“أهزوجة الشرق الخالدة”… زكي ناصيف

الأيام السورية؛ هديل الشامي

العناق… والمحبة… المسير فوق الغيم… الارتياح والسكينة… إغفاءةٌ بين يدي “وترٍ يعزف” و”صوتٍ يشدو”… زمنٌ ولى… ومعه افتقدنا روعة “التواصل” بالنغمة والكلمات التي نرسلها عبيراً لمن نحب.

وسائل التواصل رغم ازديادها، ورغم الكلام أنها قصّرت المسافات في زمن ” الفيس بوك -وتس آب” وغيرهم، لكننا نفتقد إلى “تلك الحالة الروحية” التي تلاشت، مع تدهور “الجملة الموسيقية” و”الكلمات الشعرية”، وطبعاً “الخامة الصوتية”، حتى بتنا نشعر بالحواجز الفاصلة بين المسافات التي ظننها اقتربت.

للموسيقا والصوت تأثير السحر على الناس، ويتعدى تأثيرها إلى خلايا “العشاق”…!!

الناس في عصرنا تدخل في مقارنةٍ بين “الحب” في وقتنا، وبين عهدٍ قريب… وتدور آلة الكلام حول قيام أجدادنا بتوقيع بصمتهم الصوتية والفنية على “وريقات الحب”، وكيف عبروا عن عشقهم بأدبهم وكلماتهم وطيب عواطفهم وكذلك ألحانهم التي غزت الفؤاد، لنعرف من خلالهم أروع أنواع الوُدِ والوجد ونوقن بأن الحبيب بالأمس لا يشابه حبيب اليوم، والحبيبة كذلك.

الحب في الزمن الجميل هو كل مانفتقده اليوم، حيث كان اللحن يرافق أروع الكلمات، ويصفو اللحن فتصفو معه الأرواح ويغدو الحب أكثر روعةً مما هو عليه في أيامنا هذه.

نفتقد اليوم روعة اللحن المتناغم مع الحروف، ونفتقد وجود أمثال “زكي ناصيف”، المغني والملحن اللبناني الرائع، الذي غمر الحروف بالندى فكأن اللحن يشف عن الكلمات… نفتقد رقة الوتر… ورهافة الحس.

نحتاج مشاعراً تخفق في القلب كما خفقت في القلوب في وقت مضى، نحتاج مشاعراً صافية، وحناجر تخرج لنا أصواتاً كصوت “ناصيف” الذي غنى للبنان “راجع راجع يتعمر” خلال الحرب الأهلية، ولعل سوريانا الجميلة تبنى من جديد بالنغم واللحن والموسيقا الداخلية المنبعثة من قلوب أحبتها، فيغدو الزمان أجمل وتلوح في أفق البلاد أوتارٌ من رحم السلام، فتمد بيننا جسور الأمل.

ناصيف الذي برع وأجاد في اللحن  يسميه عشاقه بـ “أهزوجة الشرق الخالدة”… كيف لا وهو الذي حمل عذوبة الصوت مترافقاً مع اللحن البسيط، الذي يخرج من رحم ضِياعِ لبنان وأرزها المعمر… فعمّر لحنه وصوته في أروقة القلوب الدافئة، ومازال لايحلو الصباح إلا بصوته ونغمه الأصيل.

كم نفتقد لـ”زكي ناصيف” في زماننا؟، وكم نفتقد عطر الورد المنبعث من صوته القادم بالهيام؟، وكم عشق أبناء بلادي عذوبة المفردات الآتية من صوت “ناصيف”، الذي أحبوه كما أحببوا “لبنان” الجارة التي أرجو أن تسقينا من حبها، وأن تكون عوناً لنا في محنتنا، وهي التي خلق من شغافها الطيبة أجمل الأصوات والألحان في الزمن الجميل، وفاح عطر الصفاء من هناك إلى أرجاء الدنيا.

الرحمة لروح “ناصيف” الذي غنت له فيروز”ياقمر مشغرة”.

الرحمة لحنجرته الصافية التي غنت لنا:

يا عاشقة الورد إن كنت على وعدي

فحبيبك منتظرٌ يا عاشقة الورد

حيران أينتظر؟ والقلب به ضجر

ما التلة ما القمر ما النشوةُ ما السهر

إن عدتي إلى القلق هائمة في الأفق

سابحة في الشفق فهيامك لن يجدي

يا عاشقة الورد إن كنت على وعدي

فحبيبك منتظر يا عاشقة الورد

نجم في الأفق بدى فرحاً يشدو رغدا

اليوم وليس غداً فليصدق من وعد

ياملهمة النجوى لا تنفعك الشكوى

فحبيبك لا يهوى إلا ورد الخــــــد

يا عاشقة الورد إن كنت على وعدي

فحبيبك منتظر يا عاشقة الورد.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.