أهوال النزوح والتشرد

محطات من التغريبة الشامية(15)

إحدى الأمهات تقول لشابة واقفة بجانبها أنها لا تعلم أين أولادها وزوجاتهم وأولادهم، فقد خرجوا جميعا تحت قصف كثيف لم يدرِ بعضهم أين ذهب البعض الأخر، فقد كان النظام يرصد طرقات النازحين ويستهدفها بالرشاش الحربي.

الأيام السورية؛ نورالشامي

ضربات قلبي تتسارع بشدة، تتخاطف أنفاسي وتصب جام توترها على رئتاي المتشنجة، تمنعهما من إكمال الشهيق، ظننت أن آثار الكيماوي بدأت تؤثر بي، حدث ذلك عندما وصلنا الى منزل أهلي بعدما هربنا في منتصف الليل من منزلنا القريب من خطوط التماس بسبب قصف قوات نظام الأسد المنطقة بمواد كيماوية، طرقنا الباب بضعة مرات لتفتح أمي بعدها خائفةً بعينين جاحظتين معتقدةً أن مشكلة كبيرة و خلافاً حدث مع زوجي.

سكان الغوطة أصحاب خبرة بأنواع وروائح القذائف

ألهث بخوف وأطلب من والدتي إيقاظ بقية العائلة بسرعة، تمسكني أمي من كتفي، تنظر بحدة إلى عيني وتصرخ قائلة: “اهدأي قليلا” أخبرها أني اختنق وتعاود طلبها بالهدوء، أجلستني على الكنبة وسقتني بعض الماء، اختفت الأعراض بمجرد هدوئي، انتظمت ضربات قلبي وتنفسي، شرحت لها ما حصل، ذهبت بإتجاه النوافذ تفقدتها جميعا، فقالت إنه ربما خبر كاذب لا يوجد رائحة مواد كيماوية، فسكان الغوطة باتوا أصحاب خبرة بأنواع وروائح القذائف وأصواتها.

شعرت بخجل شديد في نفسي، لكنه ليس ذنبي، هذه العقد النفسية التي زرعها قصف النظام في نفوسنا، كل منا على حد سواء، وكل شخص بات يخاف من نوع قصف أكثر من غيره بسبب أنه ذاق ضرره إما بإصابة أو فقد أحد ما.

زوجي ممدد على الكنبة، وأمي بجانبي، وبينما نتحدث وصل أخي من نوبة رباطه ليخبرنا أن النظام قصف كل خطوط الجبهات بمادة الكلور مما سبب الفزع الشديد في الأحياء القريبة ظناً منهم أنه (سارين).

شعرت ببعض الطمأنينة لن يكون هناك مجزرة جديدة هكذا حدثت نفسي، ينظر إليّ زوجي بطرف عينه ظننته ممتعضاً مني بسبب ما جرى، ثم نهض وأتى بقربي قائلاً: “أنتِ شو خبرتيني نحن وبالطريق”؟

فرحة الجميع بخبر الحمل

تورد وجهي فرحا التفت بإتجاه أمي وأخبرتها أنها ستصبح جدة، حضنتني بشدة مباركة لنا، لمعت عينا زوجي وبريقا يضج فيهما لاختباره الأبوة، أخبرت أمي أن الطبيبة طلبت بعض الأدوية من الضروري تأمينها، فقالت سنحاول جميعا فقد كان الحصول على دواء شبه مستحيل في ظل هذا الحصار، حالي كحال كل الحوامل المتعبات، كحال كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. قضينا تلك الليلة عند أهلي، كانت ليلة دافئة جدا، آمن هو من يبات في أحضان والديه!!

تمضي الأيام ونسمات الربيع الدافئة تهب بين الحين والآخر، يزداد القصف على بلدتي(المليحة و زبدين ) اللتان تشهدان حركة نزوح غير مسبوقة بإتجاه بلدات الغوطة الداخلية، وينتشر خبر محاصرة لعدد كبير جدا من الثوار المرابطين بسبب تقدم قوات النظام على نقاط خلفية سببت محاصرتهم، فبات القادة يقذفون إليهم الطعام والعتاد بمدفع “جهنم” محاولة منهم لمساندتهم في حين اختار البعض منهم تسليم نفسه لقوات الأسد التي سيطرت على مبني شركة (تاميكو).

محاولات اتصالي بجارتي المسنة تكاد لاتنقطع إلا أنها باءت جميعها بالفشل، وفي آخر اتصال كان المجيب الآلي تخبر أن الرقم غير موضوع في الخدمة ما يعني أنها ألغت الرقم وقطعت أي طريق للتواصل معها.

بناء فارغ وخوف دائم

بناؤنا أصبح فارغا كل الشقق فيه غادر أصحابها وبتُّ أخاف كثيرا من البقاء وحدي، في أحد الأيام وبينما كنت أراقب السماء مترقبة قدوم الطائرة الحربية التي لا تترك نهارا معتدل الجو إلا وتحتل السماء تكاد لا تفارقها، وتوزع طلعاتها لتشمل كأفة أرجاء الغوطة، كأنها تعوض أيام الشتاء، شعرت بحركة خفيفة في المطبخ، نظرت بإتجاه الممر وعدت أراقب الجو خارجا ومرة أخرى أشعر بحركة سريعة لست أتوهم التفت لأرى قطة كبيرة مغبرة تحمل بفمها بقايا كيس الطحين الموجود في المطبخ وتهرب بصيدها بإتجاهي، ما كان مني إلا أن صرخت بأعلى صوتي فيها ما جعلها تفلت الكيس وتحاول النجاة بنفسها، إلا أني سمعت صوت أحد ما يقفز من على الحائط إلى البناء الملاصق لنا فهو بناء غير مكتمل أصبح مأوى للقطط وبعض الكلاب أحيانا.

أحاول تكذيب أذناي لن يجرؤ أحد على النزول، لكن السرقات من أكثر الحوادث شيوعا بسبب الجوع والبطالة، فالجرائم والسرقات والجهل من تبعيات الحروب، بينما أنا في خوفي أتى زوجي فأخبرته عما حدث، فأخبرني أنني لن أبقى وحيدة مرة أخرى ففي طريق قدومه كان القادمين من (زبدين_المليحة) يملؤون الشوارع باحثين عم مأوى، فأخبر عائلتين بوجود شقق فارغة في بنائنا وأخذهم ليتحدثوا مع وكيل هذه الشقق وسيأتون بعد قليل، وأن سقوط المليحة بيد النظام بات قريبا جدا.

حصار المليحة

هكذا إلى أن أتى زوجي ذات يوم مستعجلا يطلب مني الذهاب إلى أهلي فالأوضاع سيئة، استنفر كل الشباب المدنيين والعسكريين لصد زحف قوات النظام في بلدة المليحة التي فرغت من أهلها، ولم يبق إلا حوالي الأربعين شابا محاصرين هناك، والقصف لا يهدأ على بلدات الغوطة بغية إضعاف خطوط الجبهات، بالعمل على زيادة القصف على المدنيين الذين باتوا محصورين في بقعة جغرافية صغيرة وكثافة سكانية عالية.

أمشي في الطريق على عجل وأصوات القصف والطيران الحربي تملأ الأفق، أنظر للناس المنتشرين على مفارق الطرقات كلٌّ منهم يبكي حزنه ومصابه، إحدى الأمهات تقول لشابة واقفة بجانبها أنها لا تعلم أين أولادها وزوجاتهم وأولادهم، فقد خرجوا جميعا تحت قصف كثيف لم يدرِ بعضهم أين ذهب البعض الأخر، فقد كان النظام يرصد طرقات النازحين ويستهدفها بالرشاش الحربي، وشاب على زاوية الطريق ينادي: “كيف بدي خبرها أنه مات شفتو بعيني عالطريق نزلت القذيفة بجنبهم”.

المكتوب عالجبين بدها تشوفو العين

أهوال وأخبار بائسة، متى سننتهي من هذا العذاب وهذا البؤس؟!! وما أن وصلت إلى بيت أهلي ودخلت حتى اهتزت البلدة بأكملها جراء غارة شديدة الانفجار، تجمدت الدماء في عروقنا خوفا، نظرت من النافذة فرأيت سحب الدخان السوداء كثيفة جدا، وعلى حسب تقديري كأنها في حارتنا هكذا أخبرت أمي فتقول بلهجة يملأها الحزن (المكتوب عالجبين بدها تشوفو العين) مؤكدة بكلامها على صحة توقعي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.