أمريكا.. وانهيار “أعمدة” النظام الدولي القديم (1/ 2)

لن تفرغ السيرة الذاتية لأمريكا من أبشع الكوارث الإنسانية، فسجلّها حافل بالدماء والحروب. فإن قلنا ها هم الأمريكان “قد شبعوا” من القتل والغزو والتدمير، نراهم يخيبون ظنوننا بفعلةٍ جديدة أبشع من سابقاتها؛

الأيام السورية؛ أحمد بغداداي

تحاول الإدارة الأمريكية الجديدة بعد خروج “ترامب” من البيت الأبيض، تنفيذ بعض المخططات الاستراتيجية بما يخص اقتصادها المهدّد من قبل الصين. إضافةً إلى إعادة هيكلة نفوذها في الشرق الأوسط، “براغماتياً”.. بعد إقصاء إيران من سوريا، وتحجيم روسيا (إلى حدٍّ ما)، التي أخذت “تتواقح” على القطب الأوحد، عقب تدخلها في ملفات عديدة، آخرها ليبيا، وصفقات الأسلحة النوعية مع تركيا.

لقد هددت الثورة السورية بخلع “أعمدة” النظام العالمي القديم (سنتطرق إليها)؛ فلا يذهب المعظم منّا بالقول “إن هنالك معارضين حقيقيين لسياسات ترامب في البيت الأبيض”.. هذا محض وهم. فالأمريكان منذ نشوء (دولتهم) عام 1783 على جماجم 108 مليون مواطن أمريكي أصلي من “الهنود الحمر” بمشاركة الإنكليز والإسبان، يعتمدون على “البروباغندا”، والإعلام الممنهج (أحياناً) الذي يعكس مصالحهم، لإظهار أنفسهم بأحسن صورة، أو على أنهم ديمقراطيون، وهم أصحاب المبادئ الإنسانية؛ أكان ذلك من خلال الأكاذيب المتكررة، والدعاية التي تمثّلت فيما بعد بــ”هوليوود”، أو عبر تصدير خطاباتهم على ألسنة “الرؤساء” وغيرهم من رجالات الإدارة الأمريكية وحلفائها.

“دولة” كأمريكا، نشأت بفضل الدماء، والأوبئة: “الطاعون والدفتيريا والحصبة والسل والكوليرا” التي تم نشرها عبر (هداياهم _الأغطية) الموزّعة على قبائل “الهنود الحمر” المتبقية، “كعربون ترضية” بعد كل مجزرة يرتكبونها بحق أهاليهم، هل نصدّق فعلاً أنها “دولة ديمقراطية”؟

أظهر الأمريكيون أنفسهم بأحسن صورة، على أنهم ديمقراطيون، وهم أصحاب المبادئ الإنسانية؛ أكان ذلك من خلال الأكاذيب المتكررة، والدعاية التي تمثّلت فيما بعد بــ هوليوود، أو عبر تصدير خطاباتهم على ألسنة الرؤساء وغيرهم من رجالات الإدارة الأمريكية وحلفائها.

إضافةً إلى هذا التاريخ الدموي للأمريكان، الذي يُعتبر السكوت عليه عاراً يلاحق كل إنسان حرّ، لم تكتفِ الإدارات الأمريكية المتلاحقة بكل هذا الخراب! فحشدت كل جهودها وجيوشها لمحاربة الأبرياء في العالم والمستضعفين، وشيطنتهم، لتكمل مسيرتها الإجرامية في ضرب مدينتي “هيروشيما وناجازاكي” اليابانيتين، بقنبلتين ذريتين في أغسطس/ آب 1945 قتل بفعل هذا الانفجار النووي وقتها على الفور قرابة 220،000 من المدنيين؛ لتذهب بعدها إلى “فيتنام”، حاصدةً آلاف الأرواح هناك، علاوة على تعرض أكثر من 4،000،000 “فيتنامياً” للتسمم بمادة الديوكسين (العامل البرتقالي). ولم تنتهِ حروب الولايات المتحدة الأمريكية هنا، إذ إنها لعبت دور (الوسواس الخنّاس) مع بعض من دول الخليج على رأسها السعودية، لإذكاء النيران التي تسببت بنشوب حرب الخليج الأولى (الحرب العراقية الإيرانية) عام 1980 حيث استمرت ثماني سنوات، راح خلالها مليون قتيل من كلا الطرفين.

إذن، حدّث ولا حرج، لن تفرغ السيرة الذاتية لأمريكا من أبشع الكوارث الإنسانية، فسجلّها حافل بالدماء والحروب. فإن قلنا ها هم الأمريكان “قد شبعوا” من القتل والغزو والتدمير، نراهم يخيبون ظنوننا بفعلةٍ جديدة أبشع من سابقاتها؛ فلمجرد انتهاء ما تسمى “أحداث 11 أيلول عام 2001” التي استهدفت برجي مركز التجارة الدولية ومقر (البنتاغون)، حتى شنّت أمريكا حرباً ضروساً ضد أفغانستان، عنوانها العريض ـ الحرب على الإرهاب ـ تبع هذه الحرب غزو العراق عام 2003 وتدميره من كل النواحي، بمشاركة بريطانيا، ومساعدة إيران (صديق الأمس، عدو اليوم)!

يبدو أن الأمريكان لن يبتعدوا كثيراً عن الشرق الأوسط، وخاصةً في سوريا “المنطقة الشمالية الشرقية”، التي تعتبر خاصرة رخوة، تشهد نزاعات واقتتال شرس على النفوذ، حيث ثروات الطاقة “الغاز والنفط”، ما جعل أمريكا تنشئ قواعد عسكرية عديدة في دير الزور والحسكة، بذريعة (مراقبة) المجريات، وضبط الساحة.. إضافة إلى ذلك، دعمها المباشر للفصائل الكردية، التي تحارب تحت غطائها، وتستعملها واشنطن أيضاً كورقة ضغط على الأتراك، لتقديم تنازلات أكثر في الملف السوري، الذي بات بنسبة كبيرة في حوزة “الروس”، سياسياً وعسكرياً؛ يضاف إلى ذلك، دور إسرائيل واتفاقها مع الحليفين (أمريكا وروسيا) في طرد إيران وميليشياتها خارج سوريا. كل هذه العوامل، تجعل أمريكا صاحبة الكلمة الأولى، في المجريات، رغم أنها لم تظهر ذلك بقدر معيّن داخل سوريا، إلا أن لها الدور الرئيس في ضرب الثورة السورية، مع النظام السوري والسعودية، وبعض من دول الخليج، ودول (أصدقاء سوريا)!

فأمريكا كما يعرف الأغلب منّا أنها تلعب سياسة (التاجر اليهودي)، لا تُثمّن، بل إنها تغبن “الزبون”، وهذا ما لم يدركه الكُرد حتى هذه اللحظة (الأحزاب والفصائل العسكرية). فهل ينتظرون وقت المساومة، أي الكُرد، ليخسروا من جديد ويتم التخلي عنهم، ورميهم في ساحة صراع وتناحر مع باقي الفصائل المتواجدة في شرقي الفرات، ليبدأ التدمير الذاتي؟

أم أنّ الأمريكان لديهم حتى الآن مفاجآت جديدة للأتراك، تخرج من قبعة (الساحر الجديد -بايدن) تتمثّل بتوجيه الفصائل الكردية نحو الاقتتال مع الفصائل التي تدعمها تركيا؟

أمريكا تلعب سياسة التاجر اليهودي، لا تُثمّن، بل إنها تغبن الزبون، وهذا ما لم يدركه الكُرد حتى هذه اللحظة الأحزاب والفصائل العسكرية. فهل ينتظرون وقت المساومة، ليخسروا من جديد ويتم التخلي عنهم.

فبعد فشل الانقلاب العسكري بتاريخ 15 تموز/ يوليو 2016 الذي جاء بمثابة صفعة بظاهر الكفّ من قبل الأتراك للدول التي موّلت هذه الحركة العسكرية الجريئة، ولواشنطن بالدرجة الأولى، التي كان جلّ همومها كسر الإرادة التركية عبر مشاريع (تحالفات) سياسية واقتصادية ضدّها، أثبت الأتراك براعتهم في “الرقص على رؤوس الثعابين”، ليفتحوا ملفات أخرى بشكل أوسع، استطاعوا من خلالها لوي الذراع الأمريكية على مراحل؛ منها الملف السوري، وهو الأهم، إضافةً إلى تحكّمهم بمدى جديّة العلاقة الإيرانية التركية والمساومة عليها، والتحالفات الجديدة التي تقضّ مضجع الأمريكان.. وذهابهم نحو سوق السلاح الشرقي (الروسي)، رافعين الأصبع الوسطى في وجه “ترامب” سابقاً، وتكنولوجيا واشنطن في مجال التسليح، وتفرد الأخيرة بالقرارات الدولية الذي بات يقلق دول الاتحاد الأوروبي، وخاصةً “ألمانيا”، التي تعتبر من أبرز الدول الاقتصادية في العالم.

-قبل أن نختم الجزء الأول من المادة، لننتقل إلى تفنيد “العنوان”، نسأل الشعوب التي عاصرت عقب الربيع العربي سياسات أمريكا في المنطقة: هل سوف نرى سياساتٍ متزنة وعادلة بحق المضطهدين وخاصةً في سوريا من قبل إدارة “جو بايدن”؟


أحمد بغدادي، شاعر وصحفي سوري، مقيم في تركيا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.