أهم الأسباب لسقوط مشروع الوحدة بين مصر وسوريا

الأيام السورية؛ قسم الأخبار

تعددت الأسباب التي أدت لقيام الجيش في سوريا بحركة انقلابية ضد دولة الوحدة بين مصر وسوريا، بعضها سياسي، وبعضها اجتماعي، وعسكري، واقتصادي.

أسباب الانفصال الاقتصادية والاجتماعية

وفق مراقبين، فشلت تلك الوحدة لأسباب عدة من بينها، اعتبار السوريين مواطنين من الدرجة الثانية، وسيطرة القاهرة على مفاصل الدولة السورية وتأميم بنوكها الخاصة ومؤسساتها الصناعية الكبرى، مما أدى إلى تدمير البنية الاقتصادية لسوريا وقتها.

كما نشأت حركة هجرة للعمالة المصرية نحو سوريا، مما أحدث خللاً في توازن قوى العمل، وإحلال المصريين بالسوريين في بلد الأخير.

هذا بخلاف سعي عبد الناصر لتطبيق سياسته في مصر على الإقليم الشمالي (سوريا) بحل الأحزاب السياسية، وتدمير كوادرها كما حدث مع حزب البعث، والحزب الشيوعي، بجانب إحلال الضباط المصريين محل نظرائهم السوريين الذين كان يرسلهم عبد الناصر إلى أماكن بعيدة داخل مصر أو يحيلهم للتقاعد.

وكذلك رأي مراقبون أن توجّه السوريين إلى مصر عبد الناصر وطلبهم قيام وحدة سورية مصرية كان موقفا ارتجالياً فرضته عليهم ظروف تلك الحقبة المتمثلة في حلف بغداد ومشروع الهلال الخصيب وما كان يثار حول فكرة سوريا الكبرى ومنظرها الحزب القومي السوري الاجتماعي “انطوان سعادة”، ويضاف إلى ذلك إصرار عبد الناصر على الوحدة الاندماجية الكاملة مع سوريا وعاصمتها القاهرة، وبالشكل الذي أراد عبد الناصر منه أن يضمن لمصر السيطرة الكاملة.

ولا يجب إغفال أن الوحدة الاندماجية الكاملة كانت كارثة خاصة على السوريين الذين اعتادوا الحياة الديمقراطية الكاملة بعد الاستقلال وكانت معيشتهم تعتمد على ما يسمونه اليوم اقتصاد السوق ومعظم أراضيهم وتجارتهم ومعاملهم والبنوك خاصتهم والصحف كانت ملكيات خاصة فجاء عبد الناصر بقرار الاندماج الكامل وفرض التأميم على المصانع والأراضي والبنوك في سوريا مما أثار غضب الطبقة الرأسمالية في سوريا عليه.

أنطون سعادة رئيس الحزب القومي السوري الاجتماعي (سناك سوري)

ومن ثم التحول إلى النظام الاشتراكي في بلد رأسمالي صناعي تجاري كان كارثة حقيقية بالنسبة للصناعيين والتجار السوريين، الأمر الذي كان نتيجته أن تدهورت الملكية الخاصة في سوريا وتراجعت الأنشطة التجارية والصناعية التي كانت مزدهرة بشكل كبير جدا في سوريا. وشيئاً فشيئا بدأت دمشق تفقد درورها السياسي والثقافي والتجاري بسب الممارسات التعسفية التي اتخذها عبد الناصر وحكومة الوحدة.

هنا علينا أن نتوقف لنتساءل حول تأميم أراضي الملاك وعدم توزيع أملاك الدولة على الفلاحين وهي بآلاف الهكتارات، الأمر الذي دمر الملكية الخاصة وأوجد حساسيات مجتمعية .

كما أن الصحافة تم تدميرها بشكل كامل والأحزاب السياسية تم تعطيلها وحلها شرطاً للوحدة فلكم أن تتخيلوا سوريا، التي كان فيها أكثر من مئة صحيفة في تلك الفترة وعشرات الأحزاب بمختلف توجهاتها يسارية، إسلامية، شيوعية، قومية، باتت خالية من تلك الصحف والأحزاب. كان هذا خيارا كارثيا ما زلنا نعاني منه حتى اليوم خاصة لو تذكرنا أنه وبعد الانفصال لم ينتخب مجلس شعب لسنوات وفرض قانون الطوارئ الذي حكمت فيه سوريا حتى الآن.

إطلاق يد أجهزة الأمن في الحياة العامة

كان من أهم الأسباب إطلاق يد أجهزة الأمن في الحياة العامة بالإقليم الشمالي (سوريا) بشكل لم يسبق له مثيل قبل إعلان الوحدة. وتحول الجهاز الأمني برئاسة عبد الحميد السراج من جهاز يخدم الوحدة ويحافظ عليها إلى جهاز يحاول السيطرة على الحكم وعلى الأفراد الذين شاركوا في صنع الوحدة.

ولتحقيق هذه السيطرة مارس الجهاز تصرفات أسهمت في إضعاف دولة الوحدة وسهلت مهمة الانفصال. ولم تتحكم بجهاز الأمن رغبة التسلط والحكم فيه، وإنما تحكمت به في كثير من الحالات انفعالات المسؤولين عنه ونزواتهم، فوقف متسامحاً ومتهاوناً مع جماعات دون جماعات، فضلا عن أنه كان لجهاز الأمن دورٌ بارزٌ في أواخر عهد الوحدة بإثارة الناس ونشر الذعر والتذمر ضد الوحدة لاسيما مع الخلاف الذي ظهر بين عبد الحميد السراج والمشير عبد الحكيم عامر.

عبد الناصر أثناء زيارته إلى حلب (يوتيوب)

الأسباب العسكرية

كانت تدار الأمور العسكرية في الجمهورية العربية المتحدة بطريقة تعسفية قيل فيها الكثير حول تهميش دور الضباط السوريين وعدم الوثوق بهم وتسريح عدد منهم وعدم ترفيعهم مما أثار نقمة الجيش الأول «سوري». وكان نتيجته بعد الانفصال أن سيطر ضباط الأقليات على الجيش خاصة «اللجنة العسكرية» التي حكم أفرادها سوريا في ما بعد بيد من حديد وكله بفضل سياسات عبد الناصر وعبد الحكيم عامر.

كما كان للعسكريين وخلافاتهم القديمة بين بعضهم من جانب، وبينهم وبين الضباط المصريين دور في الانفصال. فلعبة العسكريين لم تتوقف طوال عهد الوحدة. لقد كان العسكريون من أبرز الداعين إلى الوحدة، وربما كان من أهم دوافعهم هي تطلعاتهم الشخصية والفردية، ولكن مع إعلان الوحدة سرح عدد كبير منهم، وأبعد قسم كبير منهم أيضاً إلى المناصب المدنية.

وبدأت تظهر حساسيات بين الضباط السوريين والقيادات التي صار المصريون يسيطرون عليها في الإقليم الشمالي، بينما الضباط السوريون لا يحتلون أي مواقع قيادية في مصر. هذا إلى جانب تذمر الضباط السوريين من عمليات نقلهم إلى مصر واستبدال مكانهم بضباط مصريين.

لقد حافظ الضباط في الجيش الأول في سورية على ارتباطهم السابق بأحلامهم الشخصية وبارتباطاتهم الحزبية والاجتماعية، حيث كان بعضهم ينتمي إلى حركات سياسية شاركت في قيام الوحدة وترتب على ذلك أن كثيراً من الضباط أعطوا لأنفسهم حقوقاً، وانتظروا لذواتهم آمالاً في إطار دولة الوحدة، وقد أحس هؤلاء جميعاً بعد قيام الوحدة بأنهم في الحقيقة فقدوا نفوذهم القديم .

أكرم الحوراني(ويكيبيديا)

الأسباب السياسية

البنية السورية بنية خصبة وحيوية قابلة لهضم سياسات الدول المجاورة عندما تستدعي المصلحة ذلك، وقادرة على إجهاض تلك السياسات عندما تشعر أن تلك السياسات ستؤثر على حيوية وبنية سورية. وتميزت سورية بحياة سياسية غنية زينت بالأحزاب السياسية والصحف التي وصل عددها قبل إعلان الوحدة إلى خمسين صحيفة.

مع إعلان الوحدة تحولت السياسة السورية إلى رافد للقرينة الأوسع وهي السياسة المصرية. وشعر المواطنون بفراغ سياسي حاولت أجهزة الأمن ملأه ولكنها لم تفلح. وتحول العديد من الساسة السوريين المستقلين وقادة الأحزاب إلى مشردين خارج سورية وقد آلمهم أن بعضهم من شارك في العمل على قيام الوحدة.

إن تلك الحالة وغيرها أوصلت المواطنين في سورية إلى الاضطراب ولاسيما أمام استقالة الوزراء البعثيين ونقل عبد الحميد السراج من دمشق إلى القاهرة، الذي عُدَّ موجهاً لضرب نفوذه وسلطته حيث تحركت عناصره تقاوم هذا النقل عن طريق إثارة التجار وبعض العناصر السياسية.

عبد الحميد السراج (سيريا نيوز)

أسباب أخرى

بالإضافة إلى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كانت هناك أسباب أخرى للانفصال مثل الفاصل الجغرافي بين الإقليمين الذي مثل عقبة حقيقية، بالإضافة إلى عامل السكان، فقد كان عدد سكان مصر 26 مليون نسمة وسكان سورية أربعة ملايين نسمة، ومعنى ذلك أن الترجيح دائماً سوف يكون في يد القاهرة. كما أن تيار الوحدة لم يستطع التغلب على النعرات الإثنية والطائفية.

فرج الله الحلو القائد الشيوعي الذي أذابته مخابرات عبد الناصر بالأسيد (فيسبوك)

إقرأ المزيد:

تفاصيل الانقلاب العسكري الذي أسس لسقوط الجمهورية العربية المتحدة

في ذكرى الانفصال بين سوريا ومصر.. هل انتهت آثار الوحدة؟

مصدر التاريخ السوري المعاصر الجزيرة العربي الجديد
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.