميسلون 1925

منشور تاريخي وثائقي وزعته جمعية “نور الفيحاء” التي كانت ترأسها السيدة نازك العابد، على نطاق واسع في دمشق يدل على مناهضة أعضاء الجمعية لمؤامرة الحلفاء قبيل معركة ميسلون هذا نصه:

“يا رجال الوطن..

النساء تدعوكم يا حماة الوطن وأركان الشرف إلى التقدم إلى الأمام لتذودوا عن بيوت تأمن فيها بناتكم، ويرتكز فيها عزكم وشرفكم.

إلى التقدم، إلى الأمام، حيث العدو يريد طعنكم في مقتلكم، والقضاء على آخر أمل لكم في الحياة.

لسنا نساءكم إذا لم تفدوا هذا الوطن المقدس بدمائكم كما فداه آباؤكم وأجدادكم، فالأمة كلها من ورائكم تمدكم بالمستطاع، وهذا ملككم الذي بقي السنين في حومة الوغى لإنقاذكم من أيدي الترك، يسير إلى الأمام لإنقاذكم من أيدي الفرنسيين الذين غدروا به وبحكومته وبكم، وبشرف الإنسانية جمعاء. وإن ما لاقاه ملك سوريا المعظم من عزم الأمة السورية الأكيد في دفاعها عن شرفها أيد ما يعتقده فيكم، فلا تخيبوا حسن ظنه، بل أيدوه وحافظوا على النظام ليقال عنكم إنكم أمة تستحق الإعجاب والاحترام.

وأنتن، يا نساء الوطن، تدعوكم جمعية الهلال الأحمر النسائية للحضور إلى مدرسة بنات الشهداء لأمور وطنية مهمة”.

ومن أهم النساء اللاتي وقعن على البيان، رئيسة جمعية الهلال الأحمر النسائية: نازك العابد. سعاد مردم بك، فاطمة مردم بك، إسعاف النابلسي، رفيعة العابد، أديبة مردم بك، ليلى ترزي، شفيقة تحسين قدري، سلوى غزي، مزلان مردم بك، منيرة البنا، أسماء جبرائيل عيد”.

الثورات السورية المتعاقبة ضد الاستعمار الفرنسي

زكية هنانو (فيس بوك)

خلال الثورات السورية المتعاقبة ضد الاستعمار الفرنسي شاركت النساء السوريّات في النضال ضد الاحتلال، ويذكر المؤرخ الكاتب ظافر القاسمي في كتابه “وثائق جديدة عن الثورة السورية الكبرى 1925- 1927” حوادث وأخبار عديدة عن دور المرأة في الثورة السورية.

فيذكر قصة السيّدة عزيزة بنت محمد حسن حصريّة في العام 1926 التي قامت بالعمل لمصلحة الثورة، حتى أنّها سيقت إلى المجلس العدلي لتحاكم بتهمة التجسس لحساب الثوّار ومصلحة الثورة؛ لكن المحكمة برّأتها من التهم المنسوبة إليها بسبب نقص الأدلّة.

وقصة المناضلة رشيدة الزيبق، حرم المجاهد حسن الزيبق، التي صودرت بندقيتها وهي تقاتل إلى جانب زوجها، مرتدية ثياب الثوّار، وتخوض مع المجاهدين معارك الشرف في معارك “الغوطة”.

وصورة “رشيدة الزيبق” بلباس النضال المسلح منشورة في الصفحة 57 من كتاب الدكتور عبد الرحمن الشهبندر عن “الثورة السورية الوطنية”.

كما أن النساء السوريات نقلن الرسائل للثوار، وطبخن الأطعمة لهم، وأوصلن السلاح تحت ملاءاتهن، كما تقول السيدة خديجة السبسبي، بأنها كانت تنقل الذخيرة لزوجها ورفاقه داخل ملاءتها إلى الغوطة، وأنها خبأت داخل لباسها الذخيرة والرسائل وبعض الوثائق عندما داهم الفرنسيون بيتها في محاولة للقبض على زوجها.

ولا ننسى ما فعلته السيدة زكية هنانو، شقيقة إبراهيم هنانو، وكذلك ابنته نباهة هنانو، التي كانت ترافق أبيها وهي فتاة لا تتجاوز من العمر الثالثة عشر من عمرها، مرتدية ثياب الرجال، تحضّ المجاهدين على القتال، وتثير فيهم الحميّة والشجاعة.

مؤتمر المرأة الشرقية في دمشق عام 1930

عُقد في دمشق أول مؤتمر للمرأة الشرقية عام 1930، المؤتمر عُقد في مبنى الجامعة السورية، ولكن إدارة الجامعة بعد الجلسة الأولى منعت المؤتمر من متابعة أعماله على مدرجاتها، فانتقل إلى باحة مدرسة الجامعة العلمية.

شارك في المؤتمر عدد كبير من السيدات الشرقيات من لبنان، والعراق، ومصر، ولبنان، وفلسطين، وأفغانستان، وإيران، والحجاز… وعدد من المنظمات الدولية. بحضور وفد من نساء سورية برئاسة نور حمادة، التي كانت أيضاً رئيسة المؤتمر، وعضوية عدد من السيدات السوريات، منهن، أسماء جبرائيل عيد حرم فارس الخوري، الآنسة طلعت مردم بك، الآنسة أسمى العظم، نازك العابد، السيدة فائقة المدرس، الآنسة بهية كواكبي، والآنسة نظلة الموسوية.

شارك في المؤتمر إضافة للوفد الرسمي السوري أكثر من ثلاثمئة امرأة سورية، وعشرات النساء من الدول العربية والمشرقية المختلفة، استمر المؤتمر خمسة أيام، ناقشت فيه نساء الشرق قضايا المرأة، وألقت معظمهن خطباً عن الحركة النسائية في بلادهنّ.

وألقت نساء سورية الكلمات الاجتماعية المثيرة وتطرقن للعديد من القضايا التي تمسّ واقع المرأة الشرقية، وسبل تحررها، ودفعها لتأخذ مكانتها بالمجتمع والدولة.

اختتم المؤتمر أعماله بعد خمسة وكان من أهم التوصيات التي خرج بها “نشر العلم بين النساء، القضاء على زواج الصغار وتحديد سن الزواج، إبطال تعدد الزوجات، تعديل قانون الطلاق وجعله موافقاً لروح العصر، نزع الحجاب تدريجياً مع مراعاة المستوى التهذيبي، وإصلاح حال المرأة اجتماعياً ومدنياً وسياسياً واقتصادياً”.

المؤتمر النسائي الأول في دمشق(التاريخ السوري)

اجتماع سيدات دمشق في الجامع الأموي الكبير

تنادت سيدات دمشق للاجتماع في الجامع الأموي الكبير بدمشق يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1934، احتجاجاً على وقف الحياة النيابيّة بعد رفض معاهدة (دومارتل ـ العظم) وردّاً على محاولات انتقاص الوحدة والاستقلال، وكنّ أكثر من مئة سيّدة محجّبة، واشتبكت السيّدات مع الشرطة التي لم تتورع عن اعتقال ثلاث عشرة سيدة منهن، وتقديمهن إلى المحكمة، وتغريمهن بمبالغ مالية، ومنهنّ: ميمونة بنت أحمد الصرماياتي، وفوزيّة الفاكياني، وفطمة أرضروملي، وحياة فوّال، وزينب الكردي.

واعتبر المدّعي العام الفرنسي (موغان) إرسال الدمشقيّين نساءهم للتظاهر في الطرقات والإخلال بالأمن ضرباً من النذالة والجبن، إلاّ أن السوريين لفتوا نظره إلى ما تفعله المرأة الأوروبيّة في القضايا الوطنيّة، وتضامناً مع سيدات دمشق المعتقلات أضربت دمشق احتجاجاً على هذا الإجراء التعسفي.

باختصار كان إسهام النساء عضوياً في حركات التحرر الوطني على مدى القرن.

ولم تكن المرأة كما جسدتها الدراما العربية والسورية، في مسلسل باب الحارة السوري، وما يشابهه من أعمال زوّرت التاريخ وقدّمت المرأة كمواطن من الدرجة الثانية.

الباحث في أوراق التاريخ المنسية سيكتشف قصصاً وحوادث وأخبار تجسد دور المرأة في مرحلة غنية من تاريخنا، بما تتضمنه من انفتاح وتحد وقيم.

مصدر التاريخ السوري موقع المعرفة
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.