“أنا التي لم أعد هناك” نصوص شادية الأتاسي التي تبحث عن الوطن والحب

الكاتبة: شادية الأتاسي.

أحمد العربي

الناشر: يافا للنشر والتوزيع/ ط١، ٢٠١٩م.

ليس غريبا أن أجد نفسي كقارئ أمام تنوع كتابي في مجموعة واحدة. إنني أمام الروح ذاتها للكاتبة، ولو أنها تعبر مرّة بالشعر وأخرى في النثر والقصة القصيرة، كان العبور سهلا وسلسا، سرعان ما سيحصل تواطؤ نفسي بين النصوص وقارئها، ودفء في التناول وحميمية في تشرب النصوص كلها، إن لم يكن تضامنا حقيقيا مع الكاتبة.

يكتشف القارئ أنه حاضر بشكل ما في النصوص. فالحب بصفته تسامي روحي وحاجة للآخر وانتصار الخير والعطاء وإنسانية الإنسان، هو قانون الإنسان يهيمن في النص، الوطن بصفته الذات الخاصة لكل منا كما نعيشها بتفاصيل الحياة الطفلية والنضج والبعد العائلي والمجتمعي والمدينة والحي، هذا الوطن الخاص بالكاتبة والخاص بنا أيضا، سوريا الموجوعة حاضرة في النص، سوريا التي تبتهل لله أن يرحم أولادها ويرد الشهداء والمهجرين والهاربين بحياتهم إليها، سوريا الشاكية من ظلم الظالمين، المدمرين المدن المحولين حياة من تبقى بها إلى جحيم.

الغربة حاضرة أيضا، من منا نحن السوريين لم يشرب من كأس الغربة، البعض قديما خرج لعمل أو دراسة أو هروب شبه فردي، أما الغربة الآن أصبحت للسوريين قدرا، وأصبحت شجرة حياتهم، إن لم يموتوا تحت القصف أو الاغتيال أو الخطف أو الغرق، فقد يصلوا إلى بلاد يعيدون زرع ذواتهم بها لعلهم يصنعون مستقبل أفضل لهم ولأولادهم.

الشعر:

تكتب شادية الأتاسي؛ وهي مفعمة بمشاعرها التي تنهمر من بين الكلمات، متسترة بها، معلنة عن غواية الحب في أغلب قصائدها، الحب غير مكتمل، نعم ككل حب في الوجود، الحبيب مفتقد، أو غائب، وهناك حنين دائم له للماضي معه، لمستقبل تأمل أن يعيشاه سويا، ها هو الحب يعاش مشاعريا في ذات المحب أقوى من تجسده الفعلي. في قصائد شادية أيضا حضور لمحنة الوطن والمواطن والإنسان السوري، المهدور الكرامة والروح، الطفل الذي يطلب من قاتله أن يقتله بالمسدس وليس بالسكين، تطفر الدمعة للعين يدمي القلب من القهر.. كم أصبحنا مهانين في العالم ومن العالم كله. من قال إن دمنا نحن السوريين أصبح ماء يرمى في الشوارع دون أي اعتبار أو مسؤولية. عار يجلل وجه العالم كله.

سوريا الموجوعة حاضرة في النص، سوريا التي تبتهل لله أن يرحم أولادها ويرد الشهداء والمهجرين والهاربين بحياتهم إليها، سوريا الشاكية من ظلم الظالمين، المدمرين المدن المحولين حياة من تبقى بها إلى جحيم

النثر:

نرى شادية في نصوصها النثرية أكثر وضوحا ومباشرة، في عودتها من غربتها إلى دمشق موطنها الثاني بعد حمص، دمشق التي تئن تحت الظلم والحرب والجوع والهوان، بعض الناس يريد العيش بأي ثمن، والبعض يهرب من دمشق ليحافظ على حياته بأي ثمن أيضا. دمشق حزينة مترعة بالخراب والأذى.

أما حمص البلد التي سكنها بوم الخراب، غياب الناس موتهم المجاني أو هربهم المستحيل، في حمص تبحث شادية عن قبر أمها الذي تسكنه بعد أن لم تعد تحتمل ما حصل في حمص من أذى ودمار وخراب.

في حمص تفتقد شادية صديقتها رحاب التي اختطفت هي وزوجها ولم يعد لهما أي أثر، آه يا بلد يأكل أبناؤه. شادية تجد بوسائل التواصل الاجتماعي، حيث العالم الموازي، تجد متنفسا لعلاقات إنسانية تفاعلية تفتقدها.

عندما تتكلم شادية عن الرواية تُقرأ أو تُكتب فهي تبحث عن زاد معرفي نفسي إنساني، يجب أن تخرج به بعد اطلاعها عليها. كثيرة نصوص الغربة التي دونتها شادية في مجموعتها، تعيش على بحيرة في لوزان السويسرية تطل على أكثر من دولة أوربية، أقرب للجنّة، والجوار رائع والصحبة والمعاملة الإنسانية، لكن كل ذلك يظل مصحوبا بغصة: ما زالت بعض روح شادية تعيش في الشام وتعيش آلامها، لا فرحة تكتمل في نفس شادية. تشتاق لأمها التي توفيت وهي في غربتها، لمدينتها حمص التي أصبحت خرابا، لصديقتها التي اختطفت وربما قتلت، شادية لا تعرف كيف تفرح بالعيد أو أي مناسبة سعيدة في غربتها طالما أن وطنها موجوع إلى هذه الدرجة.

القصة القصيرة:

تعيد شادية في نصوصها القصصية القصيرة تدوير ما تعيش وتُعايش، حبا تريده يزهر في قلبها وحياتها، بلدا تريده معافى ومنتصرا للإنسانية ممثلة في الشعب كله، تدرك شادية عمق التخلف الاجتماعي، فالمرأة بقضيتها كإنسانة مصانة الكرامة والحقوق تراها مستباحة، تعاني لها ومن أجلها، تماما كما يعاني الشعب كله من ظلم الظالمين.

في إطلالة الكاتبة على واقع الخراب السوري والحرب الأهلية، سكتت عن السبب وعن الظروف التي أدت لما أدت إليه، نتفهم ذلك بأن أغلب من كتب وما زال قادرا على العودة للوطن مجبر على التحدث بالتورية والإشارة!.

في قصة “هيلا” المرأة السورية العاملة من أهل الجولان المحتل، المستنزفة بولادات متكررة لأطفال كثر، وبعمل متواصل دؤوب، وزوج عاطل سكير يعاملها بقسوة كل الوقت، تتحمل زوجها والأصل في بلادنا أن تتحمل النساء رجالهم وظلمهم وقسوتهم، تنفذ طلباته وتعمل كل الوقت، قاتلت ليكمل أحد أولادها الجامعة، وينجح رغم عمله في المخبز بناء على طلب والده، حاول الهرب إلى أوروبا عبر البحر مع بعض أفراد العائلة خوفا مما يحصل في سوريا، لكن البحر تلقفهم فغرقوا جميعا، هذه أقدار السوريين، من مأساة إلى أخرى.

وفي قصة أخرى تكتب شادية عن لقاء بين حبيبين حصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي أدى إلى لقاء كان مؤجلا وحصل بعد عشرين عاما، كبر الأحباب.. هو تزوج وأنجب وهي ما زالت تنتظره، التقيا وتبادلا التحية وأنهما ما زالا متحابين، لكنهم أضاعوا الطريق لبعضهم. ودع كل منهما الآخر وعاد من حيث أتى.

في نهاية القراءة للمجموعة أود القول: إننا أمام موهبة واعدة عند شادية الأتاسي، وننتظر أن تتحفنا بالمزيد، نلتقط أنه في إطلالة الكاتبة على واقع الخراب السوري والحرب الأهلية، سكتت عن السبب وعن الظروف التي أدت لما أدت إليه، نتفهم ذلك بأن أغلب من كتب وما زال قادرا على العودة للوطن مجبر على التحدث بالتورية والإشارة!.

نعم؛ نحن ضحية استبداد وظلم، وعندما خرج الشعب طالب بالكرامة والحرية والعدالة ورد المظالم وتحقيق الحياة الأفضل، تم قمعه بأسوأ الأساليب.. مئات آلاف القتلى والمصابين والمعاقين وملايين المشردين والهاربين بحياتهم تاركين كل شيء. مدن مدمرة وشعب جريح. الفعل الوحشي ولّد ردة فعل شعبي، وحضر العالم كله ليستفيد من دم السوريين المراق في الشوارع والمدن وتحت الأنقاض. وأصبحت سوريا مسرحا لحرب بالوكالة وحربا أهلية، وغاب عنها حقيقة وضعها.

لنعد لنقطة الصفر شعب يريد حرية وعدل وكرامة وحياة أفضل، ولن تتوقف ثورته إلا بتحقيق ذلك.


شادية الأتاسي كاتبة سورية، نشرت في كثير من الصحف ومنصات التواصل الاجتماعي. المجموعة تحتوي على القسم الأول من الشعر، يليه النثر ومن ثمّ القصة القصيرة، المجموعة كلها تصل إلى ١٥٢ص.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.