أنف بيرجراك.. فلسفة الانتقاء وفاشية الطرح الإنساني

أن نكون متنقلين مبتذلين في الأفكار، قليلاً مع الانتقاء الطبيعي وقليلاً مع خطاب إنساني دون إغراق به ويحمل فقط نوعية التعاطف العام وشعور ابتذال داخلي لكل شخص قبيح لا نتخيل أنفسنا جزء من كيانه ونتكلم بلسان أنّ الروح هي الأهم من الجسد.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

منذ بضعة أيام عندما كنت أسير في الشارع قابلت رجلاً أربعينياً، بنصف وجه محترق، وتجعيد ضخم في الطرف الأيسر لدرجة أنّ اللثة واضحة نتيجة انكماش الشفّة العلوية.

المشهد لم يثر استغرابي إطلاقاً، فهو شيء طبيعي في الحياة، أي شخص قد يتعرّض لإصابة ما في أي وقت، لكن لمجرد عبور الشخص من جانبي وإكمال مسيري، قفزت إلى دماغي مباشرة صورة نصيّة قديمة حول أنف بيرجراك؛ وهو عبارة عن شخصية مسرحية تدعى سيرانو دي بيرجراك لمؤلفها الفرنسي إدموند روستان، ومختصر جوهر المسرحية والشخصية هو أن بيرجراك شخص دميم جداً ويمتلك أضخم أنف على وجه الأرض مما سبّب له عقدة مستعصية في حياته، والمواقف الاجتماعية الهازئة منه التي كانت دائماً تضعه في صراعات يخرج منها منتصراً دون أن يستطيع إلغاء تلك الميزة الاستثنائية لضخامة أنفه.

طبعاً ما أراد روستان طرحه هو التعبير الاجتماعي والثقافي التقليدي وحتى الديني العام، الذي يقول أنّ الجمال هو جمال الروح وليس جمال الجسد.

عندما نقول ارتباط فنحن نقصد هذا المعنى الجنسي الذي هو جوهر أي علاقة استمرارية للنوع الإنساني والأخلاقي والديني والثقافي والفكري والوجودي، من أجل ألا يخرج أحد الآن ويتحدث بطريقة الحب العذري وما إلى هنالك من هذا الهراء.

طبعاً قصة بيرجراك أو أي شخص في الواقع من أمثال الرجل المشوّه الذي صادفته، في المستوى النظري إنسانياً وعالمياً لا غبار عليه، فهم بشر مُعترف بحقهم الإنساني في الحياة، وقد يعلو الشأن بالبعض ليحوّلوا تلك التشوهات الفيزيولوجية إلى نصوص تقديسية في المبالغة والمزاودة الثقافية على الآخرين حول حقوق الإنسان.

لكن لحظة دعونا نتوقف حول هذا الخطاب نفسه، خطاب جمال الروح، والحق البشري في الحياة.. هل يوجد أحد من دعاة الإنسانية جميعهم الذين يهتمون بالخطابات الرنانة، والدعم النفسي للبشر الأكثر قباحة حول حقوقهم في الحياة، ومن رافعي شعار الإنسان هو جوهر أولاً.. أن يرتبط جسدياً بشخص منل بيرجراك أو مثل الرجل المشوّه الذي صادفته في الشارع؟

وعندما نقول ارتباط فنحن نقصد هذا المعنى الجنسي الذي هو جوهر أي علاقة استمرارية للنوع الإنساني والأخلاقي والديني والثقافي والفكري والوجودي، من أجل ألا يخرج أحد الآن ويتحدث بطريقة الحب العذري وما إلى هنالك من هذا الهراء.

ما أقصده تفاعل حقيقي وليس تفاعلاً عاطفياً للشفقة وراء مسمّى الحب؛ فالشفقة الإنسانية هي أسوأ من الفلسفة الفاشية، لأنها تعتمد على إعطاء العاطفة كنوع من الرثاء وليس لأنها حق طبيعي للكيان الحي.
نحن نتحدث عن فكرة واضحة في طروحات الإنسانيين أمام معضلة بشرية لأناس يستحقون الوجود المباشر وليس التعاطف الإنساني والثقافي، هم يستحقون الحب كحب وليس الحب كجوهر شفقة.

وطبعاً من أجل ألا يُرجِع البعض هذه المسألة إلى منطق العالم الاستهلاكي على أنه المحدد الأمثل لفكرة القباحة الفيزيولوجية ورفضها الاجتماعي، فالموضوع أقدم من ظهور الاستهلاك، إنه مرتبط تماماً في فكرة الانتقاء الطبيعية التي تفترض قيام الفعل الجنسي لدى الكائن الذي يستطيع نقل مورثاته الأقوى جينياً وجمالياً.

عندما تسعى الثقافة الإنسانية ومنفذيها لممارسة الجنس كمعنى وجودي مع كيانات أكثر شهوانية وأكثر حضوراً جمالياً وقوة شخصية ثقافية – وهنا لا نقصد الروح، لأنّ الروح شيء آخر كلياً، مرتبطة بالنزعة العاطفية – فنكون حينها أمام معضلة فهم ما هو المقصود بالانتقاء الطبيعي للكائن البشري؛ ونفهم جلياً النزعة الحيّة الفاشية والتفاضلية لدى الإنسان بين ما يرغبه ويسعى إليه وبين ما يقوله خطابياً وبين ما يُتاح له لاحقاً، وهذه النقطة الثالثة هي الأضعف والأكثر تنفيذاً لأنها نوعاً ما خاضعة لمفاهيم اجتماعية لا ترتبط بالنزعة الانتقائية أو تفلسفها اللاحق كخطاب إنساني.

ووجود بعض البشر الذين يمتلكون قدرة الارتباط بكائنات أقل جمالاً – ولن أقول المتفننين في القبح الذي لا ذنب لهم فيه – هي نسبياً أقل حظاً في الحضور لشيء مرتبط بفكرة الانتقاء الطبيعي للاستمرار، إنها فاشية طبيعية متطورة من جهة، ومن الجهة الأخرى التي تفترض خطاباً إنسانياً دون تنفيذه على الأرض هو فاشية أعمق لقدرتها على النفاق والكذب.

أنف بيرجراك نموذج أدبي واضح لتشريح الخطاب التقليدي التافه للإنسانيين الذين يمارسون فعل الشفقة باسم الحب دون أن يُقدِموا على قيام باستمرار جنسي حقيقي وواقعي. غير مهم أبداً أن تخرج بخطاب تعاطفي مع كائن يستحق حضور فعلي ليثبت وجوده الطبيعي.

طارحي الخطاب الإنساني أمامهم فعلياً طريقين، إما أن يتشبّثوا بخطاب الانتقاء الطبيعي وبالتالي هذه الفاشية مقبولة لأنها أصلاً تقوم على منطق الصراع الطبيعي التي تنفي الأضعف وتحتوي الأكثر حضوراً؛ وأما أن ينفوا الانتقاء الطبيعي ويكونوا من دعاة الخطاب الإنساني لكن دون تعاطف شفقة إنما التحام كلي مع الأكثر قباحة، كي لا يعيشوا الانفصام الثقافي والإنساني التافه.

الطرح الإنساني هو فلسفة فاشية، ومن لا يريد قبول هذه الرؤية يمكنه أن يتأمّل الكثير من متناقضات الفعل والقول الذي يعيشه أي إنسان، لندرك كم عالمنا بائس ويختفي وراء مسميّات عامة وفيها من النفاق الفكري الشيء الكثير.

لكن أن نكون متنقلين مبتذلين في الأفكار، قليلاً مع الانتقاء الطبيعي وقليلاً مع خطاب إنساني دون إغراق به ويحمل فقط نوعية التعاطف العام وشعور ابتذال داخلي لكل شخص قبيح لا نتخيل أنفسنا جزء من كيانه ونتكلم بلسان أنّ الروح هي الأهم من الجسد، ولا نستطيع أن ننفّذ هذا المعنى الثقافي للجملة، فهذه سفالة لا تحتمل عزيزي الإنساني.

في النهاية الطرح الإنساني هو فلسفة فاشية، ومن لا يريد قبول هذه الرؤية يمكنه أن يتأمّل الكثير من متناقضات الفعل والقول الذي يعيشه أي إنسان، أو الذي تعيشه أنت بوضوح عزيزي القارئ، لندرك كم عالمنا بائس ويختفي وراء مسميّات عامة وفيها من النفاق الفكري الشيء الكثير، وطبعاً لا يتخيل أحد أنه بريء من هذه الفاشية، جميعنا سفلة بطريقة أو أخرى. الإنسانية في خطابها التعاطفي ليست أكثر من فاشية، الإنسانية الحق هي إغراق في الفعل المتبادل.

وطبعاً ما قيل لا يظّن أحد أنه دعوة للسلبية اتجاه الكائن القبيح، إنما محاولة فهم جزء بسيط مما نمارسه في الحياة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.