“أنا عايشة، أنا عايشة!”… في ذكرى من استنشقوا الموتَ في غوطة دمشق ورحلوا

عندما سقطت الصواريخ/ الجريمة، على رؤوس البشر هناك، لم يكن الضحايا على درايةً بأنهم راحلون، غيرَ أنهم رحلوا، في كلّ عائلة من الغوطتين رحل أبٌ أو أمُ أو أطفال.

الأيام السورية؛ محمد نور الدين الحمود

أعوام مرت على مذبحةٍ لا جروح فيها ولا دماء..

عندما صدحت ذاك الصباح، الطفلة التي استنشقت بعضاً من غازَي السارين والأعصاب الكيميائيَّين، مكتشفةً بالكثير من المفاجأة والقليل من الدموع، أنها ما زالت على قيد الحياة: “أنا عايشة، أنا عايشة!”.

لكنّ ما حدث في غوطتي دمشق الشرقية والغربية يفوق قدرة العقل البشري على التحمّل كما يفوق الكثير من معايير الإنسانية التي يبدو أن مرتكب هذه الجريمة قد أعلن انشقاقه عن كلّ قيمها وانضمامه إلى مصاصي الدماء الذين تقول الروايات عنهم أنهم لا يظهرون إلا في الليل الحالك.

لكنّهم وقّعوا على جريمتهم دون دماء هذه المرة، فقد أقدمت قوّات من اللواء 155 التابعة للجيش السوري والمتمركزة في القلمون، وابتداء من الساعة الثانية والنصف فجر يوم الأربعاء 21 آب 2013، على إطلاق 16 صاروخاً مستهدفةً الغوطة الشرقية، سرعان ما سقطت صواريخٌ أخرى على الجهة الشرقية من مدينة زملكا، وفي الساعة الثالثة إلا ربع استهدف القصف بلدة عين ترما، دقيقتان لم تنتهيا حتى سقط 18 صاروخاً على الغوطة الشرقية أحدهم بين زملكا وعربين، في الليلة التي لم يحلم فيها أهالي الغوطة كثيراً واستفاقوا على شهقات أرواحهم أو رجفة أطرافهم وهم يودعون ما تبقّى لهم من حياةٍ سلبها فنانُ إجرامٍ حاقد.

الجيش السوري استمر بإطلاق الصواريخ حتى الخامسة والنصف فجراً أنهى فيها تعطّشه لموت من قالوا له (لا) بصاروخَين سقطا في معضمية الشام في الغوطة الغربية، وقد بدأ وصول الحالات إلى المستشفيات في السادسة صباحاً.

عندما صدحت ذاك الصباح، الطفلة التي استنشقت بعضاً من غازَي السارين والأعصاب الكيميائيَّين، مكتشفةً بالكثير من المفاجأة والقليل من الدموع، أنها ما زالت على قيد الحياة: أنا عايشة، أنا عايشة!

ماذا بعد المجزرة؟

عندما سقطت الصواريخ/ الجريمة، على رؤوس البشر هناك، لم يكن الضحايا على درايةً بأنهم راحلون، غيرَ أنهم رحلوا، في كلّ عائلة من الغوطتين رحل أبٌ أو أمُ أو أطفال، صعد بعضهم إلى الأسطحة ظناً منهم أن الكيماوي يرسو على الأرض.. فماتوا، كثيرون دخلوا إلى الحمّام وأفرغوا أطناناً من الماء على أجسادهم.. وماتوا، بُطينٌ أيمن كان ينبض حباً وثوراً ارتحل مع الراحلين عندما اشتمّت حواسه من بعيد أقدام مجزرة تهرول باتجاه حبيبته، هرع لينقذ من كان يعيش لأجله لكنّ الوقت كان قد فاته، كان قد تلقّى رائحة الموت قبل أن يطمئن على حبيبته القابعة في منزلها ترجف من شدّة الخوف.

لكن ماذا بعد؟ هل انتهى كل شيء؟ هل صُدم العالم يومَين وتحدثت وسائل الاعلام أسبوعاً أو اثنين؟ ماذا بعد شجب أمريكا وفرنسا وألمانيا وبريطانيا والسعودية؟ وماذا بعد اتهام الروس والإيرانيين للمعارضة بقصف المناطق نفسها التي تسيطر عليها بالسلاح الكيماوي؟ إلامَ وصلت منظمات هيومان رايتس ووتش والأمم المتحدة ومحلّلي أشرطة الفيديو في تحقيقاتهم؟

سُحبَ سلاح الجريمة، نعم، لكن ماذا عن المجرم؟ هل تسليم السكّين الذي ذُبح به الصحفي الأمريكي جيمس فولي وإتلافه في البحر سيُرضي أمريكا و”أصدقاء الشعب السوري” ويغضّ أبصارهم عن داعش وإرهابها؟ ما هو سبب عجز العالم والمجتمع الدولي في وضع حد لانتهاكات النظام السوري بحق كل البشر القاطنين على هذه البقعة من الأرض؟

من مشاهد إصابات الكيماوي في غوطة دمشق(ألوان)

ألم يفهم العالم أن التفاهم الروسي الأمريكي قد أعطى الضوء الأخضر للقتلة ليتابعوا عملهم ويشحذوا سكيناً آخر على رقاب السوريين الذي ما ملّوا يثورون ضده بكل ما أوتوا من إرادة للحرية والعيش الكريم؟

“انتظر يا هذا ولا تتسرّع” يصدح صوتٌ سياسيٌ محاولاً توبيخي على ما قد هذيتُ به في الأسطر السابقة ثم يضيف: “أنتم البسطاء لا تفقهون السياسة، نحن قلقون جداً ممّا يجري في سوريا لكنّنا لن نتدخّل هناك لأننا لا ندري بعدُ ما قد يجرّه قرارٌ كهذا من تبعات سياسية قد تجرّ الأهوال على المنطقة برمّتها، نحاول الإبقاء على توازن القوى هناك لكّن الحديث عن تدخّل دولي لإنشاء مناطق عازلة أو حظر جوّي هو ما لن نقوم به أبداً لا نحنُ ولا حلفائنا ولا مصلحة لأيٍّ منا في التدخّل لطرفٍ بعينه”.

ألم يفهم العالم أن التفاهم الروسي الأمريكي قد أعطى الضوء الأخضر للقتلة ليتابعوا عملهم ويشحذوا سكيناً آخر على رقاب السوريين الذي ما ملّوا يثورون ضده بكل ما أوتوا من إرادة للحرية والعيش الكريم؟

استنشاق الموت

لم ينسَ أصحاب الفاجعة ألمهم ولن يفعلوا، وحدهم السوريّون من سيستفيقون في 21 آب 2020، لتستعيد ذاكرتهم فوراً ما حصل قبل سبعة أعوام، 1466 ضحيةً كانوا قد استنشقوا الموتَ وغابوا، الرقمُ كبير، فهل تفاصيله أرقامٌ أيضاً؟

هل ستستطيع ذاكرة السوريين، تذكير العالم المُتناسي بما حصل ويحصل كلّ يوم في بقاع هذه الأرض على أيدي جلاديها الذين لم يعد أحدٌ يستطيع إحصائهم، إنها الثورة وصرخات الحرية، والثورة تفتح شهيّة سفّاحي السلطة، لمزيد من التوغّل في دماء شعوبهم.

يتظاهر السوريّون، كل عام في ذكرى المذبحة، في سوريا وتركيا وأمريكا وأوربا وفي كلّ مكان تواجد فيه سوريٌ واحد، وتفرّغ غيرهم لتصميم الصور والمقاطع التي تذكّر بما لا يريد العالم أن يتذكّر لألّا يشعر بازدراء تجاه نفسه، أو ليهرُب من مسؤولية أخلاقية كان عليه أن يتحمّلها لكنّ قوامه النحيل لم يقو على حملها،

بوستر فني لمجزرة الكيموي في غوطة دمشق(العربية نت)

تغييب الشهود

يغيب الكثير ممن عاش السارين ولم يتنفسه، ليس لحسن حظّه بل لأنّ موعد غيابه لم يكن قد حان بعد، نتذكر أيضاً سميرة الخليل ورزان زيتونة ووائل حمادة وناظم حمادي، كانوا هناك، كتبوا الكثير وشاهدوا ما لم يشاهده أحدٌ ثمّ سُحب السلاح الكيماوي لأن المجتمع الدولي شعر بالخجل ممّا دوّنه هؤلاء، سُرعان ما غابوا أيضاً على أيدي من يدّعون تمثيل الثورة والدفاع عنها، وما تزال في جعب ذواكرهم الكثير من الحكايات لتُروى عن نظام قتل في يوم واحد 1466 نفساً وما انفكّ يسفك.

في 21 آب 2020 يمرّ سبعة أعوام كاملة، ولسان حال المكلومين يقول: إن السلاح المحرّم لم يقتل سوى 1% من عدد الذين قُتلوا في سوريا منذ تسع سنوات وأكثر، بينما السلاحُ “الحلال” قتل 99% ويستمر على الدوام في قتلهم، لينبري أحدٌ ما ويضع حداً للبراميل المتفجّرة وصواريخ السكود والذخائر العنقودية وقذائف الهاون والمدفعية، قبلَ أن يتحوّل الشعب السوري كله إلى مجرّد ذكرى، كما مذبحة السلاح الكيميائي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.