(( أمورٌ مُسْتَقاة من العيش في جمهورية الفساد ))

الكاتب:  د. محمد عادل شوك
سألَ شابٌ رجلاً مُسِنًّا أفنى عمره مواطنًا في جمهورية الفساد، أن يُجمِل له الحديث عن أبرز معالمه، و عن أهمّ مظاهره التي استقاها من العيش فيها.
فأجابه: يا بُنيَّ، إنَّ للفساد في هذه البلاد أساليب، و طرق يتَّبعها الفاسدون للوصول إلى بُغيتهم، قد عايشتها على مدى سني عمري، و هي معروفة لدى الجميع، و في مقدمتهم الساسة؛ سعيًا منهم لصرف الناس عن التفكير في مستقبلها، و سأُجملَها لك فيما يأتي:
1ـ إنّ للفاسدين حسابات غير تلك التي تعلمتها في الحساب، فهذه العملية ( 1+1= 9999 ) صحيحة في عالمهم، على الرغم من خطئها العلمي، إنهم لا يكتفون من الحياة بالقليل، إنّهم كجهنّم ( هل من مزيد ).
2ـ لا تكن وحدك في عالم الفساد، بل شارك الفاسدين و وثِّق صلتك بهم، و في مقدمتهم الذين يقول الناس عنهم إنهم فوق القانون، اشترِ شراكتهم بغالي الأثمان، إنهم يعلمونك مهارات لا يملكها غيرهم، و يختصرون عليك الزمن في صعود سُلَّمه.
3ـ إنّ كعكعة الفساد لا تقطع بالتساوي؛ لذا سترتكب خطأً جسيمًا إذا سعيت لتكون قطعتك أكبر من قطعة من هو أعلى منك فيه.
4ـ كن كريمًا، و اجعل شعارك ( رب ارزقني وارزق غيري من خلالي )؛ فَالفُتَاتُ الذي توزعه على الفاسدين الصغار سيشجعهم لإحضار المزيد من المكاسب لك.
5ـ إذا لمسَتْ تمنُّعًا لدى بعض الموظفين، و لاسيّما الصغار منهم، بدعوى النزاهة أو التديُّن؛ فلا تنسَ أن تخُصّ زوجاتهم، و أبناءهم، و بناتهم بعطاياك السخية.
6ـ ليكُنْ لديك اطلاع على القانون، و اللوائح التنفيذية الناظمة له؛ فالفاسد المحترف لابُدَّ له من ذلك، فالسُّذج يذهبون للسجن، و المحترفون يُصفَّق لهم، و يُكرَّمون أمام عدسات المصورين، و إليك برلسكوني، ففي كل مرة يدخل المحكمة، نجده يخرج من بابها الكبير ليجلس في مقعد السلطة من جديد.
7ـ اِخفِ ما يدينك من الوثائق و الأدلة، و اجعلها في أقرب فتحة مجاري، أو احرقْها؛ فإغراقُها أو حرقُها أضمنُ من دفنها؛ لأن ما هو مدفون قد يكشف في يوم من الأيام.
8ـ لا تخف، أو تخجل من الفساد فأصحابُه أكبر إمبراطورية في العالم، و هم موجودون في كل حكومة وشركة و بلدة، ولهم دعاة في قلب كل إنسان.
9ـ أقم الحفلات ذات الإنفاق السخي؛ للجمع بين القطاعين: الخاص والحكومي، فكلما حصل الجمع بينهما زاد الفساد، وتذكر أنّ كبار التجار هم أقدرُ الناس على إفساد كبار المسؤولين.
10ـ لا تنسَ أن تصحب معك إلى هذه الحفلات سكرتيرتك الدلّوعة؛ فبياض فخذها عندما تضع رِجلاً على أخرى يُسيل اللُّعاب، حتى يسقى ما هو ذابلٌ عند أحمى الرؤوس، و أعتاها.
11ـ إذا أعيتْك الحيلةُ في تسلُّق سُلَّمه، فأفضلُ مَنْ تعطيه يدك حينها رجلٌ من عشيرة الرئيس، أو بلدته، و حبذا لو كان من المخابرات، أو الجيش، فيومُ هؤلاء بسنة كاملة عند غيرهم.
12ـ حبذا لو كانت ميولك الدينية، أو الطائفية، أو السياسية متناغمة مع ميول الرئيس، و حاشيته، أو مع سفارة الدولة التي لها عليهم دالة.
13ـ سمِّ مفرداته بغير اسمها، فالفاسد يكره اسم الرشوة ويحب أن ينعتها بالعمولة، و الإكرامية، و أفضل حديث يحبه الفاسدون هو ( تهادوا تحابوا ).
14ـ اسعَ لأن تحسِّن صورته، و ادعُ للمعايشة معه برفق و لين: ( إنّه منتشرٌ إلى الحدّ الذي لا يمكننا إزالته، و علينا أن نرضى ببعض مظاهره، من باب الأمر الواقع، ريثما يحين موعد اقتلاع نبتته ).
15ـ تحدث عن النزاهة كثيرًا، و لا تتردّد في سبّ الفساد في المجالس العامة، فالفاسدون حريصون على ارتداء ثوب الشرف أمام الآخرين.
16ـ إذا رأيت الناس تبحث عن أحجاره، فدُلَّهم على الحجر الصغير الذي سقط أسفل الوادي، لأنهم سينشغلون به، و يتركون الجبل الكبير خلف ظهورهم.
17ـ لا تقلق من كثرة المؤسسات التي تكافحه، و اسعَ في جعل القائمين عليها ذوي شخصية مزدوجة، و ألاَّ يكتمل مسعاهم في محاربته.
18ـ ابحث عن أذرُع إعلامية تنشر أخبار مشاريعك النفعية، فالانتهازيون من الإعلاميين سيختصرون عليك خطوات كثيرة في الوصول إلى مبتغاك من غير شَوْشَرَة، أو لفت نظر.
19ـ قُمْ بتقديم خدمات جليلة لمحاربيه، وخُذْ معهم الصور التذكارية و أنت مبتسم؛ فقد يغضون الطرف عنك إذا عثروا عليك مُتلبِّسًا بتهمة فساد ذات يوم.
20ـ تذكَّر أن صاحب الدخل المحدود، الذي تمر الملايين من تحت يده، سيضعف في وقت غير بعيد، مادامت الرقابة في المجتمع ضعيفة، و الوازع الداخلي عند الناس شبه غائب.
21ـ إنّ البيروقراطية، و التمسُّك الشكلي بالقوانين بيئة خصبةٌ له، فعن طريق تطبيق النظام عطِّل مصالح النزيه، وبثغراته لبِّ رغبات الفاسد؛ لذا أكثرْ من تعلّم الأنظمة و القوانين، و راكمْها أمامك عندما يأتي أصحاب الحقوق، و جادلهم بها، فبينها ينمو الفساد بأمان.
22ـ أشعْ ثقافة أن الحقوق لا ينالها أصاحبها حتى تمطر سحائبهم على من بيده التوقيع، و الأختام.
23ـ غُضّ الطرف عن موظف المقصف، أو البوفيه، أو العسكري عندما يأخذ قليلاً من الشاي، أو القهوة، أو السكر، أو ( الدوسير )، أو ما فضل من عُلَب الضيافة إلى بيته، و ابتسم للموظف عندما يضع أحد الأقلام في جيبه، فبهذه الأمور اليسيرة يفسد الأنقياء.
24ـ ادرسْ عميلك جيدًا، و تأكَّد من المفتاح المناسب له؛ فقد يكون بالمال، أو المنصب، أو الشهرة ، و أمّا الجنس فإنّه يفتح أعتى الأقفال.
25ـ اقنع الشيخ، و عالم الدِّين أنّ حديثه عن فساد المرأة (ناقصة العقل و الدِّين )، أَوْلى من الحديث عنه، و اجعلْ مفتاح حديثك مع المتديِّن من الموظفين عن صلاتك الفجر اليوم، أو عن علاقتك مع بعض المنتمين إلى الجماعة التي ينتمي إليها، و سهرك البارحة معه عند أحد معارفه.
26ـ لا تكترث كثيرًا بالمثقفين، و لا تخشى حديثهم عن مظاهره و ضرورة محاربته؛ فهم مجاميع تَتَفَذْلك، و تتناطح فيما بينها، بعيدًا عنك.
27ـ احذر من الشفافية، فإنّها بداية النهاية؛ لذا لا تدّخر جهدًا أو وسيلة لمحاربة، أو التضييق على من يَدْعُون لها.
28ـ إذا عُرضَت عليك أكثر من وظيفة في الدولة؛ فاحرص على الجمارك، و إلاّ ففي منافذ الحدود: البرية، أو البحرية، أو الجوية، و لاسيّما ما كان منها متصلاً مع بلدان الثراء، الذين يحبون السياحة و راحة البال.
29ـ القضاءُ و ما أدراك ما القضاء؛ فإنّك إذا ماعثرت على القاضي الفاسد؛ ستقع على كنز لا يقدَّر بثمن، لذا أغدِقْ عليه، فلن يجرؤ أحدٌ على أن يسأله عن ثرائه المفاجئ، فهو الوصي على القانون، و يعرف كيف يردّ عليهم.
30ـ ختامُ القول: إنّ عدوك الأول هو الوازع الداخلي ( الضمير )، وسيكسب المعركةَ ضدك إن أفاق من غيبوبته في أيَّة لحظة؛ فاضربْ ـ إن شئت ـ فوق الحزام، أو تحته، كلَّ من يسعى لإيقاظه.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.