أهمية الخطوبة في البناء الأسري لدى طائفة الموحدين الدروز

خلال فترة الخطوبة يتاح لكل من الخطيبين مراجعة حساباته في مدى صحة الخطوة التي أقبل عليها. فإما يُقدم أو يُحجم. وبمعنى آخر إما يتم الزواج أو يتم فسخ الخطوبة ويذهب كل واحد في سيبله.

109
الأيام السورية؛ كفاح زعتري

ساوى مذهب التوحيد بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات مع الحفاظ على القاعدة التي تعتبر الرجال قوامين على النساء، لكنه أحاط المرأة بكثير من المحاذير التي تبدو متشددة بحقها.

المرأة بين الشريعة الإسلامية والتقاليد العربية

والواقع أن مذهب التوحيد جاء متوافقاً مع الشريعة الإسلامية من جهة ومع التقاليد العربية الأصيلة من جهة أخرى، فهو يغار على المرأة دينياً ولا يريد لها أن تزلّ قدمها في المعاصي والمغريات مع ما يقود ذلك إلى ارتكاب الفواحش واختلاط الأنساب.

وكذلك يجاري التقاليد العربية التي تعتبر المرأة عنوان كرامة الأسرة وبالتالي القبيلة، وإن للمرأة وجهان متعاكسان فإن كانت صالحة في سلوكها وتربيتها كان المجتمع صالحاً، وإن كانت سيئة السلوك فإن هذا السوء يتعداها إلى المجتمع الذي يصبح فاسداً.

فمن هذا المنطلق جعل مذهب التوحيد للمرأة قيمة كبرى واعتبرها عنصراً مهماً في المجتمع لا تقل أهميتها عن أهمية الرجل فساوى بينهما وأمر بإنصافها.

أهمية فترة الخطوبة

يشكل الزواج نقطة تحول جديدة وهامة في حياة كل إنسان، لذا جرت العادة أن يسبق مرحلة الزواج فترة زمنية تدعى الخطوبة، وهي عبارة عن مرحلة تعارف واستعداد، حتى يتسنى لكل من الخطيبين أن يدرسا أخلاق وآراء وعادات وسلوك بعضهما البعض عن كثب. والخطوبة تعتبر وعداً بالزواج المقبل، وتبدأ فترة الخطوبة من اللحظة التي يعلن فيها عن خطوبة الشخصين.

والخطوبة، أن يطلب الرجل الموحد من فتاة موحدة أو بواسطة وليّها الموافقة على الارتباط بزواجٍ شرعيٍ بينهما، وهي بالتالي من حيث المبدأ وعد بالموافقة، ينم عن معانٍ عديدة أهمها الرضى والقبول بالشريك الآخر ويعتبر مقدمة وفترة تمهيدية لعقد الزواج.

شروط الخطوبة

على الخاطب أن يكون مستعدا من جميع النواحي المادية النفسية المعنوية والجسدية.. قبل أن يقدم على هذه الخطوة.

وخلال فترة الخطوبة يتاح لكل من الخطيبين مراجعة حساباته في مدى صحة الخطوة التي أقبل عليها. فإما يُقدم أو يُحجم. وبمعنى آخر إما يتم الزواج أو يتم فسخ الخطوبة ويذهب كل واحد في سيبله.

والخطوبة ليست مقيّدة بأي شرط من الناحية الشرعية، وتتم عادة باتفاق كلامي وشفهي بين عائلتي الخطيبين، وبعد قراءة الفاتحة، ويقوم الخاطب بتقديم عربون على الزواج الآجل وتكون قيمة العربون حسب اتفاق الطرفين، وقد جرت العادة أن يكون العربون عبارة عن بعض المجوهرات والملابس.

وتُعقد الخطوبة حسب رغبة الفريقين، فإما تتم بشكل واسع عبر حفل كبير، أو تتم بشكل ضيّق يقتصر على أهل الخطيبين.

فسخ الخطوبة

من الناحية الشرعية يحق لكل من الخطيبين التراجع عن موقفه من الخطوبة على اعتبار أنها “وعد بالزواج ليس إلا”.

وفي حالة فسخ الخطوبة من قِبل الخاطب فلا يجوز له من الناحية الشرعية استرداد أي شيء من الهدايا التي كان قد قدمها لخطيبته، أما إذا كان التراجع من قِبل الخطيبة فعليها أن ترجع كل شيء كان قد قدمه لها خطيبها وقت الخطوبة أو أثناء فترة الخطوبة.

ونصت المادة 26 من قانون الأحوال الشخصية للطائفة الدرزية على: “لكل من الخاطب والمخطوبة أن يرجع عن الخطوبة من غير أن يلزمه شيء، أما فيما يتعلق بهدايا الخطوبة فإذا كان الرجوع من جهة الخاطب فلا يجوز له أن يسترد شيئاً مما قدمه للمخطوبة سواء أكان باقياً وقت رجوعه أم لم يكن. وإن كان الرجوع من جهة المخطوبة وجب عليها أن ترد كل شيء قدمه الخاطب لها، فإن كان قائماً ردته بنفسه وإن كان قد هلك في وقت رجوعها ردت مثله أو قيمته ما لم يكن بينهما شرط فيعمل به”.

أما في حالة وقوع خلاف حول هذه الأمور فليس هنالك مجال أمام الطرفين سوى التوجه للمحكمة الدينية ولقاض المذهب ليفض الخلاف بقرار قضائي رسمي.. وذلك بعد أن يفوضه أحد الطرفين أو كلاهما في فض الخلاف.

أما إذا لم يرض أحد الأطراف بقرار القاضي، فمن حقه التوجه لمحكمة الاستئناف العليا المذهبية، والتي تكون وقراراتها ملزمة.

طريقة التعارف بين الخطيبين

القيّمون على مذهب التوحيد أرادوا أن يدرأوا النتائج السيئة التي من الممكن أن تنتج عن فسخ الخطوبة، حفاظاً على كرامة المرأة المؤمنة الموحدة، وصيانة للرجل الموحد، فقادهم ذلك الأمر بإتباع طريقة في التعارف بين الجنسين تظهر غريبة قياساً على ما نحن عليه في هذه الأيام.

وانطلاقاً من أن عقد الزواج من أهم العقود المسماة وأجلّها وإن الإنسان الحي الناطق أجلّ المخلوقات وأرفعها وهو غاية الله تعالى من الوجود، اعتبر الموحدون أن الواجب اللازم قبل الزواج أن يعرِّفَ الثُقات الموحدون الخطيب حال الخطيبة لجهة دينها وعقلها ودنياها وبدنها وأصلها وأخلاقها…الخ وكذلك يعرفون الخطيبة حال الخاطب في جميع أحواله الدينية والدنيوية وعن أخلاقه وفقره وغناه وحسبه ونسبه…الخ.

كما يقتضي على المكلفين نقل صورة الفريقين بكل دقة وأمانة وإخلاص دون شطط في إطراء أو انتقاد.

ونلاحظ بأن الخطوبة إذا حصلت بين الفريقين في الطريقة المنوه عنها آنفاً دون اختلاط ورحلات وسهرات. وبعد ذلك فسخت الخطوبة لسبب ما، فإن ذلك لا يؤثر على سمعة الخطيبة، ولا على وضعها الاجتماعي.

ربما يبدو هذا الأمر غريباً عن المألوف في أيامنا الحاضرة، إلا أن الموحدين الدروز في العرف الشرعي لديهم ما زالوا يعتبرون هذا الأمر حفاظاً على التقاليد التي تبعدهم عن الشكوك ومواطن التهم.

إلا أن طبيعة الحياة في العصر الحالي، وآليات التعارف بين الجنسين، ومشاركة المرأة في سوق العمل بشكل فعلي، جعلت البعض لا يطيق صرامة الشروط فيطبق ما يراه مناسباً في جميع الأمور المتعلقة بالزواج، ويخرج عن الحدود التي رسمها المذهب.

مصدر موقع مشيخة عقل طائفة الموحدين الدروز كتاب الأحوال الشخصية عند الدروز للشيخ حليم تقي الدين مالك صلالحة، الخطوبة والزواج عند الدروز
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.