أنتم بحاجة إلى الماء النظيف والهواء النقي والمناخ الآمن

هنرييتا فور (المديرة التنفيذية لليونيسف)

رسالة مفتوحة إلى أطفال العالم في الذكرى الثلاثين لاتفاقية حقوق الطفل.

لِمَ أنا قلقة؟

من البداهة أن الأطفال جميعاً يحتاجون لهذه الأساسيات ليحافظوا على حياة سليمة معافاة ـ أي أن يعيشوا في بيئة نظيفة ويتنفسوا هواء نقياً ويشربوا ماء نقياً ويأكلوا طعاماً صالحاً ـ ويبدو غريباً أننا ما زلنا نتحدث عن هذه الأساسيات في عام 2019.

ولكن من الممكن لتغير المناخ أن يقوض هذه الحقوق الأساسية جميعها، بل أن يقوض معظم المكاسب التي تحققت على صعيد الحفاظ على حياة الأطفال ونموهم على امتداد السنوات الثلاثين الماضية. وربما كان تغير المناخ هو الخطر الأعظم الذي يتهدد حقوق الجيل القادم من الأطفال.

وفي السنة الماضية، أفادت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن تغير المناخ أخذ يحتل مكانه بين القوى الرئيسية المسؤولة عن الصعود المتواصل لمستويات الجوع عالمياً في الآونة الأخيرة، حيث سيتحمل الجيل القادم من الأطفال العبء الأكبر من الجوع وسوء التغذية بسبب تراجع الإنتاج الغذائي جراء تصاعد حالات الجفاف والفيضانات.

ونحن نرى بالفعل دلائلا على أن التغير المناخي يقف وراء ظواهر جوية قصوى مما يتسبب في زيادة وتيرة الكوارث الطبيعية وقوتها التدميرية. وبرغم تباين التنبؤات المستقبلية ـ حسب المنظمة الدولية للهجرة ـ بخصوص عدد الأشخاص المتوقع هجرتهم لأسباب تتعلق بالبيئة من شتى أنحاء العالم بحلول عام 2050، فقد كان الرقم 200 مليون مهاجر هو الأكثر تردداً في هذا المضمار، في حين ذهبت بعض التقديرات إلى مستويات بلغت مليار مهاجر.

ومع ارتفاع درجات الحرارة وتفاقم شح المياه، سيقع الأثر الأكثر فتكاً للأمراض المنقولة بالماء على الأطفال. ففي الوقت الحاضر، يعيش ما يربو على نصف مليار طفل في مناطق تحصل فيها فيضانات بوتيرة عالية جداً فيما يعيش زهاء 160 مليون طفل في مناطق تصل حدة الجفاف فيها إلى مستويات عالية.

وتعتبر المناطق مثل الساحل، التي يعتمد سكانها بصورة خاصة على الزراعة والرعي وصيد الأسماك، معرضة بصفة خاصة لتأثيرات التغير المناخي؛ إذ يُتوقع أن يزداد شح الأمطار في هذه المناطق القاحلة وأن تتقلص القدرة على التنبؤ بها في المستقبل. ومما يثير القلق أيضاً أن معدل الاحترار في هذه المنطقة هو أسرع من المعدل العالمي بمرة ونصف المرة. ففي منطقة الساحل، يزداد المناخ الحار حرارة ويزداد الفقراء فقراً، ومن ثم تأتي الجماعات المسلحة، كما هو عهدها، لتستغل التظلمات الاجتماعية التي تنشأ في ظل مثل هذه الظروف الضاغطة.

ويأتي تلوث الهواء والنفايات السامة وتلوث المياه الجوفية ليزيد من تعقيد هذه التحديات بما يُلحق الضرر بصحة الأطفال. ففي عام 2017، كان قرابة 300 مليون طفل يعيشون في مناطق يصل تلوث الهواء الخارجي فيها إلى أعلى مستويات السُّمية، أي أعلى من التوجيهات الدولية بستة أضعاف أو أكثر، مما يسهم في وفاة نحو 600,000 طفل دون سن الخامسة، فيما سيعاني عدد أكبر من ضرر دائم يؤثر على نمو أدمغتهم ورئتيهم.

وبحلول عام 2040، سيعيش طفل من كل أربعة أطفال في مناطق تعاني من إجهاد مائي شديد وسُيصاب آلاف الأطفال بالأمراض بسبب الماء الملوث. وبالتالي، فقد صارت قضايا إدارة وحماية مصادر المياه الجوفية النّظيفة والوفيرة والمتاحة، فضلاً عن إدارة النّفايات البلاستيكية، من أهمّ قضايا صحّة الأطفال في زمننا الحالي.

لماذا هناك أمل؟

في سبيل الحد من آثار التغير المناخي، ينبغي على الحكومات وقطاع الأعمال العمل معاً للتعامل مع الأسباب الجذرية التي تقف وراء هذا التغير، وذلك عن طريق الحد من انبعاث غازات الاحتباس الحراريّ عملاً باتّفاق باريس. وفي ذات الأوان، ينبغي إعطاء الأولوية القصوى للجهود الساعية إلى ابتكار أساليب للتكيّف تعمل على التّقليل من التّبعات البيئية على الأطفال.

وتعمل اليونيسف على كبح جماحِ الظواهر الجوية القصوى، بما في عبر وضع تصاميم لشبكات المياه قادرةٍ على تحمل الأعاصير وتلوث الماء العذب بالمياه المالحة، وتقوية الأبنية المدرسية ودعم تمرينات الجهوزيّة؛ ودعم النظم الصحية للمجتمعات المحلية. ومن شأن الابتكارات من قبيل خطط التغذية المنظمة لمستودعات المياه الجوفية أن تحافظ –إذا ما طُبِّقَتْ على نطاقِ واسع– على مخزون الماء النقي لحماية ملايين الأطفال من مخاطر شح المياه والأمراض.

وهناك أمل حتى في البيئات الصّعبة كتلك السائدة في منطقة الساحل –إذ تمتلك المنطقة مجتمعاً شاباً متعطشاً للعمل وللفرص، ويوفر مناخها إمكانية هائلة لاستغلال مصادر الطاقة المتجددة والمستدامة. ومن خلال الاستثمار في فرص التعليم والتوظيف، وتحسين الأمن والحُكْمِ، سيكون لدينا كل ما يدعو إلى الشعور بالتفاؤل فيما يتعلق بقدرة المنطقة على التكيُّف ومرونتها لتحمل تبعات التغير المناخي.

وكي يتسنى تحويل دفة الأمور فيما يتعلق بتلوث الهواء، يتوجب على الحكومات والشركات العمل معا من أجل التقليل من استهلاك الوقود الأحفوري وتطوير نظم زراعية وصناعية ونظم نقل أكثر نظافة، والاستثمار في توسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة. وقد اتخذت كثير من الحكومات إجراءات لتطبيق أنظمة صارمة من أجل الحد من التلوث الناتج عن محطات توليد الطاقة الكهربائية والمرافق الصناعية والمركبات على الطرق.

وقد توصلت دراسة أجرتها وكالة حماية البيئة الأمريكية عام 2011 أن القانون المتعلق بالهواء النقي في البلد لعام 1999 قدّم للمواطنين فوائد صحية بقيمة 30 دولار أمريكي مقابل كل دولار واحد تم إنفاقه. وتنطوي مثل هذه السياسات على الحلول اللازمة لحماية رئات الصغار وأدمغتهم من التلف الناتج عن الهواء المحمّل بالملوثات والجسيمات.

كما أنّ البحث عن حلول تمكننا من التخفيف من حدة الآثار الأسوأ لتلوث الهواء على صحة الأطفال مهمّ جدّاً. ففي العاصمة المنغولية، أولان باتور، يستخدم 60 في المئة من السكان الفحم مصدراً للطاقة، مما يجعله المصدر الأكبر للتلوث هناك. لذلك تعتبر أولان باتور واحدة من أكثر مدن العالم تلوثاً في فصل الشتاء.

وبالتالي بدأ خبراء الابتكار في اليونيسف ومعهم المجتمع المحلي والحكومة والأوساط الأكاديمية والقطاع الخاص في تصميم حلول فعالة للطاقة الخاصة بالمساكن التقليدية وتنفيذها بغية التقليل من استهلاك الفحم وتحسين جودة الهواء، بما في ذلك “تصميم الأكواخ التقليدية بما يتلاءم مع متطلبات القرن الحادي والعشرين”.

نحن نعمل أيضاً على إيجاد طرق مبتكرة لتكرير المواد البلاستيكية وإعادة استخدامها للتقليل من حجم النفايات السامة ولاستخدام النفايات في أوجه مفيدة. وقد قامت مؤسسة اجتماعية كولومبية اسمها “كونسيبتوس بلاستيكوس” بتطوير طريقة لصنع لبنات بناء من المواد البلاستيكية غير المصنوعة من كلوريد البوليفينل (بي في سي)، وهي أرخص وأخف وزناً وأكثر متانة من اللبنات التقليدية، ومن ثم استخدامها في بناء غرف صف مدرسية.

وقد بُنيت أول غرفة صف من البلاستيك المعاد تدويره في إفريقيا في وقت سابق من العام الحالي بدولة كوت ديفوار، واستغرق بناؤها بضعة أسابيع، فيما كانت تكاليفها أقل من غرفة الصف التقليدية بنسبة 30 في المئة.

هذا النهج المبتكر في تحويل النفايات البلاستيكية إلى لبنات بناء كفيل بتحويل عملية إدارة النفايات البلاستيكية إلى فرصة بعد أن كانت تشكل تحدياً، وذلك من خلال إعمال الحق في التعليم جنباً إلى جنب مع بناء المدارس وتمكين تلك المجتمعات المحلية، وتنقية البيئة في الوقت ذاته.

مصدر اليونيسيف
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.